نساء من عصر التابعين (9).. أم عاصم بنت عاصم: حفيدة عمر بن الخطاب وأم عمر بن عبد العزيز - بوابة الشروق
الأربعاء 24 أبريل 2024 5:59 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

نساء من عصر التابعين (9).. أم عاصم بنت عاصم: حفيدة عمر بن الخطاب وأم عمر بن عبد العزيز

منال الوراقي
نشر في: الأربعاء 3 أبريل 2024 - 5:34 م | آخر تحديث: الأربعاء 3 أبريل 2024 - 5:35 م
تعد سير الصالحات تربية عملية للنفوس، وغَرْس للفضائل، وتدريب على التجمل بالآداب الإنسانية في ميادين الخُلُق والرضا وطاعة الله؛ ذلك لأن التربية بالاقتداء من خير الأساليب التربوية؛ لصقل الطباع، وتهذيب المشاعر، والسير قدما على طريق التقوى والاستقامة.

وفي عصر التابعين برزت قصص عشرات النساء في حياة نبي الأمة، ممن كان لهن أثر عظيم في عصرهن والعصور التي تلته، أفرد لهن المؤلف والمترجم السوري أحمد خليل جمعة، كتاب "نساء في عصر التابعين" الصادر عن دار نشر ابن كثير، ليركز على دورهن وما جرى لهن من أحداث ترتبط بالدعوة الإسلامية وبالرسول.

أم عاصم بنت عاصم

في الليلة الثانية الخالدة من ليالي المدينة المنورة في عهد سيدنا عمر بن الخطاب

في ليلة ساكنة، قد سجى ليلها، أوى الناس فيها إلى دورهم ومضاجعهم يلتمسون الدفء من ذلك البرد الزاحف، إلا أن رجلاً واحداً أفزعته مسؤولياته، نضا عنه غطاءه وخرج يجوب طرقات المدينة التي خلت من الناس، ولم يبق بها سوى قطع الظلام الدامس، ولفحات الريح الباردة.

خرج ذاك الرجل وحده يعس في الليل، فلعل هناك ابن سبيل لا يجد مأوى، أو مريضاً أسهره الألم، أو جائعاً لا يجد ما يسد به رمقه، ولعل هناك شأناً من شؤون رعيته قد غاب عنه، وهو مسؤول عن شاة قد تتعثر بعيداً في شاطىء الفرات، والله سبحانه سائله عن ذلك ومحاسبه عليه.

كان ذاك الرجل أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن الخطاب، الذي طال تطوافه في ذاك الليل البهيم، وكاد التعب يستولي على جسمه، فاستند إلى جدار دار صغيرة في طرف المدينة، ووقف يستريح بعض الشيء - ليتابع خطوه بعد قليل نحو المسجد، فقد أوشكت خيوط الفجر بالظهور، وأخذت جيوش الظلام تعد العدة لتترك مكانها لضياء النهار.

في تلك اللحظات، ترامى إلى سمعه صوت امرأتين داخل الدار الصغيرة، كان ذلك حواراً بين أم وابنتها، وكانت البنت تجادل أمها وترفض أن تمزج اللبن - الحليب - بالماء، فكانت الأم تقول: امزجي اللب بالماء.

فقالت الفتاة: إن أمير المؤمنين عمر منع عنا مذق اللبن، ألم تسمعي مناديه بالأمس ينهى عن ذلك؟، فقالت لها الأم: إن عمر لا يرانا، ولا يدري بنا الآن في هذه الساعة المتأخرة من هذا الليل. فردت البنت على الفور: يا أمي، إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا، والله ما كنت لأفعله وقد نهى عنه.

كانت عبارة هذه الفتاة برداً وسلاماً على قلب سيدنا عمر الذي تملكه العجب من جوابها لأمها الذي يجمع الصدق والإيمان، والخوف من الله عز وجل، ومراقبة النفس سراً وعلانية.

وأسرع لتوه إلى المسجد النبوي الشريف، وصلى بأصحابه، ثم عاد إلى بيته، وكلمات الفتاة الصادقة تعاود سمعه: إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا.

ودعا عمر ابنه عاصماً - وكان مزمعاً على الزواج - وأرشده إلى بيت الفتاة، وحدثه بما سمع، وقال قولته المشهورة: اذهب يا بني فتزوجها، فما أراها إلا مباركة، ولعلها تلد رجلاً يسود العرب.

وتزوج عاصم تلك الفتاة الفقيرة الورعة، واسمها أم عمارة بنت سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي - وقيل من بني هلال -، فأنجبت له ابنة أسموها ليلى، وكنوها أم عاصم وهي ضيفتنا في هذه الحلقة، كما أنجبت لعاصم ابنة أخرى اسمها حفصة.

أم عاصم ونشأة عُمرية:
نشأت أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب القرشية العدوية نشأة تقية نقية، ودرجت في شبابها على حب الخير، وحب العلم، فتلقت عن أبيها عاصم وحدثت عنه.

وكان أبوها ممن ولد في حياة رسول الله وكان خيراً فاضلاً فصيحاً، وقد ورثت أم عاصم هذه الفضائل والخصال الحسنة عنه، وتوفي عاصم سنة ۷۳ هـ.

وكانت أم عاصم من أكمل أهل دهرها أخلاقاً، وأكرمهن خلالاً، فأمها - أم عمارة الثقفية - تلك المرأة التي اتخذها عمر زوجاً لابنه عاصم، وليس لها ما تعتز به من نسب وحسب إلا ما جرى على لسانها من قولها الصدق في نصحها لأمها، وليس لها من نسب أيضاً إلا دينها وإسلامها: أبي الإسلام، لا أب لي سواه.. إذا افتخروا بقيس أو تميم.

واقتبست أم عاصم الخلال الحميدة والخصال الكريمة من أبويها ومن جدها عمر، فكانت من صفة الصفوة ومن خيار النساء التابعيات ممن يؤخذ عنهن العلم ويؤثر عنهن الصدق.

وقد روى عن أم عاصم ابنها عمر، فمن مروياتها ما ورد عنها عن أبيها عاصم عن جدها عمر بن الخطاب، قال : قال رسول الله له: (نعم الإدام الخل).

المال الطيب والزواج الموفق:
ذكر النبي الله أن الناس معادن، يتفاوتون في الخير والشر، والشرف والوضاعة فقال: (الناس معادن في الخير والشر، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا).

ولهذا حث النبي الكريم الراغب في الزواج أن يكون اختياره للمرأة - الزوجة - على أساس الخلق الكريم القويم، والصلاح والأصالة، وأن يبحث عن الفتاة ذات التربية الحسنة، فقال له: تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء.

من هذا المنطلق السليم ندرك توجيه رسول الله أنظار الراغبين في الزواج كي يختاروا زوجاتهم من بيئة صالحة، قد انحدرن من أصول عريقة، ذات عروق سليمة، ليكتسب أولادهم العادات الأصيلة، والأخلاق الكريمة فالولد ينزع إلى أصل أمه وطباعها.

وهذا ما كان لعبد العزيز بن مروان الذي كان ينظر نظرة فاحصة فيمن حوله من الفتيات، ومن ذَوَاتِ الصَّلاح والفلاح لتكون قرينة له، فكان ذلك.

وكان عبد العزيز بن مروان أميراً من أمراء بني مروان، وكان ولي العهد بعد أخيه عبد الملك بن مروان، وعندما أراد أن يتزوج طلب من خازن ماله أن يتخير من أطيب ماله وصالحه ليكون مهراً الزوجه، فقال له: اجمع لي أربعمئة دينار من طيب مالي، فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح.

ولم يشترط عبدالعزيز ما يشترطه الأمراء الأثرياء من الجمال أو المنزلة، وإنما طلب العرق الطيب في المنبت الطيب، فأصهر إلى آل الخطاب، واختار - ليلى - أم عاصم بنت عاصم بن عمر، ومن يصهر إلى آل الخطاب، فإنه لا يتقرب منهم لمكانتهم، قال الخطاب لم يسعوا لمجد مؤثل عريض، بل اتجهت الأسرة العمرية إلى العلم والزهد، ومن يصهر إليهم فإنما يرجو لأولاده حياة كحياة آل الخطاب، فالولد يتزع نحو أخواله.

ولئن فاتنا - نحن - النسب إلى آل الخطاب، فلا يفوتنا الانتساب لهم في الحديث عنهم ، فقد كانت أم عاصم محسنة كريمة صالحة، ورثت التَّقوى عن أمها وأبيها، كما كانت نقية النفس، طاهرة القلب، مؤمنة بالله على أساس صحيح، لذلك قبض الله لها الجمع الطيب والمال الحلال ليكون مهراً لها، وكان من ثمرة زواجها بعبدالعزيز بن مروان أن ولدت له عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، والتقي الورع.

أم عاصم وتربية عمر:
في المدينة المنورة كان مولد عمر بن عبد العزيز، ومن ينابيع علومها نهل ما يشاء له أن ينهل، وأسسته أمه على التقوى من أول يوم ميز فيه بين الخير والشر، وزرعت في نفسه الحكمة التي صاحبته إلى أن لقي الله عز وجل زاهداً تقياً نقياً.

كما حبيت إليه العلم وزينته في قلبه فنشأ نشأة العلماء في المدينة، والمدينة يوم إذ منارة للعلم والصلاح تزخر بالعلماء والفقهاء والعباد والصالحين، وعكف بإشراف أمه على حفظ كتاب الله عز وجل حتى حفظه في زمن قصير وجيز، ولما يشتد عوده بعد، أو يبلغ مبلغ الرجال.

ولقد كان لتأثير القرآن الكريم في نفسه الصغيرة، أن امتلأ قلبه النقي بخشية الله، وتمسك بأسباب التقى فارتقى، فكانت عيناه تفيضان بالدمع من خشية الله عز وجل فيبكي وينتحب.

وكانت أم عاصم تعجب من ولدها الصغير الورع البكاء، فيحرك في قلبها كوامن الخشية فتبكي هي أيضاً، ذكر ابن عساكر أن عمر بن عبد العزيز بكي، وهو غلام صغير قد جمع القرآن، فأرسلت إليه أمه ما يبكيك؟. قال: لا شيء يا أماه، ذكر الموت، ذكر الموت!. فبكت أمه من ذلك وأشفقت عليه.

ولقد جَنَتْ أم عاصم غراس التقى بابنها في وقت مبكر، وآتت أكلها في شخص ابنها عمر بن عبد العزيز، الذي أثار إعجاب أستاذه وشيخه صالح بن كيسان، الذي قال عن طفولة عمر: ما خبرت أحداً، الله أعظم في صدره من هذا الغلام.

كل هذه الفضائل كانت ثمرة جهد الورعة التقية أم عاصم، فقد كان ذلك في نجابة ابنها في طفولته الغضة النضيرة، والله در القائل: نعم الإله على العباد كثيرة.. وأتمهن نجابة الأولاد.

وقد كانت أم عاصم تحوطه برعايتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، لكنه أفلت منها مرة، ودخل إلى إصطبل الخيل - وهي لا تشعر - فريحته - ضربته - دابة، فشجته في جبينه، وبصرت به أم عاصم عن جنب فأسرعت وضمته إلى صدرها، وجعلت تمسح الدم عن وجهه، ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت أم عاصم عليه وجعلت تعذله وتلومه وتقول: ضيعت ابني ولم تضم إليه خادماً، ولا حاضناً يحفظه من مثل هذا.

وصمت هنيهات إذ طافت بخاطره ذكرى ألقت على ثغره ابتسامة رضى، ورسمت على وجهه علائم سرور، وقال لها: اسكتي يا أم عاصم، فطوباك إن كان - ابنك - أشج بني أمية. وفي رواية: إن تكن أشج بني أمية إنك إذن لسعيد.

ولكن ما الذكرى التي أثارتها هذه الحادثة في نفس عبدالعزيز بن مروان؟ إنها رؤيا سيدنا عمر بن الخطاب العبقري الملهم الذي رأى في نومه ذات ليلة رؤيا نهض من فراشه على إثرها يعجب، ويقول: من هذا الأشج من بني أمية، ومن ولد عمر، يُسمى عمر، يسير بسيرة عمر، ويملأ الأرض عدلاً؟.

وتوفي عمر وظل حلمه هذا يدوي بين أهله وذويه الذين راحوا يتلمسون تلك العلامة في وجوه أبنائهم، إلى أن كانت هذه الحادثة التي توقعها عبدالعزيز بن مروان في ابنه عمر، فلم تخطىء فراسته بذلك، فقد كان عمر بن عبد العزيز هو ذلك الأشج الذي حول شهقات البائسين وحرقتهم إلى بسمات متهللة، تمرح تحت ظلال عدله وبره، وكان مرد تلك التربية الفريدة إلى أمه أم عاصم.

كرمها وبرها:
غادرت أم عاصم المدينة المنورة لاحقة بزوجها عبدالعزيز بن مروان في مصر - إذ كان والياً عليها - وأقامت هناك، حيث عرفت بالجود والكرم، والرحمة والبر بالضعفاء، وقد كان بمصر إنسان به خبل وسذاجة، فكانت أم عاصم قد مرت به، فتعرض لها، فأعطته وأحسنت إليه، وكانت تحسن إليه دائماً كلما مرت به.

وتوفيت أم عاصم عند عبد العزيز بن مروان، فأصهر مرة أخرى آل الخطاب، وتزوج حفصة بنت عاصم أخت أم عاصم، وحملت إليه وهو بمصر.

وخرجت حفصة بنت عاصم ذات يوم فمرت بذاك الرجل الساذج البسي، فلم ترفع إليه رأساً فقال: ليست حفصة من رجال أم عاصم، يريد ليست حفصة من زمرة أم عاصم في كرمها وبرها وجودها، فصارت كلمته مثلاً.
أقرأ أيضا:


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك