الدعوة المسيحية - رجائي عطية - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 10:03 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


الدعوة المسيحية

نشر فى : الأربعاء 29 يوليه 2020 - 6:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 يوليه 2020 - 6:50 م

تثبت المسيحية، كما تثبت تواريخ الأديان جميعًا، الحقيقة الواضحة، ألا وهى اطراد السنن الكونية فى الحوادث الإنسانية الكبرى.
ومن يتأمل الدعوة المسيحية، وأحوال العصر فيما قبلها، يرى أنها جاءت فى أوانها وفقًا لمطالب زمانها.
أبرز آفات العصر قبل المسيحية آفتان: إحداهما تحجر الأشكال والأوضاع فى الدين والاجتماع، والأخرى سوء العلاقة بين الأمم والطوائف مع اضطرارها إلى المعيشة المشتركة فى بقعة واحدة.
تحجرت الأشكال والأوضاع وغلبت المظاهر على كل شىء، وتهافت الناس على حياة القشور دون اللباب، فصار كل المعنى لديهم الزينة والأبهة والمحافل والشارات. وتجمعت الثروة والكسل فى ناحية، والفاقة والشقاء فى ناحية أخرى، وتحجر نظام المجتمع، فصار أشكالا ومراسم خاليةً من المعنى والغاية، وتحجرت معه الشرائع والقوانين.
وتحجرت العقائد الوثنية فى الدولة الرومانية، وتحجرت العقائد الكتابية بين بنى إسرائيل، وصارت الحروب تشب على أتفه الفروق والأسباب. وساءت مع ذلك العلاقات بين الأمم والطوائف.
المسيحية
أتت المسيحية بعقيدة خلاصتها بساطة الضمير، ولا تبالى بالمظاهر، وتضيق بالخلاف على الفروق المصطنعة.
جاءت المسيحية بعقيدة قوامها أن الإنسان خاسر إذا ملك العالم بأسره وفقد نفسه، وأن ملكوت السماء فى الضمير وليس فى القصور والعروش.. وأن المرء بما يضمره ويفكر فيه، لا فيما يأكله ويرتديه ويقيمه من معابد أو صروح.
جاءت الدعوة المسيحية بالرجاء الذى يصلح البلاء الذى يعانى منه العصر، وببشارة
 لا تبالى أن يخرب ظاهر الدنيا كله إذا سلم للإنسان باطن الضمير.
مقاومة الدعوة
لقيت هذه الدعوة أشد ما يلقاه دين من صد ومقاومة، وقد قام السيد المسيح بدعوة للإخاء والسلام وهو يعلم أنها لدى هؤلاء العتاة أخطر الدعوات، وأخطر فى نظرهم حتى من دعوة البغضاء والقساوة.. لأن الدعوة إلى السلام تحطم سلاح الأقوياء والمستبدين.
ولم يفهم البعض مدلول عبارة السيد المسيح التى تقول: « جئت لألقى على الأرض نارًا فحبذا لو تضطرم».. مشيرًا بذلك إلى تربص العتاة بدعوته واصطدامهم بها وما سوف يحدثه من انقسام داخل البيت الواحد.. بين الأب وابنه، والأم وبنتها، وانقسام الحماة على الكنَّة (امرأة الابن أو الأخ ) والكنَّة على الحماة.
وقد صحت نبوءة المسيح عليه السلام فى بنى قومه، فناصبوه العداء لأنه يبسط الدعوة إلى الإخاء ويعم بها «طيور السماء».
ومن الواضح أنه كان يؤثر قومه بالخير لو استمعوا إليه واتبعوه، ولكنهم مدعوون إلى وليمة يرفضونها، فمن حضرها بغير دعوة أولى بها منهم. كذلك ضرب لهم المثل بوليمة العرس التى أرسل الداعى فى طلب ضيوفه، ولكنهم أبوا عليه، فيشير السيد بدعوة غيرهم من أعطاف الطريق وزواياه، فلن يذوق عشاءه من دعاهم فلم يلبوا الدعوة.
ومن يتأمل هذه الدعوة العامة، يجد فيها معانى كثيرة لا تحصى وفقًا للنظرة التى ينظر بها إليها. ومن جوهرها أنها افتتحت قبلتين أو وجهتين لا سبيل للجمع بينهما، فمن المحال أن يخدم أحدٌ سيدين... قبلة الروح أو قبلة الجسد، قبلة الله أو إله المال، معبدالضمير أو معبد الصخر والخشب.
اختيار القبلة
هو إذن مفترق الطريق، فلا قبل لأحد بأن يخدم سيدين، أو يدين بالخدمة والإخلاص لهما معًا.. ومن ثم ليس أمام المقبل إلاَّ أن يوازن بين محراب «مامون» بقلبه وقالبه، وبين الواجهة الأخرى المقابلة على الطرف الآخر لهذا المحراب.
عُبَّاد «مامون» غارقون فى هموم الحطام، لا يفرغون لحظة لغير الشهوة والطعام، فالذى يستدبر هذه القبلة فلتكن قبلته حيث لا ظل لذلك المحراب ولا أنقاض لأركانه وأوثانه.. وحيث المطلوب كله هَمّ الروح والضمير وحيث المنبوذ كله هَمّ المادة والجثمان.
أو كما قال لهم عليه السلام: « الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس.. وزنابق الحقل تنمو ولا تتعب ولا تغزل، وسليمان فى كل مجده لا يلبس كما تلبس واحدة منها، فإذا كان العشب الذى يقوم اليوم فى الحقل ويطرح غدًا فى التنور يلبسه الله هكذا فما أحراكم أن يلبسكم يا قليلى الإيمان.. ».
« نعم.. وإذا تهالكت أمم العالم على الطعام والشراب وقلق العيش، فاطلبوا أنتم ما 
هو أفضل وأبقى.. اطلبوا كنوزًا لا تنفد فى سماواتها حيث لا تنالها يد السارق ولا يبليها السوس».
«من استدبر قبلة «مامون» فهذه هى القبلة التى يتجه إليها، وهذه هى غايتها القصوى، وإن لم تكن هى كل خطوة فى الطريق».
وعلى هذا الوجه يفهم السامع رسول الرحمة، حيث يقول:
«ما هو بقادر أن يكون لى تلميذًا من لا يقدر على أن يبغض أباه وامرأته وبنيه وأخواته، بل يبغض نفسه.
«وما هو بقادر أن يكون لى تلميذًا من لا يقدر على أن يحمل صليبه ويتبعنى فى طريقى».
إن قائل هذا هو القائل:
«أيها السامعون: أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، ادعوا 
لمن يسيئون إليكم، من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر، ومن أخذ رداءك فامنحه ثوبك، وكل من سألك فأعطه، ومن أخذ ما فى يدك فلا تطالبه، وما تريدون أن يصنعه الناس لكم فاصنعوه لهم أنتم، وأى فضل لكم إن أحببتم الذين يحبونكم؟ إن الخطاة ليحبون من يحبهم.. وأى فضل لكم إن أقرضتم من يردون قرضكم؟ إن الخطاة ليقرضون من يقرضهم، بل تحبون أعداءكم وتحسنون وأنتم لا ترجون أجركم..».
وقائل هذا هو القائل:
«إن أخطأ أخوك فوبخه، وإن تاب فاغفر له، وإن أخطأ إليك سبع مرات وتاب إليك سبع مرات فتقبل منه توبته».
هذه الرحمة التى تعم الأعداء والأحباب، تبدو فى الظاهر نقيض البغضاء التى تشمل بها أحب الناس إلى الناس: الآباء والأمهات والأبناء وذوى الرحم والقربى.
قد يبدو فى ذلك تناقض ــ إلاَّ على وجه واحد، وهو توجيه النظر إلى قبلة غير القبلة ووجهة غير الوجهة التى اعتادها الناس، وإلى غاية قصوى غير تلك الغاية القصوى التى درجوا عليها.
وحين يفترق الطريق، يجب عليك أن تختار إلى أى اتجاه تمضى، ولا جناح عليك أن تمضى حيث سددت خطاك.. حتى ولو كرهت نفسك، وحملت صليبك وانقطعت عن ذويك!
تجارب الدعوة
عرض الأستاذ العقاد لتجارب الدعوة، فقال إنها استوفت تجربتها فى فترة قصيرة لم تطل أكثر من ثلاث سنوات، ولكنها كانت كافية، لأنها كانت فى الواقع تجربتين ودعوتين، قام بهما رسولان مختلفان فى الطبيعة والطريقة: يوحنا المعمدان أو يوحنا المغتسل، وكان مثال الناسك الصارم الذى لا يحابى ولا يتردد، ينذر كثيرًا ويبشر قليلا، ويضع الفأس على أصل الشجرة، ولا يبالى أن يلقى بها حطبًا فى الأتون. هذا الرسول الذى ولد لشيخين كبيرين بعد يأس: زكريا وأليصابات، وكلاهما من أبناء هارون.
نشأ يحيى أو يوحنا، منذورًا للبتولة، وذكر القرآن الكريم قصته وزكريا فى سورة
 آل عمران وسورة مريم، ووصفه القرآن بالحصور، ولم يكن يتقى حرجًا فى كلامه عن الخطيئة والدنس، فراح ينحى بصوته القوى الصريح على الملك هيرود لأنه تزوج من هيرودية أخته وزوجها لا يزال بقيد الحياة، فلما اعتقله الملك لم يسكت، وأمره بتطليقها فرارًا من غضب الله، ثم كان ما كان أن قُدمت رأسه هديةً إلى «سلامة» أو «سالومى» فى سهرة من سهرات اللهو التى اعتاد هيرودوت أن يقيمها فى قصره.
ولم تذهب هذه الدعوة الصارمة سدًى، فبقى اسم صاحبها يوحنا أو يحيى ــ مقدسًا محبوبًا يخاف الأدعياء أن يجترئوا عليه.
* * *
أما السيد المسيح عليه السلام: عيسى ابن مريم، فله طبيعة أخرى غير طبيعة يحيى بن زكريا، فلم يكن المسيح متأبدًا ولا نافرًا من الناس، بل كان يمشى مع الصالحين والخاطئين، ويعظ هؤلاء وأولاء، وكان يشهد الولائم والأعراس، ولم يكن يكره التحية الكريمة التى تصدر من القلب ولو كان فيها نفقة وكلفة، ووبخ تلاميذه مرة لأنهم تقشفوا وتزمتوا فاستكثروا أن تريق إحدى النساء على رأسه قارورة طيب، وقال لهم حين أخذوا عليها السرف: «ما بالكم تزعجون المرأة؟ إنها أحسنت بى عملا، وإن الفقراء معكم اليوم وغدًا، ولست معكم فى كل حين».
هذه السماحة قد اصطدمت بعماية الشهوات وعناد الغرور، كما اصطدمت بهما صرامة يحيى الحصور أو يوحنا المغتسل أو المعمدان. وقد أحصى السيد المسيح على عصره هذه الصدمة وتلك الصدمة فقال: «إن يوحنا جاءهم لا يأكل ولا يشرب فقالوا به مس شيطان، ثم جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فقالوا إنه إنسان أكول شريب محب للعشارين والخطاة»!
هى إذن رسالة قد استوفت تجربتها بل تجربتيها، وخرجت من التجربتين معًا ــ إنسانية عالمية تنادى من يستمع إليها، وتعرض عمن أعرض: دعوة الغيرة الصارمة الأبية، ودعوة الغيرة السمحة المرضية.

التعليقات