لا يزال صوت أنينكم معى - خولة مطر - بوابة الشروق
الجمعة 30 يوليه 2021 10:53 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

لا يزال صوت أنينكم معى

نشر فى : الثلاثاء 28 يونيو 2011 - 8:22 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 28 يونيو 2011 - 8:22 ص

 الجدران الباهتة تحكى قصصهم هم الذين جاءوا بهم ليرصوا اللحم قرب اللحم فى هذه الزنزانة الصغيرة المظلمة الرطبة.. أليست كل الزنازين رطبة ومظلمة؟، راح يكمل وصفه وهو يرد على سؤالى له والذى كنت أخاله شديد البراءة فى قائمة الأسئلة.. كان سؤالى كيف فقدت قدرتك على السمع وأنت فى هذه السن المبكرة؟ سرح للحظات ثم عاد وكأنه يقول لى «من اين ابدأ فى الرد على سؤالك؟» من أول حرف قرأته فى ذلك الكتاب الشهير.. من النظرات الأولى التى ارعبتنى فى طفولتى عندما التقيت بذلك الذى تصورته ماردا.. ذاك الرجل المختلف عن كل الرجال الذين عرفتهم فى حياتى قبله.. كان وجهه نصف المخفى خلف خوذته السوداء يبدو شديد القسوة أما نظراته فكانت ترسل أشعة من الغضب والحقد والغيظ لم أفهمها أبدا.. هناك بدأت أول مشوارى البحثى عن ماهية وطبيعة مثل هؤلاء الرجال.. ثم كان أن التصقت بابنة عمتى التى كانت تكبرنى بعض الشىء ومنخرطة حتى النخاع فى حركة القوميين العرب ــ عرفت لاحقا أنها مع القوميين قبل ذلك كنت فقط أتصور بأنها ثورية ــ هى التى كانت تتحدث عن الاستعمار بشديد من الكره وتذكر بما قام به الاستعمار من تفتيت للشعوب..

كان قد خرج للتو من تجربة الاعتقال السياسى فى بلد عربى وكان لا يزال يحاول الاختباء خلف خجله للحديث عن التجربة لأنه قد اتخذ القرار الخطير بأنه لن يعود للعمل السياسى أو حتى الجلوس إلى من يمتهن ذلك او يتحدث ضد النظام أو ينتقد أحد رجالاته أو أنظمته.. بعد تجربة السجن يبدو أمام الخارجين من تلك الظلمات خياران لا ثالث لهما إما امتهان اللامبالاة والوقوف «جنب الحيط» حتى لا تطاله قبضتهم مرة أخرى أو العودة لنفس المسار وبذلك توقع الاعتقال مجددا وحينها لا يفلت منه بهذه العاهة أو تلك فقط بل ربما يفقد حياته!

عاد إلى السؤال بعد أن رحل بعيدا إلى الزنزانة الاولى والاعتقال الأول. لم يكن يرغب فى الحديث أكثر من العبور سريعا على تلك التجربة اما سبب فقدانه لحاسة السمع ومرض تقرح المعدة والامعاء وغيرها من الأمراض التى تأتى رديفة للاعتقال فى الأنظمة غير الديمقراطية حيث لا حسيب ولا رقيب.. هنا تبدو قضايا احترام حقوق الانسان الاساسية كما نصت عليها الاتفاقيات الدولية شيئا من الخيال العلمى أو هى بعيدة المنال أو ربما للاستهلاك المحلى وللصحافة والاعلام فقط اما الممارسة فهى لأنظمة العصور الوسطى!! كرر هو السجن فقط دون تفاصيل وبعدها بسنين من العمل معا كانت تفلت منه أحيانا بعض الملاحظات التى تشير إلى أوضاع السجن وكيف كان الاعتقال قاسيا وهمجيا يعمل على كسر إنسانية الفرد قبل مبدأه السياسى وقناعاته وفهمه لمضمون الحياة الكريمة.. بعضهم يتصور أن حقوق الإنسان اليوم هى مجرد شكل من اشكال الديكور نرددها كلما كنا فى المحافل الدولية لأنهم هناك سيحترموننا أكثر لمجرد تكرار بعض المفردات التى تعكس فهما وتحضرا ! الا ان الواقع فى الكثير من الاحيان لا يزال فى مضمونه كما هو شديد التخلف وبعيد جدا عن هذه المفاهيم الإنسانية
..

كثير من المعتقلين يخجلون من وصف التجربة كاملة، ربما لأن بها الكثير من الإهانات وامتهان الكرامة شىء ما فيها وعنها يبدو أقسى من الكلمة نفسها، حتى يبقى النسيان هو الطريق الوحيد المتبقى رغم ان الادب العالمى والعربى ايضا يزخر بوصف شديد القسوة لتجارب حول التعذيب فى السجون بعضها يعود لبحث طويل وحوارات مطولة ومنفردة مع العديد من الذين عاشوا التجربة وذاقوا مراراتها.. والآخر يعود إلى بعض من الخيال فهو ملح الأدب والحياة أيضا..

وفى لحظة من التجلى، عاد هو نفسه لينبش فى خفايا وأزقة الذاكرة، رغم أنه لا يحتاج إلى الكثير من البحث فهى، أى التجارب القاسية كما هو الاعتقال والتعذيب تبقى أكثر حضورا من الحاضر. عاد ليسرد شيئا من تلك الأيام، ينظر لها الآن وكأنها الأقرب ويستعيدها بشىء من الارتباك، يتحسس أطرافه مع كل فاصلة ليتأكد أنها لا تزال سليمة، لم تبتر لم تشوه ولم تتحول إلى طرف عبء على الجسد!! فيبتسم أو ربما يقهقه ضاحكا ربما أيضا لأنه يدرك أنه لم يعد ينظر إلى العالم من نافذة صغيرة وبين فتحات القضبان الحديدية بل إنه يسكن ذاك العالم الذى كان يحلم به ويراه أكثر جمالا من خلف قضبانه.. يأتيه صوت الحارس ولكنه الآن لا يخافه ولا ترتجف أطرافه لسماع خطواته المقتربة شيئا فشيئا، ينصت ليتأكد هل هى قادمة ناحيته ام لزنزانة جاره، يسمع صوت المفاتيح تدار فى ثقب باب الزنزانة، ويعيد الابتسامة مجددا فهو خارجها وهى لم تبق معه سوى ذاكرة.. «إنه الآن حر» يعيد تكرار هذه الجملة مرارا حتى يقنعهم ام يقنع نفسه؟! فتجربة الاعتقال والتعذيب، يقول علماء النفس، لا ترحل بعيدا عن ضحيتها بل تبقى لصيقة به، يتقن أحيانا إخفاءها تحت جلده يخبئها بين ثنايا دماغه، ينقلها إلى فضاءات الذاكرة البعيدة، ولكنها تبقى الأكثر حضورا، تطل برأسها كلما وقف لينصت لنفسه أو سمع آخر يخطو بطيئا نحوها، أو حتى سمع بأنينهم القادم من بعيد، فضحايا التعذيب إخوة رغم اختلاف جنسهم وعرقهم ودينهم وطائفتهم وقبيلتهم هم فقط يسمعون أنين بعضهم مهما بعدت المسافات.. هو أنين خافت تنقله جدران الزنازين الحالكة إلى فضاءات السماء الواسعة رغبة او محاولة للوقوف على معاناتهم حتى لا تكرر أو تعاد أو ربما حتى نقول معا «نحن نسمع أنينكم ولن نسمح بأن يعاد تعذيبكم».

فى 26 من يونيو تحتفل شعوب العالم باليوم العالمى لضحايا التعذيب كما اتفقت عليه الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات