الأسلحة النووية.. وعدم الانتشار في الشرق الأوسط - من الفضاء الإلكتروني «مدونات» - بوابة الشروق
الأربعاء 24 أبريل 2024 5:41 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الأسلحة النووية.. وعدم الانتشار في الشرق الأوسط

نشر فى : الإثنين 26 فبراير 2024 - 6:40 م | آخر تحديث : الإثنين 26 فبراير 2024 - 6:40 م

نشرت مدونة صدى التابعة لمركز كارنيجى تعليقا لاثنين من كتابها هما؛ ساجد عزيز، باحث فى مسائل الأمن والسياسة الخارجية، ومحمود جوادى، باحث فى مجال حوكمة الذكاء الاصطناعى. تحدثا عن مدى احتمالية تطور التشنجات فى مختلف أنحاء المنطقة لتهديد نووى، خاصة بعد أن حذر رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هذا الشهر، من أنه قد تكون لتصعيد الأعمال العدائية بالمنطقة «أبعاد نووية»... نعرض تعليق الخبيرين فيما يلى:
يقول ساجد عزيز: تسلط الأزمات الخطيرة الضوء على خفايا عميقة. فى مطلع نوفمبر الماضى، بعد أقل من شهر على بدء الحرب الإسرائيلية فى غزة، أشار وزير التراث الإسرائيلى، عميحاى إلياهو، إلى أن إلقاء قنبلة نووية على غزة هو أحد الخيارات الممكنة. صحيح أن إلياهو تعرض لتأنيب علنى من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعلقت مشاركته فى اجتماعات مجلس الوزراء، ولكنه احتفظ بمنصبه فى الحكومة، لا بل أعاد تأكيد موقفه المؤيد لاستخدام السلاح النووى فى أواخر يناير.
حيازة إسرائيل أسلحة نووية حقيقة معروفة منذ وقت طويل، ولكن نادرا ما يؤكدها المسئولون الإسرائيليون. ففى إطار سياسة تعرف بـ«عميموت» ــ وهى كلمة عبرية تعنى التعتيم أو الغموض ــ يمتنع القادة الإسرائيليون عن نفى أو تأكيد حيازة بلادهم للأسلحة النووية، بزعم الحفاظ على عدم الانتشار النووى فى الشرق الأوسط.
أثارت تصريحات إلياهو انتقادات واسعة على الصعيدين الإقليمى والدولى، وتجددت الدعوات للمبادرة بصورة عاجلة إلى بذل جهود لحظر الانتشار النووى. ففى مقر الأمم المتحدة فى نيويورك، أدان ممثلو الصين وإيران والدول العربية تصريحات إلياهو، خلال مشاركتهم فى مؤتمر للعمل من أجل جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. وقد اعتبرت إيران أن حيازة إسرائيل للأسلحة النووية تشكل تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمى، أما الصين فدعت من جهتها إسرائيل إلى الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
وفى السياق عينه، اعتبر متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن الدعوة لاستخدام الأسلحة النووية فى غزة «غير مقبولة». ولكن، وفى محاولة منه لإرساء توازن قسرى، حث «جميع الأطراف على الامتناع عن التصرفات الشائنة». وبصورة عامة، كان الرد الأمريكى على حيازة إسرائيل للأسلحة النووية فاترا ومتراخيا، ما يعكس الأنماط التى سادت فى السابق، باستثناء السياسة التى انتهجتها إدارة آيزنهاور.
منذ تسلم إدارة كلينتون الحكم، حصلت إسرائيل على ضمانات بأن الجهود التى تبذلها واشنطن لضبط التسلح فى الشرق الأوسط لن تؤثر فى البرنامج النووى الإسرائيلى. وحتى عام 2020، منعت الولايات المتحدة الشركات من نشر صور عالية الدقة تلتقطها الأقمار الصناعية لإسرائيل والأراضى الفلسطينية المحتلة. علاوة على ذلك، بذلت إسرائيل جهودا دءوبة لتقويض المساعى الهادفة إلى منع الانتشار النووى من خلال خطواتها التى تتعارض مع خطة العمل الشاملة المشتركة التى هدفت إلى وقف البرنامج النووى الإيرانى مقابل تخفيف العقوبات، فى ممارسة تتنافى حتى مع النصيحة التى أسدتها أجهزتها الاستخبارية.
ثمة تناقض شديد بين النهج الذى تتبعه الولايات المتحدة فى مقاربتها للأسلحة النووية الإسرائيلية وبين أسلوبها فى التعامل مع إيران، وذلك بتوجيه من الاعتبارات الجيوسياسية التى تطغى على الالتزام بمنع الانتشار النووى. وحتى عندما امتثلت إيران للشروط التى فرضتها خطة العمل الشاملة المشتركة، انسحبت إدارة ترامب أحاديا من الاتفاق النووى، ورفضت إدارة بايدن استئناف العمل به.
إن الولايات المتحدة، ومن خلال استمرارها فى تقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل خلال النزاع فى غزة، حتى فى وجه الخطاب النووى الخطير، لم تجازف بالتسبب باحتدام التشنجات فى المنطقة فحسب، بل أبقت أيضا على ازدواجية المعايير النووية. يقوض هذا النهج المصداقية الأمريكية فى ضمان الأمن والاستقرار، بينما يتسبب بإضعاف النظام العالمى لعدم الانتشار فى مرحلة تشتد فيها الحاجة إليه أكثر من أى وقت مضى.
• • •
بشأن وجود مسارين نحو شرق أوسط خال من الأسلحة النووية، يقول محمود جوادى: اختتم الاجتماع الثانى للدول الأطراف فى معاهدة حظر الأسلحة النووية فى ديسمبر 2023. وقد برزت المعاهدة، التى دخلت حيز النفاذ فى عام 2021، بمثابة استجابة لخيبة الأمل العالمية من التقدم البطىء فى نزع السلاح النووى على النحو المنصوص عليه فى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1970. ولغاية فبراير 2024، وقعت ثلاث وتسعون دولة على معاهدة حظر الأسلحة النووية، وصادقت تسع وستون دولة منها على المعاهدة أو انضمت إليها. فضلا عن ذلك، تعتبر ثلاث وأربعون دولة من الدول غير الأطراف فى المعاهدة وغير الموقعة عليها، «داعمين آخرين» للمعاهدة نظرا إلى تصويت هذه الدول لصالح إقرارها فى عام 2017. وتبعا لذلك، فإن ما يناهز 70 فى المائة من الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة والمراقبين الدائمين يؤيدون المعاهدة بصفات مختلفة.
وقد وقعت ست دول من بين الدول الاثنتين والعشرين الأعضاء فى الجامعة العربية، وهى الجزائر وليبيا والسودان وجيبوتى وفلسطين وجزر القمر، على المعاهدة مع الإشارة إلى أن فلسطين وجزر القمر هما دولتان طرفان فى المعاهدة. ويمثل العالم العربى جزءا مهما من الداعمين الآخرين للمعاهدة الذين يضمون أربع عشرة دولة عضوا فى الجامعة العربية. تصنف سوريا والسعودية فى خانة الدول المترددة، أى الدول التى لا تبدى تأييدها ولا معارضتها للمعاهدة. وبالتالى فإن العالم العربى بأكمله تقريبا يعترف بمعاهدة حظر الأسلحة النووية باعتبارها «إضافة مهمة للنظام العالمى لنزع السلاح النووى ومنع انتشاره».
وليست هذه الاستجابة لمعاهدة حظر الأسلحة النووية سوى المثال الأحدث على الدعم العربى الطويل الأمد لعدم الانتشار النووى فى الشرق الأوسط الأوسع. فبعد دخول معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية حيز النفاذ، اشتركت مصر وإيران ما قبل الثورة فى رعاية قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة فى أغسطس 1974 يدعو إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط. ومنذ ذلك الحين، رفع العالم العربى باستمرار لواء هذه القضية، ولو كان نجاحه محدودا فى هذا الصدد. وفى عام 2018، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عقد مؤتمر سنوى بشأن إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط، وانعقدت الدورة الرابعة للمؤتمر فى نوفمبر 2023، وقد حظيت فكرة إنشاء هذه المنطقة باعتراف عام فى إطار معاهدة حظر الأسلحة النووية.
• • •
ويضيف جوادى: لكن على الرغم من هذا الاعتراف، حالت عوامل عدة دون تأييد الدول العربية الكامل لمعاهدة حظر الأسلحة النووية. وعلى وجه الخصوص، عزز غموض إسرائيل المتعمد بشأن برامجها النووية، مقرونا بطموحات إيران النووية والتهديدات العسكرية الأخرى، لدى البلدان العربية فكرة أن الأسلحة النووية هى عوامل ردع أساسية. فى حين أن حيازة هذه الأسلحة ستكون فى الواقع أمرا صعبا، إن لم يكن مستحيلا، للدول العربية، إلا أن هذه الدول قد تمتنع عن المصادقة على معاهدة حظر الأسلحة النووية من أجل الحفاظ على هذا الخيار.
لكن يمكن أن يكون إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط والانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية خطوتين مفيدتين لجميع الأطراف. ومن خلال إدماج العمل على جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية فى جدول الأعمال الرئيس المستقبلى لمعاهدة حظر الأسلحة النووية، يمكن أن تكون المعاهدة بمثابة أداة قانونية وسياسية إضافية للعالم العربى. ومن أجل استقطاب الدول العربية للانضمام إلى المعاهدة، ينبغى على الدول الأطراف فى المعاهدة الاستفادة من الفترة المقبلة الواقعة ما بين دورتين، والتى تمتد حتى عام 2025، لإقرار إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط ضمن إطار معاهدة حظر الأسلحة النووية وتشكيل فريق عمل لتحديد أفضل السبل لتيسير إقامة المنطقة الخالية من الأسلحة النووية.
فى المقابل، ومن أجل إضفاء مصداقية على هذا النهج، ينبغى على المجموعة العربية والدول العربية الأعضاء فى معاهدة حظر الأسلحة النووية أن تعترف صراحة، فى بياناتها فى لجنة نزع السلاح التابعة للأمم المتحدة وفى الجمعية العامة وسائر المحافل، بأن المعاهدة هى مسار مكمل لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن عملية التعزيز المتبادل قد لا تسفر عن نتائج فورية، فهى تتماشى مع تطلعات دعاة معاهدة حظر الأسلحة النووية والعالم العربى على السواء، الذين يرفضون الوقوف مكتوفى الأيدى فى وقت تتفاقم فيه المخاطر النووية.

النص الأصلي

التعليقات