فقدت مصر والعالم العربي والإسلامي، أمس، واحدا من أبرز رموز فن الخط العربي، برحيل الدكتور مصطفى خضير، الشهير بـ"خضير البورسعيدي"، الذي لم يكن مجرد فنان يمسك بالقلم ليشكل الحروف والكلمات، وإنما صاحب تجربة إبداعية استثنائية استطاع من خلالها تحويل الحرف العربي إلى لوحة فنية نابضة بالحياة، تجمع بين أصالة التراث وجمال التكوين وروح الابتكار.
وبرحيل خضير، تطوي الساحة الثقافية والفنية صفحة أحد أبرز رواد الخط العربي المعاصر، بعدما ترك إرثا فنيا امتد لعقود، تجاوز حدود مصر ليصل إلى العالمين العربي والإسلامي، من خلال أعمال جسدت مكانة الحرف العربي باعتباره عنصرا من عناصر الهوية والثقافة والجمال، وليس مجرد وسيلة للكتابة والتعبير.
واستطاع الراحل أن يصنع لنفسه مدرسة فنية متميزة، اعتمدت على دمج الحروف ومزجها بأسلوب كلاسيكي مبتكر، تتداخل فيه الكلمات بانسيابية وتناسق، لتتحول إلى تشكيلات بصرية تحمل معانيها الفنية والإنسانية، وتمنح المتلقي فرصة لاكتشاف جماليات الحرف العربي من زوايا مختلفة.
وكان خضير ينظر إلى الحرف باعتباره كائنا حيا يحمل شخصية مستقلة، وهو ما عبر عنه في إحدى مقولاته التي تلخص فلسفته الفنية، قائلا: "الحرف عندي ليس خطا على الورق، ولكنه كائن حي وشخصية تحدثني، ونبض الخطاط يوهبه الروح".
هذه الرؤية لم تكن مجرد كلمات يصف بها علاقته بالخط، بل كانت منهجا انعكس على أعماله الفنية، التي جمعت بين الدقة والمهارة والخيال، وجعلت من الحروف العربية مادة تشكيلية قادرة على التعبير عن الأفكار والمشاعر، مع الاحتفاظ بقواعد الخط وأصوله الجمالية.
وارتبط اسم خضير البورسعيدي بأعمال فنية كبرى شكلت محطات بارزة في مسيرته، وفي مقدمتها كتابة القرآن الكريم للتليفزيون المصري من خلال نحو 6 آلاف لوحة، إلى جانب كتابته المصحف الشريف سبع مرات، وهي أعمال تعكس حجم الجهد والدقة والصبر الذي تطلبته مسيرته في خدمة الخط العربي والكتابة القرآنية.
ومن أبرز محطاته أيضا مشاركته في كتابة كسوة الكعبة المشرفة عام 1982 بالمملكة العربية السعودية، وهي تجربة ذات مكانة خاصة في تاريخ الخطاطين، لما تحمله كتابة الكسوة من قيمة دينية وفنية كبيرة، وما تتطلبه من إتقان بالغ في تنفيذ الآيات والزخارف والخطوط.
ولم تقتصر إنجازاته على الأعمال الفنية وحدها، بل حظي بتقدير المؤسسات الثقافية والفنية، حيث حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1984، كما تم تكريمه خلال مهرجان الموسيقى العربية بدار الأوبرا المصرية، تقديرا لمسيرته وإسهاماته في الحفاظ على أحد أعرق الفنون المرتبطة بالحضارة العربية والإسلامية.
كما أصدر كتاب "إبداعات خطية من وحي القرآن الكريم" عام 2009، الذي قدم جانبا من تجربته الفنية ورؤيته لجماليات الخط المستلهمة من النص القرآني، فضلا عن امتلاكه معرضا دائما بمنطقة الجمالية بالقاهرة، يضم مجموعة من أبرز أعماله، وإنشائه أكاديمية للخط العربي بمنطقة باب اللوق بوسط القاهرة، في إطار اهتمامه بنقل خبرته وتعزيز حضور هذا الفن بين الأجيال الجديدة.
رحلة إبداع لم تتوقف عند حدود الحرف
لم يكن خضير البورسعيدي حريصا على الاحتفاظ بفنه لنفسه، بل امتدت تجربته إلى التعليم ونشر ثقافة الخط العربي، من خلال تأسيس أكاديمية متخصصة وإتاحة أعماله للجمهور، بما يعكس إيمانه بأن الحفاظ على هذا الفن لا يتحقق فقط بإنتاج اللوحات، وإنما أيضا بتعليم أصوله وقواعده وتوريث خبراته للأجيال القادمة.
وكانت فلسفته تقوم على أن الخطاط الحقيقي لا يكتفي برسم الحروف بصورة صحيحة، وإنما يمنحها روحا من خلال إحساسه بها وقدرته على توظيفها داخل تكوين فني متكامل، وهو ما ظهر في مدرسته التي جمعت بين التداخل الكلاسيكي للحروف والابتكار في تشكيلاتها، دون التخلي عن الهوية الأصيلة للخط العربي.
وامتدت علاقته ببورسعيد إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية والتراثية، فلم يكن حضوره مقتصرا على المحافل الفنية والثقافية، بل شارك بأفكاره مع أفراد عائلة خضير في تصميم دمية "اللمبي"، التي ارتبطت باحتفالات شم النسيم، وكانت تقام من خلال معرض ومسرح بنطاق حي العرب بوسط مدينة بورسعيد، في صورة تعكس ارتباط الفنان بمدينته وحرصه على المشاركة في مناسباتها الشعبية والتراثية.
وعقب إعلان رحيله، شهدت مراسم وداعه حضور حشد من رموز الوسط الفني والثقافي والأدبي والاجتماعي، إلى جانب ممثلي مؤسسات المجتمع المدني والأهلي بمحافظة بورسعيد، في مشهد عكس حجم التقدير الذي حظي به الراحل، ومكانته لدى أبناء مدينته ومحبيه من مختلف الأوساط.
وسادت حالة من الحزن بين أهالي بورسعيد، الذين نعوا رحيل أحد أبرز رموزها الوطنية والثقافية، مؤكدين أن المدينة فقدت شخصية فنية وإنسانية ارتبط اسمها بتاريخها وهويتها، ونجحت في تمثيل مصر في أحد أهم مجالات الإبداع المرتبطة بالثقافة العربية والإسلامية.
ووصف أيمن جبر، رئيس إحدى الجمعيات الثقافية، الراحل بأنه فنان عالمي وفارس الخط العربي، وأحد الرموز الوطنية بمحافظة بورسعيد، مشيرا إلى أن مسيرته الفنية جعلت اسمه حاضرا بين كبار المبدعين الذين أسهموا في الحفاظ على هذا الفن الأصيل.
وقال الدكتور أحمد أبو المجد، بكلية التربية جامعة بورسعيد، إن الفنان الكبير مصطفى خضير، الشهير بخضير البورسعيدي، يُعد أحد أبرز رموز فن الخط العربي، وصاحب مدرسة فنية متميزة أسهمت في إثراء هذا الفن والحفاظ على هويته وجمالياته.
وأضاف أن رحيله يمثل خسارة كبيرة لبورسعيد ومصر، باعتباره قامة فنية وثقافية تركت بصمة واضحة في وجدان محبي الفن والإبداع، مؤكدا أن عطاءه وإرثه الفني سيظلان شاهدين على مسيرة حافلة بالتميز والإبداع.
من جانبه، نعى طارق حسن، المخرج المسرحي، الراحل، واصفا إياه بالفنان والإنسان النبيل، والبورسعيدي الأصيل الذي حظي بمحبة الملايين، مشيرا إلى أنه رحل بعد صراع طويل مع المرض، تاركا حالة من الحزن بين محبيه وتلاميذه وكل من عرفوه.
أما الإعلامي تامر مبروك، فأكد أن لقاءاته بالراحل خلال الاحتفالات بالمناسبات التاريخية كانت تحمل دائما طابعا خاصا، موضحا أنه كان يحرص على تقبيل رأسه تقديرا لمكانته كرمز من رموز بورسعيد، واحتراما لأستاذيته ووطنيته.
وعبر الأديب محمد خضير عن حزنه الشديد لرحيل أيقونة الخط العربي، مؤكدا أن غيابه يمثل خسارة لأحد أصحاب التجارب الإبداعية التي تركت أثرا في الثقافة والفنون.
كما دعا الشيخ محمد الحديدي الله أن يتغمد الراحل بواسع رحمته، وأن يجعل ما خطته يداه في خدمة اللغة العربية والخط العربي في ميزان حسناته.
وهكذا يغيب خضير البورسعيدي عن المشهد، لكن الحروف التي شكلها واللوحات التي أبدعها ستظل شاهدة على تجربة فنية استثنائية، لم تتعامل مع الخط العربي باعتباره حرفة تقليدية، وإنما قدمته بوصفه فنا قادرا على التجدد والتعبير عن الهوية والجمال؛ فبين صفحات المصحف الشريف، وحروف كسوة الكعبة، واللوحات التي احتضنتها معارضه، والمدرسة التي تركها للأجيال الجديدة، يظل إرثه أكبر من مجرد أعمال فنية، إذ ترك درسا في عشق الحرف واحترام اللغة والإيمان بأن الإبداع الحقيقي لا يرحل برحيل صاحبه، وإنما يبقى حيا بما يتركه من أثر في الوجدان والذاكرة.