حوار السُخنة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 29 يوليه 2021 6:17 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

حوار السُخنة

نشر فى : الخميس 24 يونيو 2021 - 8:00 م | آخر تحديث : الخميس 24 يونيو 2021 - 8:00 م
على مدار ثلاثة أيام نظمّت الهيئة القبطية الإنجيلية لقاءً ثقافيًا في العين السُخنة عنوانه "المجتمع المدنى وبناء الوعي: تحديات اللحظة الراهنة"، ومسألة بناء الوعي هذه تُعّد مسألة حاضرة دائمًا في عمل الهيئة، فمنذ انضممتُ إلى منتدى حوارها قبل نحو خمسة عشر عامًا وأنا شاهدة على اشتباكها مع قضايا المواطنة والتعددية ونبذ خطاب الكراهية بكل الطرق: أيسرها وأكثرها تقليدية كالندوات واللقاءات الحوارية والمحاضرات، وأصعبها وأكثرها مغامرةً كجمع المختلفين في التفكير والخلفية والمزاج وإتاحة الفرصة أمامهم للتعايش معًا ليدرك كل منهم أنه ليس وحده في العالم، وأنه ناقص بمفرده ومع غيره يكتمل. وحين كنت أنظر حولي في القاعة كنت أستطيع أن أشير إلى الجيل الأول من خريجي مدرسة الهيئة (وهي مدرسة فكرية افتراضية بطبيعة الحال) والجيل الثاني والثالث ممن تغيرت رؤاهم وأعيد تشكيل مفاهيمهم وبناء شخصياتهم من خلال المشاركة في الأنشطة المختلفة للهيئة، فهذا إذن جهد متصل وليس جديدًا علي الهيئة .
•••
من بين أربع جلسات توزعَت عليها أعمال اللقاء، عدا جلسة الافتتاح للعزيزين الدكتور القس أندريا زكي رئيس الطائفة الإنجيلية ورئيس الهيئة القبطية الإنجيلية والأستاذة سميرة لوقا رئيسة قطاع الحوار بالهيئة وجلسة الختام عن التوصيات، أتوقف أمام الجلسة الثالثة عن الفن ودوره في بناء الوعي، وهي الجلسة التي قُدّمت فيها ورقة لرامي جلال عامر المدرس المساعد بآداب الإسكندرية، وذلك لأن موضوع الفن في علاقته بالتغيير أو ببناء الوعي وإن كان موضوعًا قديمًا، إلا أنه موضوع مهم والنقاش حوله مستمر وهو جوهر قوة مصر الناعمة. هل نحن بحاجة إلى فلترة النماذج التي يقدمها الفن بشكل عام والدراما بشكل خاص حتى نساهم في تكوين وعي سليم؟ كان هذا هو السؤال الذي قفز إلى ذهني ورامي جلال يتحدث عن بعض كلاسيكيات السينما المصرية التي سوّقت لنا أو حببّت لنا- كما يرى- بعض السلوكيات غير السوية. نموذج كمال (نور الشريف) تاجر المخدرات العادل الذي يصر على قسمة الحق لميراث والده بينه وبين إخوته، والزوج شديد الوفاء لزوجته المحبّة روقا (نورا) في فيلم "العار" للمخرج العظيم علي عبد الخالق. عندما ضرب رامي مثلًا بفيلم العار الذي هو أحد العلامات الفنية في تاريخ السينما المصرية، مِلت على صديقتي في المقعد المجاور وقلت لها: ليت رامي لا يتطرق لفيلم "نهر الحب"، هذا الفيلم الذي يُضرَب به المثل في كل مناسبة باعتباره مسؤولا عن الترويج لمفهوم تفكيك الأسرة، فلم أتم الجملة حتى كان رامي يقول لنا إن الزوجة نوال (فاتن حمامة) في فيلم "نهر الحب" قُدّمت في شكل مثالي مقابل شيطنة زوجها طاهر (زكي رستم) بهدف جعل المشاهد يتعاطف معها حين تطلب الطلاق وتترك ابنها من ورائها… وقع رامي في المحظور !
•••
في مناقشة دور الفن في بناء الوعي تمثل قضية التعامل مع المتلقي مشكلة كبيرة، فهناك اتجاه يرى أهمية ضبط الشخصيات الفنية من المنبع بحيث لا يظهر منها على الشاشة إلا النماذج الجيدة، حتى إذا توحّد معها المتلقي كان الأثر إيجابيًا. لاحقًا فهمت من رامي أن توحد المُشاهد مع البطل مثّل هاجسًا مقلقًا لفنانين كبار، وأظن أن هذا الهاجس مبعثه الخوف من تقمص المشاهد شخصية فنية غير سوية أو أخرى قد تتسرب إلى العرض السينمائي أو المسرحي، ومن هنا دعا أمثال الكاتب الألماني الشهير بيرتولد بريخت إلى منع حدوث التقمص بأى شكل: تقليل المؤثرات البصرية والسمعية، والتواصل المباشر بين الفنان والمشاهد، وباختصار تكبيل خيال المشاهد وجعله طوال العرض واقفًا على أرض الواقع. اتجاه آخر يرى أن إعمال معيار الصوابية الأخلاقية في الأعمال الفنية يعني ألا يقدّم الفن إلا الشخصيات السوية وهو ما يبتعد عن الحقيقة، وهكذا ما كانت لتظهر أعمال مثل "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ، أو "الرباط المقدس" لتوفيق الحكيم، أو "الحب الضائع" لطه حسين، أو "قاع المدينة" ليوسف إدريس، ولا كان سيتم تجسيدها سينمائيًا لأن البطلات نفيسة وسميحة وليلى وشهرت في هذه الأعمال الفنية على التوالي هي شخصيات عانت من انحرافات سلوكية مختلفة، وبطلاتنا لا تخطئن، لا تخطئن أبدًا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن فكرة التوحد بين المشاهد والعمل الفني تنطوي على درجة كبيرة من المبالغة لأنها تتعامل مع المتلقي وكأنه تحت تأثير التنويم المغناطيسي، وذلك أننا حين نصادف كما في فيلم "عفريت مراتي" شخصية مثل شخصية عايدة (شادية) التي كانت تتقمص كل النماذج السينمائية التي تشاهدها من أول ريّا وسكينة وحتى إيرما الغانية، نكون إزاء حالة مَرَضية تمثل الاستثناء ولا يمكن القياس عليها، فالقاعدة هي أنه في اللحظة التي تضاء فيها أنوار الصالة أو ينزل ستار المسرح يتحول العمل الفني لمجرد ذكرى. وفي العام الماضي عندما أحبّ المصريون أفراد عصابة سكر خفيفي الظل في مسلسل "ب١٠٠وش" وتمنوا لهم أن يفلتوا من العقاب، فإن هذا كان لإطالة زمن المتعة الفنية إلى المدى الأقصى، فإن وُجِد من استوحي من العمل فكرة جديدة للنصب فلأنه منحرف وليس لأن المسلسل شجّعه على النصب. شخصيًا أعترف أني تواصلت مع الدكتور محمد العدل لأطلب وساطته في تغيير سيناريو المسلسل إن كان سينتهي إلى القبض على سبعبع وشلته، فلقد أحببت كملايين غيري هذا الفنان الجميل- شفاه الله- وأحببنا كل من كانوا معه.
•••
إن محاكمة الخيال تُحوّل الفن إلى حصة أخلاق، وبناء الوعي الإيجابي لا يتم بالتوجيه وإن حدث ذلك فلن يستمر فكل مفروض مرفوض، وجيلنا الذي شاهد رقص تحية كاريوكا وسامية جمال، وقرأ روايات إحسان عبد القدوس ويوسف إدريس، وأحّب على وقع قصائد نزار قباني حين تغنيها نجاة الصغيرة، ولم يمر عليه من قريب أو بعيد مصطلح السينما النظيفة- هو نفس الجيل الذي يمتدح الجميع منظومته القيمية ويتباكى على غيابها لدى أبناء وبنات اليوم. بطبيعة الحال فإنه زمان وفي كل وقت يظل الفن جزءًا من سياق عام، زمان كان المدرسون مربين، وكان يوجد حضور للأسرة ودور للمكتبات العامة والمراكز الشبابية والنوادي الرياضية، وزمان لم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي تضخ مواد يستحيل السيطرة عليها، ومعنى هذا أن الفن لا يمكنه أن يصنع وحده جمهورية أفلاطون، وهي جمهورية على كل حال غير ممكنة التحقيق أصلًا، لكن أداء كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية لوظائفها يصنع لنا في النهاية مجتمعًا طبيعيًا سويًا، أما الحديث عن دور كبير للفن في بناء الوعي الإيجابي ثم البدء بتقييد الفن بما يجب وما لا يجب فإن هذا كمن ينزع الروح عن الجسد ثم يطالب الجسد بمقاومة المرض.
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات