درس الأسبوع من السلطان حسن - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 8:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

درس الأسبوع من السلطان حسن

نشر فى : الأحد 30 يونيو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 30 يونيو 2013 - 10:38 ص

بعد أيام قليلة من قتل وترويع الشيعة بزاوية أبومسلم، على مقربة من القاهرة، ذهبت لحضور أول درس تلقيه الدكتورة هبة رؤوف عزت ــ مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة ــ بمسجد ومدرسة السلطان حسن. وبخلاف أنه من روائع العمارة المملوكية وأنها على الأرجح المرة الأولى التى تتحدث فيها سيدة، من هذا المسجد الجامع، إلى نساء ورجال جاءوا خصيصا، ومعظمهم من الشباب، لسماع ما ستقوله حول مقدمة إبن خلدون، إلا أن المكان والكلام كانا لهما وقعا مختلفا فى ظل مناخ متوتر، نظرا لاقترابنا من اليوم الأحد 30 يونيو.

 

من أحد إيوانات المسجد الأربعة والتى تمثل المذاهب المختلفة (الشافعى والمالكى والحنفى والحنبلى) ارتفع فى خشوع صوت أحد الشباب الجالسين على البساط الأحمر وسط الأصدقاء من الأولاد والبنات، لينطلق إلى عنان السماء مؤديا بعض التواشيح والابتهالات الصوفية، فصحن الجامع مفتوح حيث قبته ومكان الوضوء الذى تحمله أعمدة رخامية.

 

هكذا صُمم الجامع فى القرن الرابع عشر الميلادى ليحمل اسم السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون وليستقبل مائة طالب، لكل فرقة 25 ولكل مذهب شيخ وثلاثة «معيدون»، وقيل إن علماء المدارس الأربعة كانوا يتلون القرآن من الصباح إلى الظهر تحت قبة المدرسة، فالروح المصرية وقتها كانت تتسع للاختلاف الذى لا يفسد للود قضية. هذا ما تؤكد عليه عمارة المبنى الأثرى، ثم غناء طالب الطب ــ أحمد الرفاعى ــ العضو فى فرقة سماع للإنشاد الصوفى ــ الذى وجد بمحض المصادفة ليضيف إلى المعنى نفسه سماحة ورحابة.

 

●●●

 

مشاكل الحاضر تدفعنا للرجوع إلى الماضى، هذا ما لاحظه أيضا إبن خلدون الذى أتى إلى مصر وتوفى بها، بل ودفن فى مقابر الصوفية قرب باب النصر بشمال القاهرة، وهو حضرمى الأصل ــ تونسى المولد، وهنا أيضا تتدخل المصادفة التاريخية فقد بدأ مشواره فى تونس وأنهاه بمصر، وخلال سعيه للتعرف على الأسباب العميقة للفوضى والانهيار اللذين شهدهما العالم العربى فى القرن الرابع عشر الميلادى توصل إلى مفهوم شامل للمجتمع وتطوره الكلى، وخرج بنظرية سميت «دورة العمران» فى تفسير التاريخ.

 

وهو حين يتحدث عن العمران فهو يعنى «التساكن والتنازل» للعيش معا أو مع الآخر، على اعتبار أن الإنسان كائن اجتماعى بطبعه، أى بعبارة أخرى التفاعل السياسى والاقتصادى والثقافى والاجتماعى مع المكان.

 

وتشير نظريته إلى أن تطور المجتمع مر بمرحلتين أساسيتين: مرحلة العمران البدوى أو (العصبية: النسب والولاء والحلف والقرابة) والثانية مرحلة العمران الحضرى والحضارة. اختيار الأكاديمية هبة رؤوف، التى أعدت أطروحة دكتوراه حول المواطنة وتٌدرس النظرية السياسية، لتناول «العصبية» و«العمران» فى درسها التمهيدى والمبسط لمقدمة إبن خلدون كان له فى النفس شجون، وأثار حوار جَدى بين الماضى والحاضر حين تتخذ العصبيات أشكالا شبيهة وتتداعى المقارنات مع نظرية العلامة إبن خلدون الذى يربط التاريخ بالسياسة والاجتماع.

 

التسلسل لديه جاء كالآتى: عصبية، اجتماع بشرى، عمران، والمسئولية الإنسانية بالنسبة له، المنبثقة من الخلافة، هى ما تعطى للعصبية طابعها المعين فى زمان معين ومكان معين، فإذا تحققت المسئولية الإنسانية عند المجموعة البشرية ساهمت «العصبية» فى إقامة «العمران»، أما إذا غابت المسئولية فتتحول «العصبية» إلى عامل تدمير وتخريب للعمران. ويشير إبن خلدون إلى أن «العصبية» البالغة القوة عند القبائل المتوغلة فى الصحراء كانت قاتلة لكل انفتاح اجتماعى ممكن، فابتعد أهلها عن الحضارة، إذ يتعلق الأمر هنا بعدم قدرة «العصبية» على الإبصار.

 

بمعنى أن الاجتماع البشرى يصبح خاضعا لها، مستلبا أمامها، وهو ما نراه حولنا فى الوقت الجارى، ويمكن تطبيقه على الأحزاب والجماعات بكل سهولة ويسر... وهو ما ألمح إليه بذكاء الدرس الأول للدكتورة هبة، فى موعد من المفترض أن يتكرر كل ثلاثاء بعد صلاة المغرب.

 

●●●

 

قطعا لا مجال للمقارنة، لكن وجود سيدة تعطى درسا فى إيوان القبلة بمسجد السلطان حسن ذكرنى بالسيدة زينب رضى الله عنها، بنت بنت النبى وابنة الإمام على بن أبى طالب التى خطبت فى الناس بالكوفة والشام، وعرفت بصاحبة الديوان لأنها كانت تعقد جلسات للعلم بدارها فى مصر وكان يحضرها الوالى وكبار رجال الدولة فى غضون العام 61 هجريا، دون أن يخشى أحدهم لومة لائم، فآل البيت كان لهم دوما مكانة خاصة فى نفوس المصريين، حتى لو طرأ عليهم بعض التغير نظرا لعوامل التعرية والشحن النفسى.

التعليقات