قواعد الاشتباك الجديدة فى الأزمة الليبية - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
السبت 11 يوليه 2020 4:43 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

قواعد الاشتباك الجديدة فى الأزمة الليبية

نشر فى : الأربعاء 24 يونيو 2020 - 8:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 24 يونيو 2020 - 8:55 م

كان التلويح المصرى باستخدام السلاح فى الأزمة الليبية منضبطا بتوقيته وصياغته على حقائق وموازين القوى المتنازعة ومدى الاستعداد الدولى باختلاف مصالحه لتقبل دوافعه.
بالتوصيف العسكرى، لم يكن التلويح بالسلاح «إعلان حرب» بقدر ما كان «رسالة ردع» لأى تمركزات إرهابية محتملة بالقرب من الحدود الغربية، أو لأى مشروع استيلاء بالقوة على مدينة «سرت» الاستراتيجية بالقرب من الهلال النفطى.
وبالتوصيف الدبلوماسى، فهو رسالة استدعاء للحلول السياسية عبر الأمم المتحدة وفق «مسار برلين» و«إعلان القاهرة» حتى لا يكون السلاح بديلا وحيدا لصراعات القوى والاستراتيجيات والمصالح.
لأول مرة منذ بدء الصراع على ليبيا ومستقبلها تبدت استراتيجية مصرية على قدر من التماسك وتأكدت أهمية المبادرة فى اكتساب وزن واعتبار فى حسابات القوى الإقليمية والدولية المتنازعة.
الاحتكام إلى السلاح لا يجرى فى فراغ استراتيجيات ومصالح متنازعة، هذه حقيقة أولى.
والاحتكام إلى الدبلوماسية أقرب إلى إقرار شبه جماعى باستحالة الحسم العسكرى، وهذه حقيقة ثانية.
باختلاف مواقع المصالح واعتبارات النفوذ ترددت العبارات الدبلوماسية نفسها من اللاعبين الكبار بلا استثناء.
فيما يشبه الأوركسترا أخذت كل الأطراف تتحدث عن وقف إطلاق النار فوريا والعودة بأسرع ما يمكن لموائد التفاوض وفق «مسار برلين».
لم تكن النغمة المشتركة تعبيرا عن تفاهمات حقيقية، بقدر ما كانت محاولة لالتقاط الأنفاس استبيانا لما قد يحدث تاليا على مسرح مشتعل بالنيران خشية صدام مسلح مصرى تركى تفضى تبعاته إلى حرب إقليمية واسعة يصعب تحمل تداعياتها.
كما كانت تعبيرا عن قلق معلن ومكتوم من أن تمتد شرارات النيران إلى الصراع على الغاز فى شرق المتوسط حيث تتنازع تركيا مع اليونان وقبرص وفرنسا ودول أخرى مصر فى مقدمتها.
كان تحرش ثلاث فرقاطات تركية بفرقاطة فرنسية فى شرق المتوسط داعيا للتساؤل عما إذا كانت ألعاب السلاح قد تفلت لصدامات يتسع نطاقها بين دول تنتسب إلى حلف «الناتو».
وفق الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون» فإن تركيا تلعب ألعابا خطرة فى ليبيا لا يمكن التساهل معها مبديا تفهمه للموقف المصرى فيما يشبه الدعم المعلن، وتركيا ترد بتجاوزات لفظية بحق «ماكرون» كرجل يعانى اضطرابات ذهنية.
هذه أوضاع تدهور داخل حلف «الناتو»، الذى يضم البلدين المتنازعين، كأنه مات إكلينيكيا ــ بتعبير «ماكرون».
بين الدبلوماسية والسلاح فى أوضاع مضطربة ومصالح متضاربة تنشأ قواعد اشتباك الخروج عنها يفضى مباشرة إلى كتل نيران متدافعة لا يعرف أحد أين تتوقف ولا قدر الخسائر المترتبة عليها.
قواعد الاشتباك تصنعها التوازنات والمصالح المتضاربة، كما لو كانت حركة بيادق على لوحة شطرنج، كل خطوة بحساب وأى سوء تقدير فالخسارة محتمة.
هكذا بدأت كل الأطراف المتداخلة تطلق العبارات الدبلوماسية كسحب دخان لمواقفها الحقيقية، أو كغطاء لأية إعادة تمركز على خرائط النفوذ والمصالح فى ليبيا.
بالنسبة لمصر فإن أمنها القومى عند «سرت ــ الجفرة» خط أحمر.
وبالنسبة لتركيا فالنفط والغاز هدفها الرئيسى بالوجود على الساحة الليبية، وأى تراجع محتمل أقرب إلى الخسارة الاستراتيجية فى طلب التمدد الإقليمى، كما أنه يهز ثقة أنصارها فى التيار الإسلامى باختلاف درجات تشدده فى قدرتها على قيادته وتزعمه.
هل يعنى ذلك أن الصدام العسكرى محتم؟
لا مصر سوف تبادر بإطلاق النار قبل أن تتهدد سرت بالسقوط، ولا تركيا سوف تتوقف عن التلويح بالسيطرة عليها.
عند الخطوط الفاصلة تتداخل أطراف دولية نافذة، لكل طرف مطالبه وضغوطاته.
بقدر الضغوطات لوقف فورى لإطلاق النار عند خطوط القتال الحالية تتحدد موازين القوى الفعلية، وما يمكن أن تندفع إليه الحوادث.
كان لافتا الاجتماع المثير فى توقيته وطبيعته فى مدينة «زواره» غرب ليبيا، الذى ضم رئيس حكومة الوفاق «فايز السراج» ووزير داخليته «فتحى باشاغا» إلى الجنرال «ستيفن تاونسند» قائد القوات الأمريكية فى إفريقيا «افريكوم» مصحوبا بالسفير الأمريكى.
بطبيعة اللقاء فهو بالمقام الأول «عسكرى»، يناقش حسابات الميدان واحتمالاتها، ويزكى سيناريو على آخر.
بالتصريحات الأمريكية فإنه استهدف التأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار والتوصل إلى حل سياسى برعاية أممية.
وبتصريحات «الوفاق» فإنه استهدف «دعم سيادة ليبيا ووحدة أراضيها من أى تهديدات خارجية»، قاصدا التلويح المصرى، و«العمل على تفكيك الميليشيات الخارجة عن القانون» قاصدا الجيش الوطنى الذى يقوده المشير «خليفة حفتر» لا ميليشيات طرابلس التى تضم أعدادا كبيرة من المرتزقة السوريين وعناصر تنتمى إلى تنظيم «جبهة النصرة» و«داعش».
أين تقف أمريكا بالضبط؟
بالنظر إلى طبيعة علاقاتها بتركيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فإنها لا يمكن أن تتخلى عنها مهما بلغ ضيقها من بعض تصرفات الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان».
فى فترة الحرب الباردة لعب الحليف التركى دورا وظيفيا بالقرب من الحدود السوفييتية، وكانت قاعدة «أنجرليك» بالغة الأهمية فى الاستراتيجية العسكرية الأمريكية تعبيرا عن قوة ردع تحتوى نحو (50) قنبلة نووية.
وقد لعبت تركيا دورا وظيفيا آخر فى معادلات الشرق الأوسط مناوئ لحركات التحرر الوطنى ودعوات الوحدة العربية التى تبنتها مصر فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى تحت قيادة «جمال عبدالناصر».
فى الحقبة الأخيرة اضطلعت بدور وظيفى جديد فى سوريا، احتذت الاستراتيجيات الغربية، قاتلت باسمها وفاوضت باسمها عبر «مسار آستانا»، وعملت على تمكين واشنطن من النفط السورى مقابل غض الطرف عما ترتكبه من انتهاكات بحق الأكراد، الذين يفترض تحالفهم مع الولايات المتحدة!
تحت ستار الدعم الأمريكى، معلنا أو ضمنيا، تغول الدور التركى فى سوريا وليبيا وشرق المتوسط والعراق، وهو ما يستحيل تصوره إذا لم يكن هناك ضوء أخضر يسمح ويجيز ويشجع.
بالتداعيات تبدى قدر التدهور فى «تحالف الضرورة» بالأزمة السورية، الذى جمع موسكو وأنقرة وطهران، دون قطيعة لأسباب برجماتية.
موسكو مالت إلى القاهرة، أيدت عمليا ما اتخذته من مبادرات بالدبلوماسية والسلاح، نفت أن تكون لها قوات فى ليبيا، واعتبرت التقارير الأمريكية محض مزاعم.
هذه حسابات مصالح واستراتيجيات.
ودمشق أيدت الموقف المصرى فيما يتخذه من إجراءات للدفاع عن أمنه القومى، ومضت إلى إعلان تأييدها للجيش الوطنى الليبى والبرلمان المنتخب دون لبس.
كانت تلك رسالة لها مغزاها من توقيتها: «نحن معكم فكونوا معنا».
فى الرسالة تأكيد على أهمية عودة سوريا إلى الجامعة العربية ورفع مستوى العلاقات الدبلوماسية معها.
إن الوجود المصرى على الحدود التركية ممكن وضرورى بدعم الجيش السورى كرد استراتيجى على المسعى التركى للتمركز بقرب الحدود المصرية تهديدا لأمنها القومى.
بغض النظر عن مدى الضعف الفادح فى النظام الإقليمى العربى إلا أن القرارات التى صدرت عن اجتماع وزراء الخارجية العرب اكتسبت قيمتها من اتساقها ــ أولا ــ مع المقررات الدولية ودعوات وقف إطلاق النار وإدانة التدخلات الأجنبية والتأكيد على حل الميليشيات، وما وفرته القاهرة ــ ثانيا ــ من رسالة ردع أضفت شيئا من الجدية على ما يجرى تبنيه من قرارات.
جرت فى الاجتماع الوزارى العربى تحفظات على قراراته التى بدت متوازنة، بعضها لا يلتفت إليه مثل موقف حكومة «الوفاق» مدافعا عن الوجود العسكرى التركى، وبعضها متوقع مثل الموقف القطرى المؤيد للاستراتيجية التركية بالنكاية فى الدول الخليجية الأخرى، وبعضها يستحق المراجعة لضبط الصلات والعلاقات مع دولتى الجوار العربيتين الأخرتين مع ليبيا الجزائر وتونس، خاصة الأخيرة فى ظل مواقفها المتناقضة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان.
بقدر إدراك الحقائق فى قواعد الاشتباك الجديدة تكتسب المواقف والمبادرات قدرتها على الإقناع والتأثير والردع دون إطلاق رصاصة واحدة إلا إذا كان الضغط على الزناد إجباريا.