تحل اليوم الثلاثاء، ذكرى ميلاد الأديب المصري أحمد حسن الزيات، أحد كبار رجال النهضة الثقافية في مصر والعالم العربي، والذي أثرى الحياة الثقافية المصرية على مدار عقدين من الزمن بإصداره مجلة «الرسالة».
وفي ذكرى ميلاده، تستعرض «الشروق» كيف كان احتجاب «الرسالة» شهادة على انقضاء عصر وبزوغ آخر.
على صفحات جريدة الأهرام في 25 فبراير عام 1953، كتب الأديب عباس محمود العقاد: «في مفتتح هذه السنة كتبت فصلا عن تاريخ الثقافة في الـ60 سنة الأخيرة. أسفت فيه لحال الصحافة، وقلت فيه (إنها لم تكن قط عندنا أو عند غيرنا قائمة على القراء بغير معونة الدولة أو الجامعات أو التبرعات المحبوسة عليها من نصراء العلوم)».
وأضاف العقاد: «لم يكن يدر بخلدي حين كتبت هذا أن مجلتين في طليعة مجلاتنا الأدبية تضطران إلى الاحتجاب من قرائهما قبل انتفاء شهرين، فبدأت السنة الحاضرة باحتجاب (الثقافة)، ولم ينقض الشهر الثاني من السنة حتى أعلنت زميلتها (الرسالة) أنها تختتم أعدادها وتودع قراءها، ولا شك أنهما حادثان سيذكران من حوادث هذه السنة منذ الكتابة على تاريخ الأدب العربي الحديث».
وراجع العقاد موقفه واتفق في مقالته مع ما كتبه الدكتور طه حسين على صفحات جريدة الأهرام في نفي اللوم عن الحكومة لعدم إعانتها للأدب، ويقول: «لقد أصاب زميلنا العلامة الدكتور طه حسين حين قال في (أهرام) أمس: (وما أريد أن ألوم الحكومة لأنها لا تعين الأدب كما لامها الزيات، فإن على الحكومة واجبات أخرى عاجلة قد تشغلها عن مثل هذا الواجب الذي هو مفروض على الناس لا على الحكام، فقد انقضى العصر الذي كانت الحكومات فيه تحمي الأدب وتعينه على البقاء والنماء)».
وفي 15 يناير 1933، أورد الأديب أحمد حسن الزيات في صدر افتتاحية العدد الأول من مجلته «الرسالة»، أن «غاية الرسالة أن تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع، وبهْرجَ الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة الأمة بتوضيح الطريق، أما مبدأ الرسالة فربط القديم بالحديث، ووصل الشرق بالغرب».
ومنذ ذلك الحين، ارتبط ذكر مجلة «الرسالة» بالزيات والعكس، فكانت منارة للفكر والأدب، وشكلت واحدة من أبرز التجارب الثقافية التي حفل بها عصرها، فكانت بمثابة إنترنت لجيل عقد الأربعينيات، وميناء للثقافة والآداب، تجمع صنوفها من كل حدب وصوب، من الشرق والغرب، عبر ترجمات للكثير من الأعمال الأدبية العالمية، وكتابات رموز الأدب والفكر من أرجاء الوطن العربي في شتى المجالات، فحصل قراؤها على ثروة ثقافية ولغوية وعلمية.
وكتب فيها (طه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، ومصطفى صادق الرافعي، وإبراهيم عبدالقادر المازني، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، ومحمود تيمور، وعلي مصطفى مشرفة، وعبدالرحمن الرافعي، وزكي مبارك) وغيرهم الكثير، ودارت على صفحاتها كثير من المعارك الثقافية، وتشكلت على صفحات «الرسالة» عدد من أشهر الكتب، مثل (وحي الرسالة) للزيات، و(وحي القلم) لمصطفى صادق الرافعي، و(البرج العاجي) لتوفيق الحكيم.
وخصصت «الرسالة» بابا لكل فن أدبي، فكان للقصة باب، وللشعر باب، ولفن المقال باب.
وبالرغم من شيوع الترجمات عن الفرنسية والإنجليزية على صفحاتها، إلا أنها لم تغفل نشر الأدب الروسي والصيني والإيطالي والإسباني والياباني والهندي أيضا. ليصل توزيع أعدادها إلى 60 ألف نسخة.
نُشرت على صفحاتها ترجمات عن الإنجليزية مثل (الصديق الصدوق) للأديب الإنجليزي أوسكار وايلد، و(مدام بوفاري) عن الفرنسية لجوستاف فلوبير، وعن الروسية (قصة المفاتيح) لمكسيم جوركي، و(زينوتشكا Зиночка) أو البغض الأول لأنطون تشيخوف، ومسرحية (سانياسي) أو الزاهد للشاعر الهندي طاغور.
رغم ما وفرته المجلة بفضل رئيس تحريرها من مناخ رحب اتسع لكل هؤلاء المفكرين الكتاب والشعراء، وما أضفته على الحياة آنذاك من متسع طوال عقدين من الزمن، ضاقت بها البيروقراطية المصرية العتيدة في مطلع العصر الجديد، فألقت عليها أحمال الضرائب بالتقدير الجزافي مقدرة في كل عدد 50 إعلانا، كما ورد في افتتاحيتها الأخيرة العدد 1025 بتاريخ 23 فبراير 1953 بعنوان «الرسالة تحتجب!».
وقال الزيات في صدر افتتاحيته: «تسقط (الرسالة) في ميدان الجهاد الثقافي صريعة بعد أن انكسر في يدها آخر سلاح، ونفد من مزودها آخر كسرة، تموت الرسالة اليوم، فلا يفطن إلى نزعها هاتف، ولا يصغي إلى أنينها منشد! فلم تبكها عين قارئ، ولم يرثها قلم كاتب! كأن 20 سنة للرسالة، و16 سنة للثقافة قضتها في خدمة الأدب والعلم والفن والإسلام والعروبة لم تهيئ لهما مكانا في الوجود، ولم تنشئ لهما أثرا في الخواطر!».