اعتصام التحرير.. والمرحلة الجديدة لثورة يناير - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 28 فبراير 2020 9:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


اعتصام التحرير.. والمرحلة الجديدة لثورة يناير

نشر فى : الإثنين 25 يوليه 2011 - 10:08 ص | آخر تحديث : الإثنين 25 يوليه 2011 - 10:08 ص

 لا يملك المراقب لأحوال ثورة يناير خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة سوى أن يخرج بانطباع مفهوم وإن كان غير صحيح، هو أن هذه الثورة العظيمة التى أطاحت بحكم استقر قرابة ثلاثة عقود من الزمن، وغيرت من تركيبة نظام الحكم فى مصر، لم تعد تملك من وسيلة نضالية سوى الاعتصام فى ميدان التحرير، وفى بعض الميادين الأخرى فى مصر، ولا شك أنه سيتملكه العجب من إصرار كثيرين فى صفوف عشرات الائتلافات التى تتحدث باسم الثورة على مواصلة الاعتصام فى ميدان التحرير، على الرغم من كل الشواهد التى تشير إلى أن هذا الاعتصام، وقد حقق جانبا من مطالبه، أصبح يفقد فعاليته كأداة للضغط على كل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحكومة الدكتور عصام شرف من أجل تحقيق أهداف الثورة التى لم تنجز تماما حتى الوقت الحاضر، بل إن العجب يزداد، أن يستمر هذا الإصرار ومصر توشك على الانتقال إلى مرحلة جديدة لو تمت الانتخابات التشريعية التى يدعو إليها المجلس العسكرى، ووفقا للقانون الذى أعده، لأن هذه الانتخابات سوف تفضى إلى استنساخ نظام الرئيس المخلوع بمؤسسته التشريعية، ومزاولة السلطة من جانب ائتلاف من الإسلاميين وأنصار الحزب الحاكم السابق فى ثياب جديدة، وهو ما يعنى، مع كل الاحترام لكل فصائل الإسلاميين دفنا لتطلعات ثورة يناير لنظام سياسى مدنى فى مصر.



الاعتصام ليس هو الوسيلة الوحيدة للنضال السلمى

من المؤكد أن الاعتصام ليس هو الوسيلة الوحيدة للنضال السلمى، بطبيعة الحال هو وسيلة مشروعة تماما، ولكنه ليس هو الوسيلة الوحيدة ولا الأكثر فعالية، هناك المسيرات السلمية والإضرابات والمظاهرات والتحالف مع قوى سياسية أخرى ونشر الوعى الصحيح بين المواطنين، وقد تتفتق قٌريحة الحركة السياسية الثورية الملتزمة بالعمل السلمى عن أساليب أخرى، ولكن حتى فى حالة الاعتصام، هناك شروط لنجاحه، منها بكل تأكيد أعداد المشاركين فيه، ونوعيتهم، وتنظيمهم، ووحدتهم، ووضوح أهدافهم، وواقعيتها بالنسبة لمن يواجهونهم بالاعتصام، ومدى مساندة الرأى العام لهم، وقد أوضحت ملاحظات الكاتب خلال الأسبوع الماضى وكذا شهادة بعض قادة الاعتصام أنفسهم أن الاعتصام بدأ يفقد بعض هذه الشروط، إن لم يكن كلها، فأعداد المشاركين فيه فى تناقص، وقد لا تتعدى بضع مئات، كما أن العديدين منهم لا يمثلون حركات سياسية، وإنما هم يرفعون مطالب فئوية متنوعة، ومع الاعتراف بعدالة هذه المطالب، وبمشروعية مشاركة أصحابها فى الاعتصام، إلا أن وجودهم بهذه الكثرة، ومع وجود ضعيف نسبيا للحركات السياسية الجديدة يخلع عن الاعتصام طابعه الوطنى الشامل، فضلا على افتقاد التنظيم المحكم فى الميدان، مما جعل من الصعب على زائر الميدان أن يلمس الفارق بين الباعة الجائلين والمعتصمين، ومما أدى إلى افتقاد السيطرة على مداخل الميدان، وهو ما أسهم فى دخول عناصر تصادمت مع المعتصمين، كما أصبح الاعتصام يفتقد شرطا ضروريا آخر لنجاحه وهو تضامن المواطنين مع المعتصمين، وخصوصا بعد خطاب تكليف الحكومة الجديدة من جانب المشير حسين طنطاوى، والذى تبنى عددا مهما من مطالب المعتصمين، بل وإجراءات محددة اتخذتها الحكومة والمجلس العسكرى فى الأسبوع الماضى، مثل السماح بالبث التليفزيونى لوقائع محاكمة بعض المسئولين السابقين، وتحديد موعد لمحاكمة من لم يخضع منهم بعد للمحاكمة، وفى مقدمتهم الرئيس المخلوع، وذلك فضلا عن المطلب الخاص بمحاكمة المسئولين عن إفساد الحياة السياسية. وإذا كانت المشاركة الواسعة من جانب ملايين من المصريين فى ثورة يناير، وعلى نحو فاق توقعات من بادروا بالدعوة لها، كان هو أحد الأسباب الرئيسية لنجاحها، فإن عدم وضوح أسباب هذا الاعتصام لنفس هذه الملايين، وتعدد الشواهد على ضيقهم به يلغى شرطا أساسيا لنجاحه.


البحث عن وسائل النضال المناسبة فى مرحلة جديدة من الثورة

ولكن أخطر جوانب هذه القضية هو أن الإصرار على الاعتصام يجرى فى وقت يبدو فيه أن تطورات الشهور القادمة قد تعنى عمليا ترحيل هدف إقامة الدولة المدنية إلى أجل غير معروف مع احتمال أن تفرخ الانتخابات التشريعية القادمة مجلسين للبرلمان يسيطر عليهما فريقان لن يصعب عليهما الاتفاق بل والتحالف وهم من ناحية الإسلاميين بجميع فرقهم، وأنصار الحزب الوطنى الحاكم سابقا، والذين يعتمدون على أسلحة المال والعصبية والبلطجة فى كسب الانتخابات، وهى أسلحة ماضية فى ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى بلد لم يعرف حياة حزبية مستقرة لأكثر من ستة عقود.

على الأقل الإسلاميون بجميع فرقهم عبروا عن رفضهم للدولة المدنية بهجومهم الشديد على كل محاولات صياغة مبادئ حاكمة للدستور، على الرغم من مشاركة الإخوان المسلمين فى صياغة واحدة من تلك الوثائق التى تبنت هذه الفكرة، وهم بمواقفهم من هذه القضية يؤكدون أنهم لا يريدون شريكا آخر لهم فى صياغة الدستور القادم، والذى ستعده جمعية تأسيسية ينتخبها مجلسا البرلمان القادمان والذين يتطلعون للسيطرة عليهما، ولن تكون لديهم أى صعوبة فى إقناع أنصار الفريق الآخر بمجاراتهم، فهؤلاء الآخرون لا يجدون غضاضة فى استخدام الدين لكسب الشعبية وللحفاظ على مصالحهم، كما أثبتت تجربة العقود الأربعة الأخيرة.

وهكذا بينما تشير معظم الاحتمالات إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة عازم على المضى فى إجراء الانتخابات التشريعية القادمة وفقا لقانون انتخابى تعارضه معظم القوى السياسية والحزبية، ويعلن الإخوان المسلمون الذين عارضوه فى البداية عن قبولهم له بتحفظ مازال معتصمو التحرير والقوى السياسية التى تساندهم مشغولين بمطالبهم المشروعة بكل تأكيد، ولكنهم منصرفون تماما عن قضايا استراتيجية تتعلق بمستقبل هذا الوطن، وهل سيحكمه نظام مدنى، أم يحكمه نظام يستخدم الدين بحسب تفسيره له أداة للوصول إلى السلطة منتهكا الحقوق الأساسية للمواطنين على نحو لا يختلف عما تعرفه إيران أو تعرفه المملكة العربية السعودية، وهكذا بينما يتحرك المجلس الأعلى فى جانب ويتحرك الإسلاميون فى جانب آخر لخوض هذه المعركة الاستراتيجية، ويستعد أنصار الحزب الوطنى لمشاركتهم فى هذه المعركة، تصر كثير من القوى التى تنتسب لثورة يناير على مواصلة اعتصام أهدافه غير واضحة وبأعداد هزيلة بينما تسرع التطورات السياسية فى اتجاه آخر لإرساء دعائم نظام يتناقض تماما مع ما دعت إليه ثورة يناير، بل وقد بدأت نوايا من يمكن أن يهيمنوا على هذا النظام فى تصريحات من تظاهروا فى ميادين رمسيس وروكسى، ومصطفى محمود، والذين أعلنوا جميعهم عن رفض فكرة الدولة المدنية التى دعت إليها ثورة يناير.

إن خطورة التحدى الذى تواجهه ثورة يناير مع هذه التطورات تقتضى إعادة توجيه بوصلة الثورة فى الاتجاه الصحيح، والذى يتمثل فى التركيز على قضية الانتخابات هذه وذلك بالسعى من ناحية لإقناع المجلس الأعلى بالعدول عن تخصيص نصف المقاعد للمرشحين الأفراد، والذى يفتح الباب أمام نفاذ أنصار النظام السابق إلى المؤسسة التشريعية التى ستتحمل مسئولية انتخاب الجمعية التأسيسية التى تضع الدستور الجديد، ولأنه من المستبعد أن يغير المجلس الأعلى هذا الشق الأساسى فى النظام الانتخابى الذى أقره دون التشاور مع القوى السياسية الفاعلة بما فى ذلك القوى التى قامت بالدور الأساسى فى الثورة، فليس أمام هذه القوى سوى بذل كل الجهد لخوض الانتخابات القادمة، والسعى لإقناع المواطنين بصحة مواقفها والتعلم من التجربة، وبدون أن تفعل ذلك، فسوف يحكم التاريخ عليها بأنها ليست على مستوى التحدى الذى يواجه مصر ويواجهها.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات