أين كانت الخيانة؟ الحقيقة كُشِفت ويجب أن تحسم الانتخابات - من الصحافة الإسرائيلية - بوابة الشروق
الخميس 10 سبتمبر 2026 9:17 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

أين كانت الخيانة؟ الحقيقة كُشِفت ويجب أن تحسم الانتخابات

نشر فى : الخميس 10 سبتمبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الخميس 10 سبتمبر 2026 - 6:35 م

إن غرور نتنياهو وغطرسته وثقته بالمفهوم القائل إن «حماس هى رصيد» ــ وهو المفهوم الذى كان هو الأب المؤسس له ــ أمور دفعته إلى تجاهُل هذه التحذيرات بخصوص قيام حماس بعملية 7 أكتوبر. والأسوأ من ذلك، أنه أخفى وجود هذه التحذيرات عن وزير الدفاع يوآف جالانت ورئيس الأركان هرتسى هليفى ورئيس جهاز الشاباك رونين بار.

 


وكَونى تولّيت فى الماضى منصب رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، لمدة تراكمية بلغت 15 عاما، أقول بمسئولية إن مجرد تجاهُل التحذيرات يشكل، فى الحد الأدنى، إهمالا جسيما؛ أمّا إخفاؤها عن جميع رؤساء المنظومة الأمنية والاستخباراتية، من وزير الدفاع وحتى رئيس الشاباك، فهو فعلاً يدخل فى نطاق الإهمال الجنائى. نعم، الإهمال الجنائى بالمعنى السياسى والجماهيرى، وكذلك بالمعنى الذى يحدده القانون. وهذا الإهمال الجنائى له، بحسب رأيى، علاقة سببية مباشرة بـ«مجزرة» السابع من أكتوبر، وبالثمن الذى دُفع، وبنتائجها.
إن الدولة التى تريد البقاء، وتعمل فى منطقة صعبة كالشرق الأوسط، مُلزمة تجاه التحرك بحزمٍ لإبعاد قيادة خطِرة كهذه عن سدة الحكم. ونتنياهو نفسه هو الذى سمعناه يسأل: هل كنتم ستسافرون مع سائق حافلة مسئول عن سلسلة من الحوادث القاتلة، أو تبحرون مع قبطان سفينة تايتانيك لو كان نجا من غرقها؟ واليوم، تتعلق الإجابة به هو.
منذ السابع من أكتوبر، ووفق نمطٍ من السلوك يعرفه علماء النفس جيدا، والذى عبّر عنه الحكماء بقولهم «يعيب على غيره بما فيه»، نرى نتنياهو يتهم، طوال الوقت، رئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات ورئيس الشاباك بأنهم «لم يوقظوه».
لكن الحقيقة هى أنه وصلت إلى مكتب رئيس الحكومة مواد استخباراتية فى الساعة الثالثة فجرا تقريبا، وأن العاملين فى مكتبه هم الذين لم يوقظوه، ولم يُطلعوه عليها.
علاوةً على ذلك، فإن تلميحاته إلى مؤامرة وخيانة، فضلا عن ادّعائه المتبجح أنهم لم يريدوا إيقاظه، لأنهم كانوا يعرفون أنه لو استيقظ، فسيأمر فورا برفع الجيش إلى حالة تأهُّب قصوى وسحق «حماس»، منافية للواقع، لأنه حتى عندما أيقظوه فى الساعة 6:29، كان سؤاله الأول: «لماذا يطلقون النار؟».
ذلك «المجنون الجرىء» لم يُصدر أى أمر عملياتى، واستغرق الأمر أكثر من ثلاث ساعات إضافية (!) قبل أن يتحدث لأول مرة مع رئيس الأركان، وهو وحده يملك إصدار الأوامر التى تحرّك الجيش.
تخيّلوا لِلحظة أن نتنياهو أطلع جالانت فى 1 أكتوبر على التحذيرات الخطِرة التى وصلت إليه؛ فمن الواضح أنه كان سيعقد نقاشا أمنيا واستخباراتيا بشأن التطورات المحتملة، ولكانت اتُّخذت إجراءات للردع، أو المنع، أو إحباط الخطة.
بل أكثر من ذلك، فحتى من دون عقد أيّ نقاش، إن مجرد معرفة وجود تحذيرات من هذا النوع كانت ستؤدى، على الأرجح، إلى تحليلٍ أكثر تشددا، فى الليلة التى سبقت «المجزرة»، لـ«المؤشرات الدالة» التى فشل رئيس الأركان وكبار مسئولى الاستخبارات وقيادة المنطقة الجنوبية ورئيس الشاباك فى فهمها.
مَن لم يُطلعهم على الواقع الذى حُذّر منه شخصيا هو نتنياهو نفسه؛ إذًا، قولوا من الآن فصاعدًا: لم يكن هرتسى هليفى ورونين بار، اللذان يُقال إنهما «لم يوقظاه» فى ساعات فجر السابع من أكتوبر، هما اللذان جلبا «المجزرة»، بل إن نتنياهو، بإهماله، هو الذى لم يوقظهما، ولم يوقظ وزير الدفاع قبل ذلك بأسبوع، فى 1 أكتوبر، لمنع، أو إحباط أسوأ "مجزرة" فى تاريخنا.
نتنياهو ينفى الأمر برمته طبعا.
لكننى، كشخص يتابع هذه القضية منذ أشهر طويلة، عبر مراحل كشفها المتعددة، أقول بمسئولية إن هذه الحقيقة صحيحة بكل تفاصيلها، وهذه التفاصيل معروفة أيضا بصورة دقيقة لدى جهات استخباراتية فى الولايات المتحدة، ولدى عدد محدود جدا من الأشخاص فى إسرائيل. وهذا هو سبب خوف نتنياهو الشديد من تشكيل لجنة تحقيق رسمية، لأنه يدرك أنها تستطيع إجبار الإسرائيليين على المثول أمامها والإدلاء بشهاداتهم تحت القسم، والحصول على كلّ وثيقة موجودة، بل إصدار أوامر بالتحقيق فى تزوير الأدلة، أو إخفائها. ويدرك نتنياهو أن إنكاره سيتلاشى بسرعة، وأن مصيره السياسى سيكون محسوما من دونه.
أمّا بشأن الخيانة، فإن المحاولة الخرقاء التى قام بها نتنياهو، بمشاركة أفراد من عائلته المقربين والمتملقين المحيطين به، لاتهام يائير جولان بالخيانة، وزوج شكما برسلر، وهرتسى هليفى، ورونين بار، وكاتب هذه السطور، وعشرات آخرين من كبار المسئولين، هى أيضا جزء من متلازمة «مَن يعيب على غيره بما فيه»، وجرت هذه الحملة بروحية التوصية الشهيرة المنسوبة إلى جوبلز: اتّهم خصومك دائماً بالشىء الذى لك ذنب فى ارتكابه.
إن الاحتضان والدعم غير المحدودَين اللذين يمنحهم إياهما نتنياهو يقودان إلى استنتاج واحد لا مفرّ منه، وهو أنه كان على عِلم بطريقة عملهم، وأنه يدرك أن سقوطهم سيؤدى إلى سقوطه هو؛ إذًا، قولوا من الآن فصاعدا: إذا كان هناك خيانة، فإنها لم تكن خيانة خصوم نتنياهو، بل خيانة رجاله هو، وبعلمه، على الأقل وفق ما تشير إليه الظروف. وبناءً على ذلك، لا يوجد غفران، ولا مسامحة.
لم يتبقَّ على الانتخابات سوى نحو ستة أسابيع، وهى فعلا انتخابات مصيرية فى تاريخ إسرائيل؛ وإذا كنا نريد البقاء، فعلينا أن نبدأ فوراً بعملية «إصلاح يهودى» كبيرة فى جميع منظومات حياتنا.
الخطوة الأولى هى إعادة الحقيقة والثقة إلى حياتنا، ولن تصلَّح الأمور من دون قرارات صحيحة وعمل؛ أولا، من جانب الناخبين، ثم من جانب الحكومة التى يجب أن تُؤلَّف بعد الانتخابات.
لذلك، تذكّروا أيها الناخبون أن مَن لم يُوقظ المنظومة الأمنية والاستخباراتية، بإهمالٍ جسيم وغير مسبوق، هو نتنياهو نفسه. والسؤال هل كان هناك خيانة؟ ربما، وإذا كان هناك خيانة، فإنها حدثت فى مكتبه، وبحسب الظروف، بعِلمه. وهذان الأمران يجب ألّا ننساهما.

 


إيهود باراك
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

من الصحافة الإسرائيلية أبرز المقالات من الصحف الإسرائيلية
التعليقات