«لا سمع ولا طاعة» لعبلة الرويني.. وثيقة إنسانية ومهنية تؤرخ لمسيرة صحفية حافلة - بوابة الشروق
الأربعاء 11 فبراير 2026 8:42 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

«لا سمع ولا طاعة» لعبلة الرويني.. وثيقة إنسانية ومهنية تؤرخ لمسيرة صحفية حافلة

تصوير إسلام صفوت
تصوير إسلام صفوت
شيماء شناوي
نشر في: الأحد 8 فبراير 2026 - 4:00 م | آخر تحديث: الأحد 8 فبراير 2026 - 4:00 م

تعد السيرة المهنية للكاتبة عبلة الرويني، الصادرة حديثًا عن دار الشروق، وثيقة إنسانية ومهنية بالغة الأهمية، لا لأنها تؤرخ لمسيرة صحفية حافلة فحسب، بل لأنها تقدم تجربة فريدة لفهم التوازن بين حرية المثقف ومتطلبات المؤسسات الصحفية.

في هذا الكتاب، تقدم الرويني رؤية مفصلة لمشوار حياة مهنية مليء بالتحديات، ويكشف عن الصراعات التي خاضتها للحفاظ على استقلاليتها وحرية كتابتها. فالسيرة المهنية التي تقدمها عبلة الرويني في ما يقارب 200 صفحة من القطع الكبير ليست مجرد مذكرات تقليدية، بل هى لوحة ترسم "منحنى الكتابة والنشر بين الصعود والهبوط"، وتستعرض "مشوار الحرية الطويل والمعافر" في مواجهة مؤسسات ومناصب وظيفية حاولت تقييد قلمها وكبح جماحه.

● طائر يرفرف لا يرتبط بسياسات أو توجهات تفرضها الإدارات


تبدأ الرويني سيرتها بتوصيف دقيق لمكانتها داخل المؤسسات الصحفية التي عملت بها، فهي تختار "الهامش" بوعي كامل، ليس عجزاً عن بلوغ المركز، بل ترفعاً عن شروطه حيث تقول: "كنتُ دائماً من سكان الهامش في كل المؤسسات الصحفية التي عملت بها.. بعيدة عن مسئولياتها ومسئوليها.. في جريدة "الأخبار" يعتبرونني غير منتمية للمؤسسة ولا للجريدة".

هذا الاغتراب الاختياري هو المنحى الذي سلكته الرويني للحفاظ على استقلاليتها. إنها ترفض فكرة "السمع والطاعة" التي يفرضها التسلسل الهرمي للمؤسسات القومية، مفضلة أن تكون "طائراً يرفرف" لا يرتبط بسياسات أو توجهات تفرضها الإدارات.

وفي الفصل الذي حمل عنوان "مقاربة الشمس"، تستدعي الرويني بطل الأسطورة الإغريقية، إيكاروس الشاب الذي حلق قريباً من الشمس بجناحين من ريش وشمع، فذاب الشمع بفعل الحرارة، لتعبر عن رغبتها الجامحة في الانعتاق، وكانت الكتابة عندها ليست مجرد مهنة، بل هي محاولة للطيران نحو "شمس الحقيقة"، حتى لو ذابت الأجنحة، وهى تعبر عن ذلك بقولها: "رغم أن أشعة الشمس أذابت الأجنحة الشمعية.. فإن «إيكاروس» دخل فضاء الأسطورة برغبته الشديدة في التحليق قرب الشمس.. هي الأجنحة حلم الحرية".

● نافذة يمكن الإطلال منها


وخلال صفحات الكتاب تسرد الرويني معاناتها مع الرقابة حيث تصف العلاقة بين الكاتب والرقيب بأنها علاقة صراع يومي، فيتحول الرقيب من موظف إداري إلى "خصم" لمجرد أن الكاتب يعمل عقله فيما يكتبه ويقدمه للقارئ. وهو المشهد الذي تصفه بدقة قائلة: "المشكلة هي طريقة النظر للاختلاف، للرأي الآخر أو للرأي عمومًا.. أن يكون لك رأي، أن تعمل عقلك، أن تفكر أو تتساءل أو تندهش، معناه أنك شخص مزعج جدًا، شخص مثير للقلق والمشاكل، خصم يتجهمون لرؤيته".

ومن هذا التصور الإقصائي للرأي والاختلاف، تنتقل الرويني إلى تفكيك أدوات الكاتب في المراوغة والالتفاف على الرقابة دون المساس بجوهر الرؤية. وذلك عبر مصطلح "تبريد اللغة"، لضمان النشر، كما تصفه في الكتاب مؤكدة أن ذلك عملية شاقة تتطلب مهارة فائقة في التلاعب بالمفردات: "يجبرني في أحيان كثيرة على تبريد اللغة، تخفيض درجة حدتها وحرارتها وسطوعها، لتمرير الفكرة أو الرؤية وتمرير الكتابة".

● فلسفة الهزيمة والنصر.. "عضم ولادنا"


وتكشف الرويني أنه حين لا تنجح حيلة تبريد اللغة، ولا تجدي المراوغة مع المنع الصريح، تنتقل الرويني من منطقة التحايل اللغوي إلى إعلان المقاومة، فهي لا تتعامل مع المنع باعتباره هزيمة، بل تحوله إلى طاقة كتابة مضاعفة، وإلى فعل مقاومة واعًا قائلة: "حين يحذف أو يمنع مقال، ألملم الأحرف والكلمات لكتابة مقال آخر، هو رد اعتبار لما تم حذفه.. (وعضم ولادنا نلمه نلمه.. نسنه نسنه.. ونعمل منه مدافع وندافع)". في استحضار لأغنية الكابتن غزالي شاعر السمسمية، وهنا يظهر ذكاء المثقف الذي لا يستسلم للمنع، بل يبحث عن "النافذة التي يمكن الإطلال منها"، محتفظاً بـ"المسافة لحريته الصوتية".

● الموسيقى والغناء: سيرة وعي يتشكل


في الفصل الذي حمل عنوان "صباحات النشيد"، ترصد عبلة الرويني، البذور الأولى للهوية الصحفية والنقدية لها، فهى لا تؤرخ لمجرد ذكريات، بل لعملية "بناء وجداني" حيث كانت الموسيقى والقراءة والتمرد العفوي أعمدتها الأساسية، فتكشف عن دور الفن المبكر في صياغة ذائقتها، فالموسيقى لم تكن حصة مدرسية، بل ركنًا أساسيًا في تشكيل وعيها وشخصيته قائلة: "كانت الموسيقى والغناء تداخلاً يظل أساسياً من تكوين وعيي وشخصيتي، بالغ التأثير في ذائقتي ومفردات حياتي اليومية"، وربما هذا التكوين الجمالي هو ما جعل لغتها الصحفية أقرب إلى العزف باختيار لغة أدبية لا مجرد كلمات جافة.

في الفصل ذاته تلقي الرويني الضوء على أهمية القراءة كنمط حياة وسلوك يومي للإنسان، إذ تروي كيف كانت القراءة مساحة للمنافسة والمباهاة بين أطفال الجيران، وكيف كانت تلتهم أعمال توفيق الحكيم وطه حسين.

وتقول عن تلك المرحلة: بدأت قراءة مؤلفات توفيق الحكيم: "يوميات نائب في الأرياف"، "عصفور من الشرق"، "أهل الكهف"، "المسرح المنوع"، "بنك القلق"، ونلت إعجابًا وغيري البعض من أطفال الجيران على قراءة رواية "عودة الروح" كاملة، لم يكن ذلك بسبب أهمية الرواية، لا أحد منا كان يعرفها أو كان يدرك أهميتها.. كانت الغيرة والإعجاب بسبب ضخامة حجم الرواية وعدد صفحاتها الكثيرة، وكان ذلك بمعايير المنافسة الطفولية الحامية شطارة وتفوقًا وامتيازًا! مساحة استعراضية، يشعلها التنافس والمزاحمة، لكنها بالتأكيد أسست العلاقة بالقراءة كنمط حياة وسلوك يومي. إن استدعاءها لشخصيات مثل "هنادي" في دعاء الكروان، والبحث عن "كروان طه حسين"، يعكس كيف تحولت القراءة عندها من مجرد هواية إلى "عدسة" ترى من خلالها الواقع وتنتقد تقاليده.

● محطات على رقعة صاحبة الجلالة


تروي الرويني خلال صفحات كتاب "لا سمع ولا طاعة حكاية مشوار طويل من العمل في بلاط صاحبة الجلالة" تنقلت خلالها للكتابة بين الصحف المصرية والعربية منها: "الأهالي"، "السفير"، "الحياة اللندنية"، و"الأخبار". وبالرغم من أختلاف هذه المشارب الفكرية ظلت "هي" نفسها، لم تذب في أي كيان قائلة: "كنت فقط أشبه نفسي، أكتب ما أريد، لا ما يريده الآخرون، أختار موضوعاتي، أختار ما أكتبه دون وصاية ودون تكليف".

هذه القدرة على الحفاظ على "نبرة الصوت" وسط ضجيج التوجهات المختلفة هي ما منح سيرة الرويني قيمتها الاستثنائية. فهي لم تكن "ترساً" في آلة، بل "ذاتاً" حرة ترفرف فوق المؤسسات، وكأنها تقول إن الكاتب الحقيقي هو من يبقى "خارج المتن" بوعيه، ليتمكن من رؤية الصورة كاملة والشهادة عليها بصدق.

● "نهار" لعشرين عاماً.. رحلة طائر بين الضوء والظل"


تمثل صحيفة "أخبار الأدب" في حياة عبلة الرويني الاستثناء الوحيد لقواعدها في البقاء على الهامش، فهي التجربة التي خرجت فيها إلى المتن لممارسة حريتها الكاملة. لم تكن هذه المحطة مجرد تجربة مهنية، بل مختبراً لصياغة مشروعها الثقافي الخاص. امتد عمودها اليومي "نهار" لعشرين عاماً، كطائر حر يرفرف خارج حدود النقد التقليدي، يشتبك بوضوح مع الواقع وقضايا المجتمع والسياسة، معتمداً على "المشاغبة الفكرية" لإثارة التساؤلات والدهشة، وبأسلوب يتسم بالسطوع والحدة، رافضاً منطق "التبريد" المعتاد في الصحف القومية.

وواجهت الرويني ضغوطاً هائلة لتطويع قلمها، لكنها ابتكرت تقنيات ذكية للحفاظ على جوهر كتابتها، منها "تهريب المعاني" عبر لغة اصطلاحية ونخبوية تلتف على رقابة حارس البوابة، و"رفض الوصاية" باختيار موضوعاتها دون تكليف إداري، وصولاً إلى "المواجهة الجهرية" التي آمنت من خلالها أن أصحاب الحق لا يتسللون في الخفاء، فتمسكت بكلماتها كفعل رد اعتبار. وقد ساندتها بيئة ثقافية آمنت بخصوصية صوتها، على رأسهم الكاتب جمال الغيطاني، الذي وفر لها مساحة الحرية منذ البداية، ونبيل عبد الفتاح، الذي استلهمت منه مناورات الالتفاف على الرقابة.

شكلت فترة رئاسة تحرير عبلة الرويني لأخبار الأدب "2011-2012" سنوات التوهج والحضور الأخير، حيث سعت لجعل الجريدة فضاءً حراً ومتنفساً للمبدعين للكتابة دون رقابة. لكن الرحيل كان حتمياً حين بدأ مناخ "الشد والجذب" يميل نحو فرض سياسات إقصائية. جاء الصدام النهائي بسبب إصرارها على نشر مادة صحفية عن رواية الفلسطيني يحيى السنوار "الشوك والقرنفل"، وهو ما رفضته إدارة المؤسسة، فاختارت الرويني الاستقالة والعودة إلى الهامش.

وتروي الرويني ذلك، قائلة: "كان عمودي اليومي (نهار) على امتداد عشرين عاماً، يمد البصر لأبعد من حدود المسرح والفن والثقافة، إلى قضايا سياسية واجتماعية، ويشتبك بوضوح وحدة مع الواقع ومشكلاته. لحظة فاض فيها الكيل تمامًا، لا طاقة على الصراخ، ولا طاقة لي على الصمت، والبقاء وسط كل هذه الوجوه المرتعدة في غرفة واحدة ملوثة الهواء، لحظة كان لا بد أن أنجو فيها بنفسي، لحظة أدركها بعمق "ديستوفيسكي": "بعد أن سرقوا كل شيء تقريبًا، قمت بإعطائهم الباقي من تلقاء نفسي". هكذا توقفت عن الكتابة، وغادرت الأخبار للمرة الأخيرة، نوفمبر 2024، دون ضجيج ولا ندم.

● فنجان مع الجورنالجي "هيكل"


تصف عبلة الرويني دهشتها المختلطة بالفرح حين اتصل بها مكتب محمد حسنين هيكل لتحديد موعد للقاء، وهو اتصال لم يكن يخطر ببالها أبداً. وتؤكد الكاتبة بوضوح أنها رغم كونها من "محبي" هيكل، إلا أنها ليست من "مريديه"، حيث استعانت بسطور محمود درويش لسميح القاسم: "لا شيء يثبت أني أحبك.. غير الكتابة" لتوضيح موقفها المتوازن منه. وقد تجلى هذا الموقف في مغامرتها المهنية حين قامت بكتابة تفاصيل اللقاء ونشره في "أخبار الأدب" دون استئذان هيكل أو مراجعته في أي عبارة، وهو ما اعتبرته تجاوزاً قد يغضبه، خاصة مع معرفتها بحرصه الشديد و"وسوسته" في مراجعة كل كلمة تخرج عنه.

● شهادة حية على غياب الرؤية والعجز عن الإجابة


أهم ما يميز كتاب "لا سمع ولا طاعة"، تقديمه شهادة حية واستثنائية على واحدة من أصعب الفترات التي مر بها المشهد الثقافي والسياسي في مصر الحديثة، وهي فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، حيث تضعنا الكاتبة في قلب المواجهة منذ لحظاتها الأولى، وتحديداً منذ اللقاء الأول الذي جمعها بالرئيس الأسبق محمد مرسي. في وصفها الدقيق لشخصية الرئيس، فهى لم تكتفِ بالرصد السياسي، بل غاصت في تحليل الحضور والهيبة، حيث تقول في وصفه: "بدا مرتبكاً، لا ثقة، لا هيبة، لا حضور! غير مدرب بالتأكيد، وغير مطمئن، لم يُجب عن الكثير من الأسئلة، ليس بالضرورة من باب الحرص وحسابات السياسة، في الأغلب لغياب الرؤية والعجز عن الإجابة".

هذا الوصف يختزل مأزق الجماعة التي انتقلت من العمل السري إلى الاستحواذ على الحكم دون امتلاك عقل سياسي ناضج، وهو ما تجلى في عجز الرئيس عن الإجابة على أسئلة جوهرية تخص المرأة، الأقباط، والمجتمع المدني.

تنتقل الرويني بعد ذلك لرصد الصدام الثقافي، معتبرة أن الخلاف مع الإخوان لم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي، بل كان خلافاً فكرياً واجتماعياً عميقاً حول مفهوم الهوية. وترى أن الجماعة أظهرت عداءً لكل ما هو جمالي ورمزي، مستشهدة بوقائع تغطية التماثيل ومطاردة الخيال، واصفة إياهم بأنهم جماعة "تخشى الثقافة، ترتعد من ذكرها، وترتعد من حضورها، فتتحسس خناجرها". وفي خضم هذا التضييق، تروي الكاتبة معركتها الشخصية والمهنية داخل مؤسسة "أخبار اليوم"، وكيف تحولت المساحات الصحفية إلى ساحات محاصرة بالرقابة و"الأخونة"، وصولاً إلى قرار استبعادها من رئاسة تحرير "أخبار الأدب".

● التمرد ضد "السمع والطاعة"

تختتم الرويني هذه الرؤية بالتأكيد على أن "لا كتابة دون حرية"، موضحة أن المشوار الذي امتد لـ 45 عاماً كان درساً في رفض الامتثال.

يذكر أن سيرة عبلة الرويني هي سيرة المسافة التي خلقتها بينها وبين السلطة، والمسافة التي حافظت عليها بين صوتها الخاص وضجيج المؤسسة. إنها تؤكد أن "الحرية ليست فقط أن نطير بعيداً.. لكنها مسار الرحلة.. كم مرة ذابت الأجنحة وتهاوى الطائر، وكم مرة عاود التحليق من جديد والطيران".



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك