أكاذيب الخطاب الأمريكى الرسمى - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
السبت 20 يوليه 2024 7:25 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

أكاذيب الخطاب الأمريكى الرسمى

نشر فى : الأربعاء 29 مايو 2024 - 8:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 مايو 2024 - 8:20 م

فى كتابه المعنون «الأزمنة الجديدة المظلمة» يشير المؤلف جيمز بردِل، إلى ظاهرتين حدثتا إبان القرن الماضى بالغَتَى الدّلالة والتفسير لبعض ما يجرى فى أرضنا العربية.
الظاهرة الأولى تتعلق بالتعامل الكاذب الاستعمارى لما كان يجرى من مذابح مرعبة فى دولة رواندا الأفريقية فى منتصف عام 1994. فالبرغم من وجود سفارات دول أوروبية عدة، ومندوبى منظمات غير حكومية، ومراقبين لهيئة الأمم المتحدة فى رواندا، وبالرغم من تصريحات جنونية على راديو الحكومة الرسمى، وهى تهدّد وتطالب بسحق وإنهاء وجود الخصوم، وجميعهم يؤكدون بوجود مذابح مرعبة ودمار شامل يجريان يوميًا، إلا أن نظام الحكم الأمريكى ظل يؤكد يومًا بعد يوم، طيلة مائة يوم من المذابح، بأن وسائل المراقبة الجوية الأمريكية لا تسجل وجود مذابح أو دمار كبير.
وظلت حكومات الولايات المتحدة الأمريكية تنكر أن لديها إثباتات بحدوث مذابح فى رواندا إلى أن جرت فى عام 2012 محاكمة أحد المجرمين الروانديين، من الذين شاركوا فى عمليات القتل والإبادة، عندما عرضت صور واضحة تفصيلية لكل الدمار والمذابح، صورًا أخذتها أقمار صناعية أمريكية إبان المذابح وأنكرت وجودها السلطات الأمريكية سنة بعد سنة وبضمير بارد لا تهمّه القيم والأخلاق وآلام الضحايا المساكين.
الظاهرة الثانية حدثت فى البلقان عام 1995. هناك شاهدت الاستخبارات الأمريكية، السى آى إى، المذبحة التى ذهب ضحيتها ثمانية آلاف مسلم، والتى جرت فى مدينة سربرنيكا، شاهدوها من مقرّهم فى فينّا عبر الأقمار الأمريكية الصناعية. بعد عدة أيام ظهرت بواسطة قمر تجسّسى صور القبور الجماعية كشاهد على حدوث تلك المذابح لكن تلك الصور لم تعرض على الرئيس الأمريكى كلينتون إلا بعد مرور عدة شهور.
فى كلتا الحالتين لم يكن الغائب قصور فى تكنولوجيا التواصل المتقدمة للكشف عن مثل تلك الجرائم. الأمر المفقود كان الإرادة السياسية النزيهة والضمير السياسى المرتبط بالقيم الإنسانية والأخلاقية.
نذكر تلك الظاهرتين المرتكبتين من قبل جهات أمريكية رسمية من أجل أهداف سياسية انتهازية بالغة السّوء، وذلك من أجل طرح هذا السؤال البديهى: ألا تجعلنا تلك الألاعيب الأمريكية نشكّ فى الإصرار الأمريكى المستمر على عدم وجود دلائل لديهم حتى الآن بارتكاب الجيوش الصهيونية مذابح حربية وإنسانية خلال الثمانية شهور الماضية، وذلك بالرغم مما تقوله منظمات الحقوق الدولية والعديد من جهات وشخصيات الأمم المتحدة وما تظهره شبكات التواصل الاجتماعى من فظائع ومجازر ترتكبها القوى العسكرية والأمنية الصهيونية وميليشيات المستوطنين الصهاينة يوميًا بحق أطفال ونساء وشعب فلسطين فى غزة وفى سائر مدن وقرى الضفّة الغربية؟ ألا تمارس الولايات المتحدة الأمريكية نفس الأكاذيب وتخبأة الحقائق من أجل التغطية على جرائم حلفائها الصهاينة فى فلسطين المحتلة؟
والاستنتاج البالغ الأهمية أيضًا هو تبيّن عدم دقّة تنبّؤ أساطين وشركات التواصل الاجتماعى بأن انتشار المعلومات وجهات مراقبتها سيقلّل من ارتكاب فظائع الصراعات والحروب. فأمريكا ومعها كثيرون كانوا على علم بما يجرى فى رواندا والبلقان وما يجرى حاليًا فى غزة وكل أرجاء فلسطين، ومع ذلك فإن ألاعيب السياسة والاقتصاد، وهى التى تحكم ردود الفعل تجاه ما جرى وما يجرى وليس توافر وكثرة المعلومات عند مختلف الجهات المراقبة. فالغرب الاستعمارى الذى يتعامل مع الكثير من القضايا بوجهين لن يهمّه توفر أو عدم توفر المعلومات وإنما مصالحه وانحيازاته ومكاسبه.
نسترجع كل ذلك ونؤكد أهمية استيعاب ذلك فى مسيرة الحياة السياسية العربية المشتركة بعد أن لاحظنا بداية تحول متواضع فى خطاب مؤتمر القمة العربى الأخير وبعض توجهاته نحو التعامل الأكثر توازنًا مع قوى العالم ونحو محاولة التصرف السياسى والاقتصادى خارج الهيمنة الأمريكية وإملاءاتها السابقة. وبالطبع فإن الأيام المقبلة ستظهر إن كان هذا الانطباع صحيح، وإن كان العرب قد بدأوا بالفعل يتعرفون بعمق وصدق على الأوجه القبيحة المخادعة المدمرة فى التعامل الأمريكى مع المصالح والحقوق العربية فى شتّى بقاع الوطن العربى.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات