• التنوع العمرانى سر حيوية منطقة وسط البلد.. ومشروعات ترميم واجهات القاهرة التاريخية شرارة لجذب الاستثمارات
• تحويل مجمع التحرير إلى فندق عالمى يحتاج إلى دراسة شاملة للبنية التحتية
• التنظيم الحضارى ليس قمعًا للرزق بل ضمانة للجمال والنظام والاستدامة
• مشروع الدراجات الهوائية خطوة فعالة لحل أزمة المرور فى وسط البلد
• هناك ضرورة لإحياء سينمات ومسارح وسط البلد والوصول إلى صيغ تعاقدية مع الملاك
أكدت المعمارية الرائدة أستاذ العمارة والتصميم العمرانى بكلية الهندسة جامعة القاهرة، دليلة الكردانى، أن إغلاق المولات والمتاجر الكبرى فى وسط البلد وتحويلها إلى فنادق مع بناء مولات جديدة خارج المنطقة، إهدار للجهد والمال وفقدان لعنصر حيوى من هوية المنطقة، مضيفة: «التنوع فى الاستعمالات هو أساس الحيوية والأمان والجاذبية، والمتاجر الكبرى جزء أصيل من شخصية وسط البلد التاريخية والمعاصرة».
وقالت فى حوارها مع «الشروق»: إن القطاع الخاص هو الأجدر بتطوير وإحياء المبانى التراثية فى القاهرة، فالتجربة العملية أثبتت تفوقه فى السرعة والإبداع والاستجابة لاحتياجات السوق.
وأشارت إلى أن تطوير مشروع الدراجات الهوائية وربطه بمناطق أخرى داخل وخارج وسط البلد سيكون خطوة فعّالة لحل أزمة المرور والتلوث.
وإلى نص الحوار:
بداية، كيف تحولت من مهندسة شابة فى السبعينيات إلى واحدة من أبرز رواد حفظ التراث العمرانى فى مصر؟
ــ تخرجت فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1979، وسجلت الماجستير مباشرة فى موضوع «المناطق ذات القيمة المتميزة والتغيرات العمرانية التى تطرأ عليها وأسبابها»، واخترت آنذاك مناطق مصر الجديدة والزمالك وجاردن سيتى كدراسات حالة، لأن التغيّرات العمرانية فيها كانت كثيرة، ولم أتناول وسط البلد فى رسالتى لأن التغيرات فى المنطقة لم تكن بالحدة التى نشهدها اليوم.
بعد ذلك ناقشت فى الدكتوراه موضوع «التنمية العمرانية من خلال الثقافة» ودور المؤسسات الثقافية كنموذج للتوافق المجتمعى والعمرانى.
وفى 2006 ترأست لجنة الحفاظ العمرانى فى بورسعيد بالجهاز القومى للتنسيق الحضارى، ثم لجنة الاشتراطات ببورفؤاد، وسجلت مكتبى استشاريًا معتمدًا للترميم بالجهاز، أما انطلاقتى الفعلية فى الترميم فكانت عام 2009 بتكليف من الدكتور فاروق حسنى وصندوق التنمية الثقافية برئاسة محمد أبو سعدة لإعادة ترميم مبنى بلدية دمنهور وتحويله إلى مركز إبداع.
متى بدأت مشروعاتك فى القاهرة الخديوية؟
ــ بدأت علاقتى بالقاهرة الخديوية حين شاركت فى مشروعات بحثية ممولة من الاتحاد الأوروبى حول منطقة وسط القاهرة (ميدان رمسيس والتحرير وعابدين) ودراسة المبانى التى أعادت الدولة والمستثمرون تأهيلها، وكانت منطقة البورصة آنذاك هى المنطقة الوحيدة التى تحولت إلى ممر مشاة، وكان ذلك عام 2002.
كما عملت مع شركة الإسماعيلية للاستثمار والتطوير العقارى فى وضع الاشتراطات والمواصفات الخاصة بترميم واجهات مبانيها فى وسط البلد.
كيف ترين مشروع تطوير القاهرة الخديوية، وما رأيك فى الانتقادات التى وجهت إليه بأنه تجميل شكلى أكثر منه تطوير شامل؟
ــ مشروع تطوير القاهرة الخديوية بدأ بالفعل كمشروع لتجميل الواجهات، وكان يتم طلاء الواجهات فقط دون معالجة جذرية لمشكلات البنية التحتية من توصيلات صحية وكهرباء وتكييفات وخدمات أساسية.
وكنت من الرافضين لهذا النهج السطحى آنذاك، لكن النتيجة رغم كل الانتقادات جاءت مفاجئة وإيجابية؛ فقد كشف الطلاء جمال المبانى التراثية المنسية وأعاد اكتشافها للجميع، فتدفقت بعدها الاستثمارات الجادة بسرعة.
والتجربة أثبتت أن الخطوة الأولى، وإن كانت ناقصة، يمكن أن تكون الشرارة الحقيقية للتحول، واليوم تغيّر الوضع تمامًا: من طلاء الواجهات إلى ترميم عميق وتطوير شامل، وأصبحت الشركات تتسابق لشراء المبانى وإعادتها للحياة.
ما رأيك فى غلق بعض شوارع وسط البلد أمام حركة السيارات؟
ــ التجارب الحالية فى ممر الشواربى ومنطقة البورصة وسراى الأزبكية وشارع الألفى ناجحة جدًا وأعادت للمارة سيادة الفراغ العام، لكن الغلق الكلى لشوارع وسط البلد غير عملى؛ فالمنطقة تجارية وإدارية حيوية، والمحلات تحتاج إلى إمدادات، والزوار يحتاجون وسائل وصول.
كيف يمكن معالجة أزمة المرور وتلوث الهواء فى وسط البلد بشكل جذرى ومستدام؟
ــ لا يمكن حل أزمة المرور والتلوث إلا برؤية شاملة ومتكاملة، فيجب أولاً تدعيم وسائل النقل العام ورفع كفاءتها جذريًا، وتوفير وسائل مواصلات صديقة للبيئة، وزيادة التشجير بصورة مكثفة لامتصاص الملوثات.
وأرى أن تطوير مشروع الدراجات الهوائية وربطه بمناطق أخرى داخل وخارج وسط البلد سيكون خطوة فعّالة للقضاء على أزمة المرور والتلوث، مع تبنى رؤية شاملة تضمن استدامة التطوير.
ما رأيك فى مقترحات تحويل بعض المولات والمتاجر الكبرى مثل مول شملا وعمر أفندى إلى فنادق سياحية؟
ــ لا أرى فى ذلك منطقًا عمرانيًا أو اقتصاديًا، فإغلاق المولات والمتاجر الكبرى متعددة التخصصات وتحويلها إلى فنادق مع بناء مولات جديدة خارج وسط البلد، إهدار للجهد والمال وفقدان لعنصر حيوى من هوية المنطقة.
التنوع فى الاستعمالات هو أساس الحيوية والأمان والجاذبية، والمتاجر الكبرى جزء أصيل من شخصية وسط البلد التاريخية والمعاصرة، وأؤيد بقوة عودتها بنفس الزخم والحجم الذى كانت عليه، مع تطوير يواكب العصر، لأنها تعيد الحياة إلى الشوارع وتكمل نسيج التنوع الذى نحرص عليه.
كيف يمكن استغلال المبانى التراثية فى مربع الوزارات بعد نقل المصالح الحكومية منها؟
ــ يجب تحقيق أعلى درجات التنوع فى الأنشطة داخل هذه المبانى الواسعة؛ فالاستخدام الواحد لم يعد مقبولًا فى مدينة حية، والتنوع هو الضمانة لاستمرار الحركة والأمان على مدار الساعة، فإذا تحولت المنطقة إلى مكاتب فقط أو فنادق فقط أو أى نشاط أحادى، ستتحول ليلاً إلى مدينة أشباح، وهذا غير جائز فى قلب العاصمة.
لذلك يجب أن تكون قرارات تحديد الاستعمالات مرتبطة بالتخطيط العمرانى الشامل، وأن تستند إلى دراسات اجتماعية وثقافية واقتصادية دقيقة، مع وضع اشتراطات عمرانية واضحة كما هو الحال فى وسط البلد، وهذا التنوع المدروس هو ما يعيد الحياة إلى مربع الوزارات.
ما رأيك فى مشروع تحويل مجمع التحرير إلى فندق عالمى؟
ــ من المؤكد أن قرار تحويل مجمع التحرير إلى فندق اعتمد على دراسة جدوى، لكننا لا نريد مشاريع تُعلن بضجيج ثم تتعثر، والتحدى الأكبر ليس فى اختيار الاستخدام، بل فى غياب خطة متكاملة تحدد طبيعة الاستعمالات والمنهج التشغيلى والخدمات المطلوبة ومدى قدرة البنية التحتية على استيعابها.
والفنادق الكبرى تحتاج إلى طاقة كهربائية ضخمة، وشبكات اتصالات فائقة السرعة، وأنظمة صرف وتكييف وأمان متطورة، وخدمات لوجستية يومية هائلة، وحتى الآن لا تزال التفاصيل غير واضحة للكثير من المختصين، لذلك أدعو إلى طرح الدراسات الفنية والهندسية والاقتصادية قبل اتخاذ خطوة لا رجعة فيها.
من الأجدر بإحياء وسط البلد: القطاع الحكومى أم القطاع الخاص؟
ــ التجربة العملية أثبتت تفوق القطاع الخاص فى السرعة والإبداع والاستجابة لاحتياجات السوق، وأنا معجبة بتجربة شركة الإسماعيلية التى اشترت عدة مبانٍ بوسط البلد وبدأت تطوير بعضها تدريجيًا، وأعادت لكل مبنى شخصيته التاريخية مع استعمالات ثقافية وتجارية وسكنية متنوعة.
وهذا النموذج أثبت قدرة القطاع الخاص على خلق جمهور متعلق بالمكان قبل اكتمال التطوير، لذلك أرى أن القطاع الخاص هو الأجدر بتطوير وإحياء وسط البلد.
كيف يمكن إعادة إحياء دور العرض التاريخية المغلقة فى وسط البلد؟
ــ يجب على وزارة الثقافة حصر جميع السينمات والمسارح المغلقة فى وسط البلد، وفتح حوار مع الملاك للوصول إلى صيغ تعاقدية متوازنة تحفظ حقوقهم وتتيح إعادة التشغيل، ويمكن الاستفادة من تجربة سينما زاوية (سابقًا كريم) التى عادت بعد ترميمها لتصبح مركزًا ثقافيًا نابضًا يجذب الشباب بكثافة.
هناك بعض الأكشاك التى تمت إزالتها بدعوى التطوير.. هل تحتاج وسط البلد إلى هذه الاستثمارات الصغيرة؟
ــ يجب تنظيم الأكشاك بصورة دقيقة وحضارية، وتوجد فى المولات العالمية صيغة «pop-ups» المؤقتة، ويمكن تطبيقها هنا: أكشاك صغيرة موحدة الشكل، غير دائمة، تُجدد دوريًا، وتُقنن بتراخيص محددة المدة حتى لا يشعر أحد بامتلاك جزء من الرصيف.
وترك الأمر دون ضوابط يحول الشوارع إلى عشوائية تُشوه البيئة العمرانية، والتنظيم الحضارى ليس قمعًا للرزق، بل ضمانة للجمال والنظام والاستدامة، ويمنح الجميع فرصة عادلة دون احتلال دائم للفراغ العام.
هل كنتِ تفضلين ضم أرض الحزب الوطنى إلى المتحف المصرى بالتحرير؟ وكيف ترين مستقبل المتحف؟
ــ كنت أتمنى - وما زلت - ضم أرض الحزب الوطنى السابق إلى المتحف المصرى بالتحرير ليمتد نحو النيل كما كان فى التصميم الأصلى، ليصبح مجمعًا حضاريًا متكاملاً يضم المتحف وفندقًا للباحثين ومساحات تعليمية وتربية متحفية للأطفال وسينما ومولًا ثقافيًا وأنشطة تجارية راقية، على غرار ما يحدث فى المتحف المصرى الكبير.
ويمكن تمويل توسعة المتحف عبر اكتتاب عام أو مساهمات من البعثات الآثارية الأجنبية، ليصبح مركزًا عالميًا للآثار المصرية، مع قاعات معارض متنقلة ومساحات تعليمية تجذب الأطفال والجمهور، أما فكرة تحويله إلى مركز لدراسة المصريات، فلا تتعارض مع ذلك، لكن لا يجوز تفريغ المتحف من آثاره، ويمكن إضافة أنشطة عصرية دون المساس بهويته.