مبتهجون وخائفون - سور برلين وأنا (12) - حسام السكرى - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 8:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


مبتهجون وخائفون - سور برلين وأنا (12)

نشر فى : السبت 28 ديسمبر 2019 - 8:55 م | آخر تحديث : السبت 28 ديسمبر 2019 - 8:55 م

في مساء التاسع من نوفمبر 1989 سمعت ضوضاء من الشارع. نظرت من الشرفة فوجدته مزدحما على غير العادة. عدت للتليفزيون فوجدت الكاميرات تنتقل بين معابر السور المختلفة التي دخل منها الألمان الشرقيون بعد زلة لسان المتحدث باسم المكتب السياسي في المؤتمر الصحفي.

نزلت الشارع واختلطت بالجموع. الشباب من الجانبين في احتفال صاخب. الأصوات تتعالي بالغناء وزجاجات الشمبانيا وعلب البيرة تنتقل بين الأيدي. وصلت حتى نهاية الشارع. تسلل إلى تدريجيا إحساس بأن الاحتفال ليس لي. عدت إلى المنزل وأكملت متابعة الأحداث على شاشة التليفزيون. المراسلون الصحفيون انتشروا بين الناس يستمعون إلى انطباعاتهم. الكاميرا تتوجه إلى أحد المحتفلين. يسأله المراسل عن مشاعره. وعندما يرد بحماس بالغ يتبين أن ألمانيته مضعضعة بعض الشيء. يسأل المراسل عن بلده فيجيب الرجل بأنه من تركيا. تظهر خيبة الأمل على المذيع. يتحول لمحتفل آخر.

لم يعد مارتن إلى المنزل في المساء. نمت أمام التلفاز. في الصباح الباكر سمعت صوت الباب. دخل مارتن وعيناه محمرتان. أخبرني أنه قضى الليلة متسكعا مع أصدقائه. جلس مضطربا ثم أتي بزجاجة بيرة بدأ في شربها ببطء. لم يفعل هذا أبدا في الصباح. سألته: مارتن.. ألا تعتقد أن ما حدث شيء جيد؟ إنها الحرية لشعب كامل على ما يبدو.
رد: لا أعرف. أنا خائف.

لم أفهم. بمرور الوقت أدركت سبب القلق الذي اعتراه. على مدى سنوات طوال ومنذ هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية تبنى الألمان في الشرق والغرب سرديتين تاريخيتين مختلفتين شيئا ما. تسللتا للإعلام، وكتب التاريخ، ومناهج الدراسة، والخطاب العام وشكلتا وعيا مختلفا على الجانبين.

ألمانيا الشرقية الواقعة تحت النفوذ السوفييتي كانت مشبعة بمشاعر الانتصار. الاشتراكية تهزم الفاشية وتؤسس لعالم جديد يسوده التضامن الأممي ويؤشر لمعركة بناء مجتمع تذوب فيه الطبقات. سنبني العالم معا. وضع السوفييت على الجدران ملصقات كبيرة تتوسطها صورة الزعيم الشيوعي ستالين وتحتها مقولته: "أمثال هتلر يأتون ويذهبون. لكن الشعب الالماني، الدولة الألمانية، تبقى دائما". بعبارة أخرى: لم ننتصر عليكم وإنما انتصرت شعوبنا على النازية. "انتصرنا معا".

أما السردية الغربية مدفوعة برؤية الحلفاء الغربيين: أمريكا، وأنجلترا، وفرنسا فكانت مختلفة. كانت سردية اعتذارية مغرقة في الشعور بالذنب وتأنيب الضمير مما حدث: محارق ومعسكرات وأيديولوجية عنصرية استهدفت مجموعات وطوائف بعينها. اليهود على رأسهم ويضاف إليهم آخرون بينهم المثليون، والسود، والمعاقون، وطائفة شهود يهوه المسيحية. كلها عناصر طفيلية تتعين إبادتها. حرب ضروس يصل أقل تقدير لقتلاها من العسكريين والمدنيين إلى أربعين مليون إنسان ويصعد أعلاه إلى مئة مليون. معاقون وجرحى، دمار وخراب، مدن تمت تسويتها بالأرض. جوع وتشريد وحرب عالمية كبرى دامت ست سنوات (1939-45) وتورطت فيها نحو ثلاثين دولة. هذا ما فعلته ألمانيا والألمان، وليس هتلر والنازي.

أجيال كاملة نشأت في هذه السردية. تشعر بالعار مما حدث. من قبول الأغلبية الساحقة لأيديولوجية النازي ودعمها. لذا لم يكن يتردد مارتن وأصدقاؤه عند فتح الموضوع، في نعت آبائهم أو أجدادهم بأقذع الألفاظ. تبدو المسألة غريبة بعض الشيء ولكن مارتن كان يخشى أن تعود لبلده قوتها. أن تصبح ألمانيا موحدة من جديد. ارتبط هذا في ذهنه بالخطر وبأهوال مر بها العالم وهو ما جعله يشعر بالاضطراب.

مع الوقت سيتناسى مارتن مخاوفه. ستغسلها مشاهد غريبة على المدينة التي تدفقت عليها سيارات البضائع من الغرب لتلبي احتياجات جحافل ألمان الشرق لما حرموا منه منذ سنوات، وعلى رأسها أطنان الموز التي وقف الشرقيون في طوابير طويلة للحصول عليها. لماذا الموز؟ هذه حكاية أخرى.
(يتبع)
(ذكريات من برلين في مناسبة مرور ثلاثين عاما على انهيار السور)

التعليقات