على مدار رمضان الماضي والذي قبله عُرض مسلسل النص بجزأيه، الأول بعنوان "النص"، والثاني بعنوان "النص التاني"، وحظي المسلسل بنجاح ملحوظ، ومشاهدات مرتفعة.
الجزآن لعب بطولتهما النجم أحمد أمين في دور عبد العزيز النص، مع مجموعة من النجوم الآخرين مثل أسماء أبو زيد، وصدقي صخر، وحمزة العيلي، وغيرهم، وسيناريو وحوار شريف عبد الفتاح وعبد الرحمن جاويش ووجيه صبري، ومن إخراج حسام علي.
العمل مأخوذ عن كتاب "مذكرات نشال للمعلم عبد العزيز النص" للكاتب والباحث أيمن عثمان، الصادر عن دار دون عام 2023.
لو تركنا الدراما، وعدنا إلى الكتاب الأصلي، سنجده تحقيقا بقلم أيمن عثمان لمذكرات المعلم عبد العزيز النص، وهو أحد النشالين في عشرينيات القرن الماضي.
تأتي هذه المذكرات على غرار "مذكرات فتوة" للمعلم يوسف أبو حجاج، الذي يقول النص نفسه في مقدمته لمذكراته الخاصة إنه قرأها وأعجب بها، وبسببها أتته فكرة كتابة مذكراته هو الآخر.
في هذه الفترة من عمر مصر، وكما يقول أيمن عثمان في مقدمته، شاعت فكرة المذكرات التي يكتبها صاحب مهنة من المهن التي يمكننا القول إنها عجيبة بعض الشيء، مثل الفتوة والبغي وغيرها، وما مذكرات النشال إلا ابنة هذه الحقبة.
وتلك المذكرات كانت تملى على أحد الصحفيين أو الناشرين، والكاتب والناشر الذي تصدى لمذكرات الفتوة، وقصده النص لكتابة مذكراته، هو حسني يوسف.
في مقدمته يتحدث عثمان عن قصته مع المذكرات، وكيف وقعت في يديه لأول مرة، ويحلل إمكانية كون عبد العزيز النص مجرد شخصية من خيال حسني يوسف نفسه، وذلك لأنه كان يعتبرها قصته الخاصة، مثلما كتب في إهدائه نسخة إلى الأديب الكبير توفيق الحكيم.
تخرج المذكرات على هيئة يوميات مسلسلة تتناول الحياة اليومية للمعلم عبد العزيز النص، وقصصه في النشل، وطرق وكيفيات القيام بعمله، والمصاعب والتحديات التي تواجهه في مهنته تلك.
وتتميز اليوميات بخفة الظل والرشاقة في الحكي، حيث بها من الطرافة الكثير، لما لمغامرات النص من عجائب، ولما قابله في حياة النشل، مع حكي مشهدي يجعلنا نلمس ما يتحدث عنه.
نرى في الفصول المتلاحقة الكثير من عملياته التي قام بها، سواء تلك التي لم تصب الغلة المرجوة منها في البداية، مرورا بالعمليات الكبرى التي ينجح فيها في النهاية.
كما أننا نتتبع رحلته منذ تعلم الصنعة، ثم زواجه وتوبته، ثم كيف عاد إلى النشل، ولقائه مع زقزوق ابن معلمه، ومشاكساته مع رسمية محترفة الخداع والنصب، وصولا إلى توبته الأخيرة، ومصيره عندما بدأ في حكي مذكراته.
إن "مذكرات نشال" ليست مجرد يوميات للص، لكنها بشكل ما تؤرخ لهذه الحقبة من عمر مصر، وترينا أحوال المجتمع المصري، وكيف كان يحيا المصريون في بداية القرن العشرين.
لكن المذكرات لا تؤرخ للدولة المصرية، إنما تأخذ من الهامش ما يغذيها، فهي تترك المركز وتذهب إلى هذه الفئة المهمشة، أو ما يشبه الحرافيش، لكي تنقل لنا صورة هذه الطبقة، وكيف عاشت في ظل المجتمع المتأثر بتبعات الحرب العالمية الأولى التي أثرت بشكل كبير على المجتمع المصري والمصريين.
ترينا المذكرات مشاهد يومية من الواقع المصري، ربما لا نعلم عنها شيئا الآن، وتنقل لنا عادات وملابس ومهنا تجاوزها الزمن.
يظهر المعلم عبد العزيز النص كشخصية مركبة، فهو صعلوك ونشال يسرق الكحل من العين كما يقولون، لكنه مع ذلك ليس شريرا، بل هو مزيج من الكثير من المتناقضات، ويقف في منتصف الكثير من الطرق.
رغم كونه لصا، لكنه يتمسك ببعض المبادئ، ويتوب ويعود للنشل في كثير من المرات؛ حتى يستقر به الأمر على توبة نهائية، ليتركنا في حيرة من أمرنا حيال الحكم عليه: هل هو رجل خارج على القانون، أم أن الظروف هي ما دفعته للنشل؟
أهم ما يميز تلك المذكرات هو أنها تنقل لنا العامية المصرية المستخدمة في وقتها، وبها الكثير من الكلمات التي اندثرت مع مرور الوقت، وقد أفرد أيمن عثمان ملحقا لكل الكلمات الواردة في نهاية الكتاب، وهذا يعد بمثابة كنز لتتبع العامية المصرية عبر العصور.
في نهاية الكتاب أيضا ملحق صحفي يلي مباشرة مذكرات النص، وهو يتناول الكثير من الحكايات عن النشالين ومهنة النشل.
وهذا ما يؤكد أن عبد العزيز النص ما كان إلا ابنا لحقبة اشتهر فيها النشالون، ومجتمع زاد فيه الحرافيش نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، وفي ظل احتلال يسرق خيرات البلاد.
هكذا تتحول "مذكرات نشال" من مجرد يوميات إلى صورة بانورامية عن مجتمع مأزوم، وطبقة مخنوقة مهمشة، ولكنها مع ذلك تركت بصمة في التاريخ المصري، وأصبح ما كتبته يعد وثيقة تأريخية عنها وعن مجتمعها.