لا سلام من دون أمل - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الإثنين 20 يناير 2020 11:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

لا سلام من دون أمل

نشر فى : الأربعاء 27 نوفمبر 2019 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 27 نوفمبر 2019 - 9:15 م

لم يكن انخراط ملايين شباب وكهول ونساء شعب اليمن فى قائمة ثورات وحراكات الربيع العربى سنة 2011، مفاجئا لمن يعرفون قدرة شعب هذا القطر العربى على القيام بتغييرات مجتمعية كبرى. فانتفاضته ضدّ نظام حكم الإمامة المتخلّف المستبد فى منتصف القرن الماضى، ونجاحه النضالى فى توحيد شطرى الشمال والجنوب من بلاده، ثم انخراطه فى حراكات الربيع العربى بسرعة وتميّز سلمى وخروج على كل خلافات الماضى وعبثياته.. كلّها شواهد على حيوية نضالية متميّزة. وكان من الممكن أن ينجح شعب اليمن الشقيق فى انتفاضته الأخيرة وينتقل من حكم دكتاتورى قبلى إلى نظام ديمقراطى يصهر فى مواطنيته الجامعة كل تعدديات تكويناته القبلية وولاءاته الأيديولوجية، لولا نجاح البلادات فى إدخاله فى أتون وحرائق ثلاثة انعطافات انتهازية تآمرية، ليصل إلى الجحيم المأساوى التدميرى اللا إنسانى الذى يعيشه الآن.
المنعطف الأول تمثل فى إيقاظ حلم أقلية مذهبية بضرورة الرجوع إلى نظام الحكم الإمامى السابق المستند على ادعاءات تاريخية تخطاها الزمن، وعلى أساطير فقهية تتناقض كليا مع كل مقومات الدولة الحديثة. وهو حلم يحصر رئاسة الحكم وخلفاءها فى أفراد تلك الأقلية المذهبية، وبالتالى يرفض الأسس التى تقوم عليها الديمقراطية.
وبهذا الطلب أراد هؤلاء محو آخر ستين سنة من الحياة السياسية اليمنية الحديثة وإرجاع عقارب الساعة التاريخية إلى الوراء. وبه أيضا أرادوا تهميش الأكثرية الساحقة من القوى السياسية اليمنية ومن المواطنين اليمنيين، ونسفا لدستور اليمن الجديد المقترح، وانتكاسة للتوافق الوطنى المتوازن الذى ارتضته جميع القوى دون استثناء، بمن فيهم ممثّلو تلك الأقلية المذهبية وذلك أثناء مناقشات المؤتمر الشعبى الوطنى الجامع، الذى كان فى طريقه لطرح دستور جديد واقتراح خطوات تنقل اليمن إلى مشارف نظام ديمقراطى فيدرالى متوازن.
أما المنعطف الثانى فهو محاولة الاستعمال الانتهازى لأجواء المنعطف الأول ومطالبه المذهبية التعجيزية من قبل الحاكم الدكتاتورى السابق، والذى أجبره الحراك الشعبى الكبير على التنحّى عن الحكم، ولكن دون مسّ لثروته المالية الهائلة ولنفوذه القبلى الكبير. تمثّلت تلك الانتهازية المجنونة فى تسهيل استيلاء ميليشيا تلك الأقلية المذهبية على أسلحة الجيش اليمنى الوطنى وعلى مجموعة من معسكراته، وذلك فى سبيل حصوله فى المستقبل على دعم سياسى وأمنى من قبل تلك الأقلية ورجوعه إلى الحكم الذى فقده. لكّن السّحر انقلب على السّاحر وانتهى بموته مقتولا بدم بارد من قبل من ظنّ أن باستطاعته استعمالهم لتحقيق طموحاته الشخصية المجنونة.
المنعطف الثالث تمثّل فى تدخلات خارجية، إقليمية وعربية ودولية، لصالح هذه الجماعة أو تلك السلطة، الأمر الذى خلط الأوراق، ونقل الموضوع اليمنى من المستوى المحلّى الوطنى إلى المستوى الإقليمى والدولى. وهو المنعطف الذى قاد إلى فواجع التشريد والموت والدّمار والجوع والمرض والفقر المدقع الذى نراه أمامنا.
ليس الهدف هو سرد تاريخ المشهد اليمنى المأساوى خلال أقل من عقد من الزّمن، فالبكاء على اللّبن المسكوب لن يفيد. الهدف هو إظهار مقدار تعقيدات المشهد اليمنى وفداحة المصير المأساوى الذى وصل إليه شعب اليمن العربى الشقيق بفعل عوامل كانت خارج إرادته وما طرحته ملايينه فى سنة 2011 من شعارات وأهداف الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. اليوم وصلت نسبة الفقر المدقع إلى ثمانين فى المائة، والبطالة إلى أكثر من خمسين فى المائة. اليوم يوجد بلد عربى شقيق عزيز يعيش بأقل القليل من خدمات الصحة والتعليم والكهرباء والماء والطرق والمسكن، ومن نشاطات الاقتصاد التى تسد الرمق.
فى ظلّ هكذا دمار يجرى الحديث عن التوقف عن الحل العسكرى والانتقال إلى الحل السياسى الذى يراد له أن يعيد السّلام إلى تلك الأرض العربية المنكوبة. هذا استنتاج معقول ومطلوب.
لكنّ، وهذا بيت القصيد، السلام وحده لن يكون كافيا ما لم تصاحبه جرعة كبيرة من الأمل. السلام فى ظل ذلك الدمار البشرى والعمرانى سيكون قابلا للانتكاس فى أية لحظة.
مفتاح جرعة الأمل لن يكون فى يد إيران أو أمريكا أو دول أوروبا المتباكية، بل فى يد مجلس التعاون الخليجى. والأمر يجب ألا يقتصر على إعادة إعمار ما دمّرته الحرب، ثم ترك اليمن يعود إلى العيش تحت ظل فقره السابق ومحدودات قدراته التنموية والمعيشية والخدماتية الأساسية.
نحن هنا نأمل بأن قادة دول مجلس التعاون قد تعلّموا من دروس ما حدث ويبدأون فى التفكير الجدى بإدخال اليمن فى مجلس التعاون، وهو المطلب الذى نادى به الكثيرون طيلة عمر المجلس. ولن يكون هذا الإدخال منّة، فاليمن لديه إمكانيات هائلة للتنمية لو توفّرت الاستثمارات الخليجية، ولديه شعب ذكى نشط منتج لو توفرت فرص العمل. وبالتالى فإنه سيكون إضافة للمجلس، وليس عبئا عليه.
عند ذاك، وعند ذاك فقط، سنكون قد ربطنا مشروع السّلام المطروح ببناء الأمل، من أجل أن يكون سلاما دائما، وليس مؤقّتا. وسنكون قد استجبنا لالتزامات الأخوة العروبية والإسلامية، وأبعدنا اليمن الشقيق عن أن يكون ورقة فى يد قوى إقليمية مجنونة، أو فى يد قوى صهيونية استعمارية متآمرة حاقدة.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات