سارقو الفرح - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 1 مارس 2024 7:06 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

سارقو الفرح

نشر فى : الخميس 30 نوفمبر 2023 - 7:35 م | آخر تحديث : الخميس 30 نوفمبر 2023 - 7:35 م

أحب الربط بين الأدب والواقع، وبين الدراما والواقع، وأجد أنه متى توثقّت هذه الرابطة وقويت اقترب الأدب والدراما من الحقيقة ومن رؤية الأشياء بعيوننا نحن القرّاء والمشاهدين والناس العاديين، وفي مقال اليوم محاولة جديدة لالتماس أحد تجليّات هذه الرابطة. في مطلع التسعينيات كتب الأديب الجميل خيري شلبي مجموعته القصصية "سارق الفرح"، وعنوان المجموعة ذات الست عشرة قصة مستوحىً من إحدى قصص المجموعة، وهي القصة التي تحوّلت بعد ذلك بعدة سنوات إلى فيلم سينمائي من إخراج داوود عبد السيد وبنفس الاسم "سارق الفرح". وظاهرة سرقة الفرح هذه عند خيري شلبي لها أشكال وألوان، فقد تكون من ذلك النوع الشرير الذي يستكثر فيه السارق الشعور بالفرح على غيره فإذا به يسرق نجاح غيره أو شقا عمره أو حبيبته، ويوظّف لهذا الغرض كل أسلحته: المال والجاه والنفوذ والغواية وربما حتى السحر والشعوذة، فينجح حينًا ويفشل حينًا. لكن سرقة الفرح أيضًا لها وجهها الطيب الذي يحاول به البسطاء اقتناص لحظات سعادة ليست من حقهم بالقانون لكنها من حقهم كبني آدمين يتمّنون أن يكون لهم من السعد نصيب، فأي عقاب هذا الذي يمكن إيقاعه مثلًا بشخص يضطر لسرقة حذاء أخيه ليكمل بثمنه نفقات زفافه؟ نعرف أنه يوجد كذب أبيض فهل يمكن أن توجد أيضًا سرقة بيضاء؟ سؤال مختلف على إجابته ونتفق. لكن في كل الأحوال فإن القارئ لأدب خيري شلبي يدرك تمامًا كم أنه نفخ من روحه الطيبة الظريفة في شخصيات أعماله، فإذا هي للنموذج الطيب أقرب، وهكذا تجد عنده مَن يسرق السعادة والشعور بالفرح من احتراف التزويغ من محصّل التذاكر في الأوتوبيس.. وفي هذا تعبير أكيد عن الاحتياج وضيق ذات اليد، لكن فيه أيضًا جزء من التذاكي والفهلوة والضحك على الذقون. كما تجد عند شلبي مَن يستمّد شعورًا زائفًا- لكنه لذيذ- بالرضا بعد مقلب يدبره لأحد أكابر القرية لا يستفيد منه صاحبه كثيرًا بالضرورة لكنه يجلب له شعورًا بالتحقق وإثبات الذات. وحول هؤلاء اللصوص الظرفاء والمحتالين البسطاء في أدب خيري شلبي، كتب صلاح السروري مقالًا بديعًا على موقع الحوار المتمدّن تحت عنوان "خيري شلبي سارق الفرح". لكن ليس كل الناس هم خيري شلبي وليس كل سارقي الفرح هم من المهمشين، بالتأكيد ليس كلهم كذلك.

• • •

راح مذيع قناة روسيا اليوم يتلّقى تقارير مراسلي قناته المنتشرين في سائر مدن قطاع غزّة والضفة الغربية لتغطية تطورات الحرب المجنونة التي تشنّها إسرائيل على الفلسطينيين. وكانت تقارير هذا اليوم تحديدًا تغطّي ملابسات تنفيذ اتفاق الهدنة، ومن بينها إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي-عندما قال مراسل القناة في مدينة القدس إن قوات الاحتلال داهمَت بيوت أهالي الأسرى وصادرَت منهم الحلويات التي يوزعونها على المهنئين. لم يصدّق المذيع ما سمعه وسمعناه معه من مراسل القناة وأراد أن يستوثق من صحته فسأله في ذهول: أنت لا تمزح أليس كذلك؟ فردّ عليه واثقًا بأنه لا يمزح. كانت التعليمات الإسرائيلية قبل سريان اتفاق الهدنة ألا يحتفل الفلسطينيون خارج حدود أُسرهم، وكانت هذه التعليمات معلنة ومعروفة والتزم بها الفلسطينيون بالفعل، ومع ذلك فإن حكومة أقصى اليمين في إسرائيل لم تحتمل حتى احتفالات البيوت الفلسطينية بحرية أبنائها ببعض الحلويات. ومثل هذا الفعل الصغير جدًا من أحد أقوى جيوش العالم- والذي أثار دهشة المذيع ليس له إلا تفسير واحد، إن الفرحة التي عمّت بيوت الأسرى هي دليل الخيبة الثقيلة للحكومة الإسرائيلية. فلقد وعدَ نتنياهو شعبه بتحرير الرهائن بالقوة لكن قواته تعثّرت في دهاليز أنفاق غزّة، ووعدَه بالقضاء المبرم على كل عضو في حركة حماس فإذا به يضطر للتفاوض مع الحركة مكرهًا، فكيف يمكنه أن يبيع وهم الانتصار ويروّج له؟

• • •

إن هذه اللمّة وأكواب الشَربات والحلويات والأحضان والزغاريد والموسيقى والصور الجماعية تخزي جيش الاحتلال وتخجله وتكشف عجزه. لكنه يظّن أنه قادر على سرقة الفرح من القلوب أو في القليل إخفاء الفرح عن العيون، ويُثبت بعد كل هذه السنين الطويلة من الاحتلال أنه لا يعرف شيئًا عن نفسية هذا الشعب وتركيبته العجيبة. لم تستوقف قادته على الأرجح صورة أسرة فلسطينية تحتفل بعيد ميلاد أحد أبنائها وسط ركام العمارات المنهارة، تتوّنس بضوء القمر مع انقطاع الكهرباء وتستبدل نورًا بنور، وتتخيّل أن تلك الأنقاض المحيطة بها من كل صوب هي آثار قديمة لإحدى الحضارات العظيمة التي أينعت في قلب المشرق العربي، وليس أكثر من الحضارات والديانات التي مرّت بأرض فلسطين وبأهل فلسطين. إنه شعب يحّب الحياة كمثل حبّه للموت، يستقبل مواليده بالزغاريد ويودّع شهداءه بالزغاريد، ينجب أكثر ليهدي للوطن أكثر، ويتأقلم مع أصعب الظروف وكأنه لم يمّر بغيرها أبدًا. هذه الخيام البيضاء المتلاصقة التي نُصبت بسرعة البرق لتأوي أصحاب البيوت المقصوفة، ينبعث منها دفء وحميمية وذكريات قديمة وجديدة وقلق وهواجس وإيمان بلا حدود، وهذه المشتركات التي ترفع الحواجز وتذيب الخصوصية وتلغي المسافات مفيدة للتماسك والاستقواء، فكل شعور بالوحدة يُضعِف.

• • •

في اتفاق الهدنة كان هناك مشهدان متناقضان، مشهد الرهائن الإسرائيليين الذين تقلّهم الحافلات الكبيرة وتُنثَر عليهم الورود وتطير من فوقهم البالونات الملوّنة وتتابعهم عشرات الكاميرات ووكالات الأنباء، ومشهد الأسرى الفلسطينيين الذين يُحرمون حتى من الاحتفال مع أهلهم داخل بيوتهم بما تيسّر لهم من المرطبات والحلويات الشرقية، وهذا مستوى من الازدواجية الإنسانية أظن قد فاتنا الانتباه إليه ونحن نتحدّث عن ديمقراطية دولة إسرائيل.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات