العرب وسياسية التطويق - مصطفى الفقي - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 يناير 2026 12:43 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

العرب وسياسية التطويق

نشر فى : الإثنين 26 يناير 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : الإثنين 26 يناير 2026 - 6:40 م

لم تشهد المنطقة العربية فى تاريخها عبر العصور المختلفة ذلك المشهد الذى نراه الآن، إذ إننا نشعر أن هناك محاولة لتطويق العالم العربى من كل اتجاه بدءًا من منابع النيل وشرق إفريقيا وسواحل البحر الأحمر وصولاً إلى سيناء والتماس مع غزة والأراضى الفلسطينية الأخرى، فضلاً عن متاعب الشمال الشرقى بما فى ذلك غاز البحر المتوسط والساحل الطويل للشاطئ مع الأراضى الليبية بظروفها المعروفة وانقساماتها التى لا مبرر لها، كل ذلك بالإضافة إلى الوجع الحقيقى الذى يدركه المصريون خصوصًا من أمرين واضحين أولهما الوضع المتفجر فى السودان وثانيهما معضلة السد الإثيوبى والعرض الأمريكى الذى قدمه ترامب بالوساطة بين القاهرة وأديس أبابا وهو أمر يحمل فى ظاهره بوادر مشجعة ولكنه يحمل أيضًا فى طياته احتمالات أخرى، فى مقدمتها التعريف البسيط للوسيط النزيه، فالوساطة ليست مكسبًا فى حد ذاتها ولكنها تنطلق من حسابات سياسية معروفة هى التى تمهد الطريق لقبول الوسيط والثقة فيه، خصوصًا إذا كان ذلك الوسيط قويًا بوزن الولايات المتحدة الأمريكية وثقيلاً بحجم أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وإعلامية فى عالمنا المعاصر، لذلك فإن الأمر يحتاج إلى بصيرة عميقة تتسع معها دائرة المعارف المحيطة بظروف كل حدث، ولأن الوسيط غالبًا ما يكون قويًا بدرجة كافية فإنه يجب أن يكون محايدًا لأقصى درجة، وقد لاحظ الجميع فى الشهور الأخيرة أن هناك محاولات خارجية وأخرى عربية تسعى لدق أسافين بين أبناء الشعب العربى الواحد وذلك بنشر الشائعات والترويج للأخبار المنتقاة عمدًا لضرب الأمة العربية فى مواقعها المختلفة وزرع الشكوك فى كل اتجاه وتحويل التنافس الحضارى إلى صدامٍ شعوبى يبدو غريبًا على التقاليد العربية والمفاهيم القومية، ولقد تمكنت قوى أجنبية من اصطناع ميليشيات عميلة فى الداخل تحت مسميات مختلفة تتمسح بالدين أحيانًا وبالقومية أحيانًا أخرى ولكنها تسعى فى كل الأحوال لتدمير البنية الحضارية والفكرية للعرب! فالمشهد الحالى رغم بعض الإيجابيات التى لا ننكرها يشمل فى معظمه قدرًا كبيرًا من التفاوت الواضح فى المواقف والخروج الفاضح عن المبادئ ولقد اختلط لدينا قدر كبير من العوامل المختلفة التى تؤثر فى المشهد الحالى، ولعلنا نرصد بعضها فى النقاط التالية:

 


أولاً: إن ما نرقبه اليوم من خلط واضح بين الثوابت القومية والسياسات الإقليمية إنما يدل على أن العرب هدف أساسى للأطراف غير العربية بلا استثناء، بدءًا من إسرائيل مرورًا بإيران وعطفًا على إثيوبيا وتوابعها وصولاً إلى طوابير من العملاء فى الداخل والأعداء فى الخارج. ويبقى علينا دائمًا أن نتسلح بأكبر قدر من اليقظة والوعى لما يدور حولنا فأصحاب النفوذ فى العالم المعاصر يريدون أن يكونوا هم الحائزون وحدهم للثروة، بينما يتطلع أصحاب تلك الثروة إلى حيازة النفوذ والسلطة على الجانب الآخر، فالمسألة ممتدة بغير حدود ودون ضوابط ولكن لازالت هناك بقية صامدة من قوى عربية ذات تاريخ كبير فى المنطقة نذكر منها المملكة العربية السعودية وأشقاءها فى دول الخليج العربى فضلاً عن الدور المحورى لمصر بتاريخها العريق وحجمها البشرى الضخم والشام بثقافته وحضارته وفنونه وآدابه فهو الركيزة الفكرية لفهم المستقبل والتعامل معه، والعراق الذى يحمى الجناح الشرقى لأمته العربية وهو منبع حضارة العباسيين وازدهار الدولة الإسلامية التى واجهت عصورًا متتالية بعمق حضارى لا ينكره أحد، لذلك فإننا نقول صراحة إن بعض المقومات العربية إذا كانت غائبة عن مسرح الأحداث إلا أنها تؤثر فيه بما تدفع به بين حين وآخر من عوامل التماسك وأسباب التضامن.
ثانيًا: إن التطورات العالمية والدولية المعاصرة تنعكس مباشرة على الوضع الراهن فيما نطلق عليه «الشرق الأوسط»، فالكل متطلع ولدول الجوار أطماعها ولا نستثنى من ذلك أيضًا دولاً تحاول العبث فى خريطة الأمة بل وتدس أنفها أحيانًا دون مبرر فى أوضاع الجنوب العربى لكى نفاجأ كل يوم بأخبار جديدة عن أزماتٍ مفتعلة وفدت على المنطقة من كل اتجاه، ولذلك فإننى أستخدم تعبير «تطويق الأمة العربية» وأنا مرتاح إليه تمامًا لأن المشهد ينبئ بذلك ويشى بأن ما هو قادم قد يكون هو الأصعب، ومع ذلك أقول إن العروبة باقية وإن ركائزها الأساسية فى الجزيرة العربية ومصر والشام والعراق والمغرب العربى ودول الجوار المرتبطة بالثقافة والحضارة العربية الإسلامية تشكل فى مجموعها قوة هائلة قادرة على التغيير عند اللزوم.
ثالثًا: إن ظهور الولايات المتحدة الأمريكية على مسرح الأحداث الدولية بتأثير قوى وقدرة على التغيير هو أمر أدى فى النهاية إلى ظهور حركات التحرر الوطنى بعد الحرب العالمية الثانية ووصول أوروبا كقوة احتلال إلى مرحلة الشيخوخة الأمر الذى أدى إلى ظهور نظرية الفراغ المرتبطة بمبدأ الرئيس الأمريكى الأسبق «دوايت أيزنهاور» وكأنها استكمال لمبدأ «مونرو» الذى سبقها بقرنٍ كامل منذ تفتحت شهية واشنطن للعب دورٍ فى الحياة السياسية الدولية بشكل فاعل ومؤثر.
وظهرت أساليب الاستعمار الجديد الذى ارتكز بوضوح على العامل الاقتصادى حتى ولو كانت الظواهر سياسية فى العلن، فزحف أوروبا الاستعمارية نحو القارة السمراء «إفريقيا» أثبت أن الأطماع فى تلك القارة البكر هى التى تحرك مسار الأحداث وتدفع بالتدخلات الأجنبية فى دول الجنوب عمومًا، وهو أمر قاومته حركات التحرر الوطنى المتحالفة مع اليسار المعتدل فظهرت حركة تصفية الاستعمار ومظاهر ما سمى حينذاك بالحياد الإيجابى، ولكن دبلوماسية حافة الهاوية التى قادها وبشر بها وزير الخارجية الأمريكى الأسبق جون فوستر دالاس قد أدت إلى إذكاء روح الحرب الباردة والدفع بالشعوب نحو أهدافٍ جديدة وسياسات مختلفة، وكان ظهور البترول والصراع على مصادر الطاقة ثم منابع الأنهار بعد ذلك بمثابة ناقوس جديد بدأ يدق ليشعر الجميع أن مرحلة جديدة فى العلاقات الدولية المعاصرة تطل على عالمنا بقوة وشراسة، فلقد جسد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ذلك المعنى بكل وضوح وتأكد لدينا أننا إزاء مرحلة مفصلية فى العلاقات الدولية تطيح بديمقراطية تلك العلاقات وتفتح المجال لسطوة القوى على الضعيف والتهام الكبير للصغير، وبدأت أطماع ترامب العلنية تتحدث صراحة عن إمكانية السيطرة على بقاع معينة وضمها للولايات المتحدة الأمريكية بدعاوٍ جيوسياسية دون الوعى الكامل أن شعوبًا قد تحررت وأن دولاً كثيرة فى المنطقة قد تغيرت وأن عالم اليوم يختلف عن دنيا الأمس.
رابعًا: لقد هرمت أوروبا الغربية وبدت وكأنها الأم العجوز للحضارة ولكنها ليست الراعية الأولى للتكنولوجيا، ثم أطل عصر الذكاء الاصطناعى بكل ما له وما عليه لكى تتم به محاصرة شعوب معينة ودولاً بذاتها وأصبحنا أمام معضلة حقيقية تتلخص فى أن الذين يحوزون النفوذ الدولى والثروات الكبرى هم أنفسهم الذين يتحكمون فى مصائر الشعوب ويضربون الشرعية الدولية فى مقتل غير مدركين للمخاطر التى تحيط بالكوكب كله فى ظل تحديات أخرى ليس أولها المياه والطاقة وليس آخرها التقدم المذهل فى تكنولوجيا الصناعة والتطور فى صناعة الأسلحة وأدوات الدمار الشامل بما فيها السلاح النووى.
إننا نتحدث كعرب عن المخاطر المحيطة بنا والأطماع التى تغلف النظرة إلينا إلى حد استلاب بلدٍ عربى بالكامل هو فلسطين وتحويله إلى مأساة عصرية بالسطو على أرضه واغتصاب مقدساته وتدمير أجياله القادمة، ذلك أن مثل هذا الأمر يدعو إلى المزيد من الحذر فى خطواتنا نحو المستقبل فنحن أمة مستهدفة من كل اتجاه كما أن ثرواتنا الباقية وموقعنا الجغرافى وتراثنا الثقافى وإرثنا الحضارى هى كلها مغريات تدعو إلى ضغوط هائلة علينا ومحاولات متجددة للإيقاع بنا صباح مساء! والعرب ينشطون بكل ما لديهم من قوة ولكن ذلك لا يمنع أن يكونوا أحيانًا كالأيتام على مائدة اللئام!
نقلا عن إندبندنت عربية

التعليقات