من همس المناجاة - رجائي عطية - بوابة الشروق
الخميس 28 أكتوبر 2021 11:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


من همس المناجاة

نشر فى : الخميس 29 أغسطس 2019 - 10:25 ص | آخر تحديث : الخميس 29 أغسطس 2019 - 10:25 ص

إن غالبية الشعوب شديدة التمسك بما درجت عليه من سلوكيات وأحيانا من حماقات، لكن تقدم الجماعة أو تأخرها يرجع إلى الأقلية التى تقودها، فإن كانت عملية فطنة نشطة سريعة إلى الإقلاع عن الخطأ حين اكتشافه وإلى تحسين الأعمال ما وسعها ذلك ــ تقدمت الجماعة بتقدم تلك الأقلية التى تضطر الجماعة إلى تقليدها فيما نجحت فيه، وهو تقليد آلى إلى أن يصير مفهوما ثابتا مع المران والتعليم ــ لكنه فى الغالب ليس مصحوبًا بنمو الفطنة النشط سريعة الإقلاع عن الخطأ، ومن هنا فيما يبدو كان تعرض الأغلبية للاهتزاز والقلق مع بوادر الكساد والركود فى الأشغال والأعمال!
***
يبدو أن البشر فى عمومهم، لا يعنون كثيرًا ــ فيما يقولون وما يفعلون ــ بالصدق واحترامه، إنما يعنون بالنهايات والنجاحات!!.. وقد سهل ذلك كثيرًا بناء ما بنوه وحققوه من التطورات والحضارات، ولكنهم لم يعتنوا عناية موازية بداخل الإنسان!
***
آية فى القرآن المجيد، وفى الحياة، وقد يرددها الناس بلا تأمل، ولو تأملوها ما تعاظم أحد أو تجبر.. تقول الآية الحكيمة: «كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ» (آل عمران 185).
***
قيل فى التقوى إنها جماع الخيرات.. وحقيقتها التحرز بطاعة الله من عقوبته، كمن يتقى الخطر بترسه.. وأصل التقوى اتقاء الشرك، ثم بعده اتقاء المعاصى والسيئات، ثم اتقاء الشبهات، ومن بعدها ترك الفضول!
الناس بدلا من أن يقربوا ويشبهوا الزمن بالأبدى، قربوا وشبهوا الأبدى بالزمنى!
لا أنفع للعبد من الامتثال لأمر الله وإن شق عليه احتماله فى الابتداء، فعواقبه كلها خيرات ومسرات، فإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع ما دام قد امتثل وصبر لأمر الله.
من المهم ترويض العقل على أن يجد الخير فيما تقدمه الحياة حين تكون الحياة لائقة بقدر الإمكان! أفضل للإنسان أن يموت شوقا بأشواقه، من أن يحيا مللا بملالته!
***
من المحال أن ينقطع حاضر الناس كلية عن الماضى وآثاره.. لا يغير من ذلك طغيان الحاضر الماثل على صفحات وعى الناس، ولا انشغالهم بهمومه أو تفاهاته.. فليس فى إمكانهم أن يعيشوا حاضرهم اليوم من فراغ، وبلا ماض يتذكرون بعضه ويتمسكون بجانب منه، وليس فى إمكانهم أن يعزلوا حاضرهم بأطايبه ومثالبه عن تاريخ مجيد فى أعينهم، ينظرون إليه فى اعتزاز يصاحبهم فى صعودهم، ويعزيهم دائما ــ عما يمكن أن يصادفهم أو يحتمل أن يصيبهم من إخفاقات أو مرارات!
أخطر الفتن فتنة العالم الفاجر، وفتنة العابد الجاهل.. فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون!.. فهذا بفجوره يصد عن العلم وموجباته، وذاك بجهله وغيّه يدعو إلى الفجور!
***
لا مناص فيما يبدو حتى الآن من التسليم بأن تماسك أو ترابط كل جماعة من الجماعات البشرية الحالية ــ ليس شيئًا باقيًا على الدوام.. بل هو عرضة، وأكثر كلما طال أمده، للتفكك والزوال نتيجة تناحر داخلى مزمن ازداد وتفاقم، أو نتيجة هزيمة أو تشتيت أو إبادة من عدو داخلى أو أجنبى.. وحين تتشتت أو ينفرط عقد جماعة من الجماعـات، يصعب جدا ــ إن لم يكن من المحال ــ إعادتها كما كانت بعـد أن عاش نسلها فى «الشتات» أزمانا!
الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة. فقد توجب ألمًا وعقوبة، أو تجلب همّا وحسرةً وندامةً، وقد تثلم عرضا توفيره أنفع لصاحبه من ثَلْمه، وقد تذهب أمانًا حفظه خير من ضياعه!!
الفقير لا يهمه ولا يقلقه ماضى وقته وآتيه، بل يهمه وقته الذى هو فيه.. وكيف يهتم بما عداه وقوام عيشه لقمة تلقى بها يده إلى فمه ؟!
***
الحال عند الآدمى معنى يرد على القلب، من غير تعمد منه ولا اجتلاب.. ولا اكتساب لها من طرب، أو حزن، أو بسط، أو قبض، أو شوق، أو انزعاج، أو هبة، أو احتياج..
فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب..
والأحوال تأتى من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود..
لذلك قيل إن المقامات مستقرة، والأحوال متغيرة.
أحيانا بل كثيرا ما يتحاشى القادرون سؤال المأزومين عن أحوالهم خشية أن يحملهم الجواب مسئولية يريدون تجاهلها وتحاشيها!
أصاب من قال: لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس.. الحياة أمل وبذل ومجاهدة، واليأس استسلام وقعود وموت!
***
لا تكف الأديان ودعاتها، عن لفت الأنظار إلى وجوب التكافل والتساند، وإلى البر والإحسان، وإلى مكارم العطاء، ولا تقصر فى استدعاء كل المعانى الطيبة التى تورى بالفضل لمن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ولمن يؤمنون بالكل ويرون الذات محض عنصر فى الأسرة الإنسانية الكبرى.
من انشغل بالله عن نفسه كفاه الله مئونة نفسه.
ومن انشغل بالله عن الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن انشغل بنفسه عن الله وكله الله إلى نفسه، ومن انشغل بالناس عن الله وكله الله إليهم!
من قعد به نسبه وحسبه، نهض به أدبه وعلمه!
***
لم تعد جماهيرنا تحب البطولة والإقدام والشجاعة، ولم تعد ترى فى عالمنا الحالى إلاَ الحرص على الذات والجرى وراء المال وابتغاء الراحة واللذة والاستمتاع.. انزلقنا دون أن يشعر معظمنا إلى دنيا غير حقيقية وغير إنسانية تسودها الأنانية المسعورة ويحكمها المكر والخديعة والحيلة وعدم المبالاة!
أصول الخطايا ثلاثة: الكبر والحرص والحسد.
فالكبر هو الذى دفع إبليس إلى ما صار إليه!
والحرص هو الذى أطمع آدم وأخرجه من الجنة!
والحسد هو الذى دعا قابيل إلى قتل أخيه!
فى لغة الصوفية أن الغيبة: غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق، لاشتغال الحس بما ورد عليه.. وقد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره، بوارد من تذكر ثواب، أو تفكر عقاب!
أما الحضور: فقد يكون حضورًا بالحق، لأنه إذا غاب الإنسان عن الخلق حضر بالحق.. فهو حاضر رغم غيابه لاستيلاء ذكر الحق على قلبه وحضوره بقلبه بين يدى ربه سبحانه وتعالى.
***
فى لغة الصوفية أن أول مراتب القرب، هى القرب فى طاعة الله والتزام عبادته على دوام الأوقاف.. ولا يكون تقرب العبد من الحق إلاّ ببعده عن الخلق، وهذه من صفات القلوب دون أحكام الظواهر! وفى القرآن المجيد يقول رب العزة: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (ق 16)، وقوله سبحانه: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ» (الحديد 4)، وقوله جل شأنه: «مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُـوَ رَابِعُهُمْ» (المجادلة 7).
الإنسان هو المخلوق الوحيد بين جميع الكائنات ــ الذى نيط به رعاية الصلة بين الأرض والسماء!
***
قليلون جدا من يتأملون بإمعان وتؤدة وعمق فى دور الذات الآدمية فى ذلك الخضم الهائل الذى يحيط بها من لحظة أن يولد الآدمى إلى أن يفارق الحياة.. هذا الخضم الحافل بعديد العديد من القوى المتضاربة العاملة المتفاعلة التى لا تنى ولا تهدأ.. قليلون جدا أصحاب الأعماق ــ الذين يصلون إلى درجة من الاتزان المتعادل الدائم أو شبه الدائم، الذى يكفل لهم حماية الذات من شطط الغرور أو ذلّة الهوان والتعرض للهـلاك فـى هذا الخضم الهائل الذى فيه يتضاءل فعـل وأثر «الذات» «الواحدة» تضاؤلا يدعو العقلاء للالتفات إلى «ذوات» الآخرين!
***
محجة الصادقين هى من وراء الدنيا، قيل ومن وراء ما فى الدنيا وما فى الآخرة.
يموت جسم العابد الواقف فى رحاب ربه، ولكن لا يموت قلبه.
رحمات ربك تحيط بعبده الذى حفظ مقامه عنده ولم يفارق رحاب طاعته، إلى أن يجىء يومه، فذلك الذى يأتيه الله تعالى بسلام الدنيا ونعيم الآخرة.
Email:rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

التعليقات