في ذكرى ميلاده.. غسان كنفاني صوت أدب المقاومة والشاهد على تشكل الوعي الفلسطيني الذي اغتالته إسرائيل - بوابة الشروق
الأحد 10 مايو 2026 3:17 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

في ذكرى ميلاده.. غسان كنفاني صوت أدب المقاومة والشاهد على تشكل الوعي الفلسطيني الذي اغتالته إسرائيل

منى غنيم
نشر في: الخميس 9 أبريل 2026 - 12:34 م | آخر تحديث: الخميس 9 أبريل 2026 - 12:34 م

في التاسع من أبريل، تحل ذكرى ميلاد الروائي والقاص والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني، أحد أبرز الأصوات الأدبية العربية حضورًا وتأثيرًا في القرن العشرين؛ إذ لم يكن مجرد كاتب يروي حكايات اللجوء الفلسطيني، بل مثقفًا منخرطًا في قضايا شعبه، وشاهدًا حيًا على تشكّل الوعي الفلسطيني الحديث، حيث امتزج في كتاباته البعد الإنساني بالسياسي، ليصوغ أدبًا مقاومًا ما زال حضوره ممتدًا حتى اليوم.

ووُلد كنفاني عام 1936 في عكا، وعاش طفولته في ظل التحولات العاصفة التي انتهت بنكبة 1948، مما جعله يعايش مبكرًا معاني الابتعاد عن الجذور والمنفى، وهي التجربة التي ستتحول لاحقًا إلى العمود الفقري لأدبه كله، وانتقل مع أسرته إلى دمشق، حيث بدأ مسيرته التعليمية والعملية، وعمل مدرسًا قبل أن يتجه إلى الصحافة، ليصبح لاحقًا أحد أبرز الصحفيين والمثقفين العرب المرتبطين بالقضية الفلسطينية.

ولم تكن تجربة "كنفاني" الأدبية منفصلة عن انخراطه السياسي، إذ انضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتولى فيها دورًا إعلاميًا وثقافيًا بارزًا، ما جعله في قلب المواجهة مع الاحتلال، ومنح هذا التداخل بين الأدب والسياسة كتاباته طابعًا خاصًا، حيث تحولت نصوصه إلى مساحة لطرح الأسئلة الكبرى حول الهوية والعودة والعدالة، بعيدًا عن الشعارات المباشرة، وبأسلوب فني مكثف وعميق.

ويعد "كنفاني" من أبرز من أسّسوا لما عُرف بـ"أدب المقاومة"، حيث قدّم أعمالًا روائية وقصصية شكّلت علامات فارقة في الأدب العربي. وفي روايته «رجال في الشمس»، قدّم واحدة من أكثر النهايات صدمة في السرد العربي، كاشفًا عن مأساة الفلسطينيين الذين يموتون صامتين داخل خزان مغلق، في استعارة قاسية عن العجز والصمت العربي. أما «عائد إلى حيفا»، فتُعد من أهم أعماله الفكرية والإنسانية، حيث يناقش من خلالها فكرة العودة ليس بوصفها مجرد استرجاع مكان، بل كصدام مع الذات والذاكرة والاختيارات الماضية. وفي «أم سعد»، قدّم نموذجًا إنسانيًا للمرأة الفلسطينية المكافحة داخل المخيمات، بعيدًا عن التنميط، في صورة تمزج بين الصلابة والبساطة.

وفي مجال القصة القصيرة، برز "كنفاني" كواحد من أمهر كتّاب هذا الفن، حيث جاءت مجموعاته مثل «أرض البرتقال الحزين» و«عالم ليس لنا» محمّلة بكثافة شعورية عالية، وقدرة لافتة على اختزال الألم الإنساني في مشاهد بسيطة لكنها مؤثرة. ولم يكن السرد لديه مجرد حكاية، بل كان بناءً دلاليًا يعكس واقعًا كاملًا من الفقد والحنين والبعد عن الوطن.

كما ترك "كنفاني" بصمة واضحة في النقد الأدبي، من خلال دراسته «الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال»، التي تُعد من أوائل المحاولات المنهجية لرصد وتحليل الأدب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، مسلطًا الضوء على دوره كأداة مقاومة ثقافية، وقد عكس هذا الجانب النقدي وعيه العميق بدور الأدب، ليس فقط كفن، بل كوسيلة لتشكيل الوعي الجماعي.

وانتهت حياة "كنفاني" بشكل مأساوي في عام 1972، عندما اغتيل في بيروت بتفجير سيارته في عملية نُسبت إلى الموساد، ليرحل وهو في السادسة والثلاثين من عمره، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا وفكريًا ضخمًا يفوق عمره القصير، غير أن هذا الرحيل لم يُنه حضوره، بل زاده رسوخًا، حيث تحوّل إلى رمز للمثقف المنخرط في قضايا شعبه، والذي يدفع ثمن كلمته وموقفه.

واليوم، وبعد عقود على رحيله، لا تزال أعمال غسان كنفاني تُقرأ بوصفها نصوصًا حية، تتجاوز حدود الزمن والمكان، وتُترجم إلى لغات عدة، وتُدرّس في الجامعات، وتُلهم أجيالًا جديدة من الكتّاب والقراء؛ فلقد نجح في أن يجعل من الأدب مساحة لمقاومة النسيان، وأن يحوّل الحكاية الفلسطينية من مجرد مأساة محلية إلى قضية إنسانية عالمية، وهو ما يفسر استمرار تأثيره العميق في الثقافة العربية والعالمية حتى اليوم.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك