في قلب الأحداث (3) نبيل فهمي يروي: نهر النيل وسد النهضة.. الأمن القومى بين شاطئين - بوابة الشروق
الخميس 27 يناير 2022 2:04 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


في قلب الأحداث (3) نبيل فهمي يروي: نهر النيل وسد النهضة.. الأمن القومى بين شاطئين

- عرض - أشرف البربري:
نشر في: الخميس 13 يناير 2022 - 8:40 م | آخر تحديث: الخميس 13 يناير 2022 - 8:40 م
الحساسيات التاريخية وغياب الفكر التعاونى أهدرتا فرص الوصول إلى حلول مقبولة لأزمة السد
شعرت بالخجل من مؤتمر الرئيس الراحل مرسى.. واعتذرت بصفتى مواطن لعدد من الأصدقاء الأفارقة
سعيت لمنع أى دعم دولى لمشروعات المياه فى إثيوبيا والسودان دون الوصول إلى توافق مع مصر
وزير خارجية إثيوبيا شكا للرئيس السيسى من تحركاتى لمنع تمويل مشروع السد
الجانب الإثيوبى المستفيد الوحيد من توقيع إعلان مبادئ فى مارس 2015
ذكريات فترة التحرر الوطنى مازالت توفر أساسا قويا لإقامة علاقات جيدة بين القاهرة والعواصم الأفريقية

شهدت العقود الأربعة التي أمضاها نبيل فهمي، وزير الخارجية السابق، في الدبلوماسية المصرية، الكثير من الأحداث والتطورات المهمة التي كان إما شاهدا عليها من قريب أو مشاركا فيها، بدءا من مفاوضات ومعاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 وحتى المرحلة الانتقالية عقب ثورة 30 يونيو 2013.
ويستعرض كتاب «في قلب الأحداث .. الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير» ، الذي تصدره دارالشروق، قريبا، هذه الرحلة، وأبرز محطاتها بدءا من التحاقه بالعمل مع أشرف مروان مدير مكتب الاتصالات في رئاسة الجمهورية عام 1974 ، وحتى توليه منصب وزير الخارجية في حكومة ثورة 30 يونيو 2013 ، مرورا بالعمل كمستشار سياسي لوزير الخارجية عمرو موسى من 1991 حتى 1997 ليكون شاهدا ومشاركا في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وسفير مصر لدى أمريكا من 1999 إلى 2008 فكان شاهدا من قريب على تحقيقات مأساة سقوط الطائرة المصرية أمام السواحل الأمريكية عام 1999 ، وهجمات 11 سبتمبر 2001 ، ومتابعا للتعامل الأمريكي مع ملف التوريث وخلافة مبارك.
فيما يلي الحلقة الثالثة من العرض الذي تقدمه "الشروق" للكتاب قبل صدوره:

كان التعاون مع دول حوض النيل بشأن تقاسم مياه النهر على رأس أولويات السياسة الخارجية لمصر خلال العام الذى قضيته وزيرا للخارجية، وكانت علاقات مصر مع دول حوض النيل لها أولوية كبرى، وأعطى الرئيس المؤقت عدلى منصور وفريق الأمن القومى المصرى اهتماما كبيرا لزيادة التركيز على الشئون الإقليمية.
فعلى مدى قرون كانت مصر تعيش على نحو 4% فقط من مساحتها الشاسعة على ضفاف وادى ودلتا نهر النيل «مصر هبة النيل» خاصة وأن النهر هو مصدر حوالى 97% من احتياجات مصر من المياه، لذلك وقعت مصر العديد من الاتفاقيات الدولية التى تنظم حقوقها فى مياه النيل مثل اتفاقيتى 1929 و1959.
وبمرور السنوات، استقلت الدول الأفريقية عن الاحتلال الأوروبى، وشهدت تغييرات ديموجرافية كبيرة، مع تزايد عدد السكان وارتفاع الأصوات المطالبة بتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو ما يعنى تزايد الحاجة إلى المياه. خلقت هذه التغيرات تحديات صعبة، بشأن كيفية المواءمة بين احتياجات دول منابع النيل التنموية واحترام حقوق مصر التاريخية واحتياجاتها الوجودية لمياه النيل.
لذلك أصبح تفكير دول حوض النيل فى إقامة مشروعات مياه على النهر دون التشاور مع دول الحوض الأخرى مشكلة متكررة. وكانت المشكلة الكبرى هى إثيوبيا التى ينبع منها النيل الأزرق الذى يمثل مصدرا لنحو 80% من مياه نهر النيل، وأدت الحساسيات التاريخية وغياب الفكر التعاونى الاستراتيجى عن دول حوض النيل إلى إهدار فرص عديدة للوصول إلى حلول تحترم الحقوق التاريخية لدول المصب والاحتياجات التنموية لدول المنبع.
وفى مايو 2010 أعلنت إثيوبيا اعتزامها بناء «سد النهضة الإثيوبى الكبير» على النيل الأزرق بطاقة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب وبارتفاع يبلغ 155 مترا وطول يبلغ حوالى كيلومترين. وهذه السعة التخزينية خمسة أمثال السعة الأصلية التى أعلنتها إثيوبيا عند الكشف عن مشروع السد لأول مرة قبل عشر سنوات، ويمثل هذا المشروع مشكلة كبيرة وبخاصة بالنسبة لمصر التى تعانى بالفعل من الندرة المائية، وليس لديها مصادر كبرى أخرى للمياه.
كان اهتمام الرئيس مبارك قد تراجع بشدة بأفريقيا فى سنوات حكمه الأخيرة. كما أن الأوضاع التى مرت بها البلاد بعد ثورة 25 يناير 2011 أدت إلى تشتيت الانتباه عن هذا الملف، وتدهورت الأوضاع بصورة أشد فى عام 2012 عندما عقد الرئيس السابق محمد مرسى مؤتمرا بمشاركة العديد من الأطياف السياسية فى البلاد لمناقشة أزمة السد الإثيوبى، كان مذاعا على الهواء مباشرة، وتحدث بعض المشاركين بطريقة عنصرية كارثية، عن إثيوبيا، مثل اقتراح قصفها بالطائرات أو إثارة الفوضى فيها أو حتى الحديث بطريقة عنصرية عن الشعب الإثيوبى. وأثار هذا الاجتماع بالفعل غضبا قويا فى إثيوبيا وباقى دول شرق أفريقيا، وقد شعرت بخجل شديد من هذه الإساءات واعتذرت بصفتى مواطن مصرى لعدد من الأصدقاء الأفارقة رغم أنى لم أكن فى الحكومة أو مشاركا فى المؤتمر.
فى ذلك الوقت أمر وزير الخارجية محمد كامل عمرو السفارات المصرية فى مختلف دول أفريقيا بإطلاق حملة علاقات عامة وإجراء اتصالات مكثفة لاحتواء الموقف. كما أرسل مبعوثين شخصيين إلى دول شرق أفريقيا بشكل خاص وحاول التوصل إلى اتفاق ثلاثى بين مصر وإثيوبيا والسودان بعد سلسلة من الاجتماعات الفنية والسياسية، لكن لم يتم التوصل إلى شىء. فلم تكن إثيوبيا تثق فى مصر، وفى الوقت نفسه ترى أن لديها فرصة قوية للمضى قدما فى تنفيذ مشروعها القومى الطموح دون خوف شديد من رد الفعل المصرى غير المدعوم أفريقيا والمشتت داخليا.
وكانت الاحتياجات الاستراتيجية لمصر من المياه وتداعيات استمرار بناء السد الإثيوبى موضوعا لعدد كبير من اجتماعات الأمن القومى المصرى على المستويات الفنية والسياسية بمجرد تشكيل الحكومة المصرية الجديدة بعد الإطاحة بحكومة الإخوان فى يوليو 2013. وفى حين كانت مصر تحتاج إلى إعادة النظر فى سياساتها المائية لوقف إهدار المياه، فإنه لم يكن هناك أى شك فى أنها ستظل تعتمد بشكل كبير على نهر النيل، ولذلك فإن أى نقص أو اضطراب فى تدفق مياه النهر، حتى لو بشكل مؤقت، سيلحق بمصر أضرارا فادحة. كما كانت هناك مخاوف فنية وبيئية تتعلق بتصميم السد والذى قد يؤثر على جودة المياه وخصائص الطمى فى النهر.
وبالتدريج أصبحت قضية السد، محل اهتمام شعبى متزايد لدى المصريين، مما زاد من حساسيتها السياسية. وكان التوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا والسودان بشأن كل عناصر مشروع سد النهضة، سواء بالنسبة لحجم السد أو طاقته التخزينية أو تأثيراته البيئية أو اعتبارات الأمان والسلامة الإنشائية أو مدة التخزين، أولوية قصوى تحتاج إلى التفكير فيها بشكل فورى.
وكنت أثير موضوع سد النهضة فى أغلب لقاءاتى مع نظيرى السودانى على كيرتى الذى كان يحاول تهدئة مخاوفى ويقول إن السودان سيحاول تضييق الفجوة بين مصر وإثيوبيا، وقال كيرتى «لا أتوقع أبدا أن يختار السودان حدوث أزمة بين مصر وأى دولة أخرى»، فقلت إنها لم تكن مصادفة أننى اخترت الخرطوم لتكون أول وجهة خارجية لى بعد تولى الوزارة.
ورغم ذلك أدركت أن السودان يميل إلى إثيوبيا بدرجة كبيرة، فيما يتعلق بمشروع سد النهضة، ورغم أن السودان لا يعانى كثيرا من نقص المياه، فإنه يواجه مشكلات متكررة من الفيضانات. لذلك فبناء سد النهضة لن يؤثر على السودان، بل إنه سيحل مشكلة الفيضانات لديه، وهذا فى تقديرى هو سبب الموقف السودانى تجاه المشروع، وهو الموقف الذى كان قد بدأ قبل ذلك بسنوات واستمر خلال حكم جماعة الإخوان المسلمين فى مصر، رغم وجود التيار الإسلامى أيضا فى حكم السودان.
المشكلة وحلولها كانت ثلاثية، مصر تريد المزيد من المياه، والسودان يحتاج إلى المزيد من السيطرة على تدفق المياه وإثيوبيا تحتاج إلى المزيد من التنمية. ولم تكن الأطراف الثلاثة مستعدة لتحمل استمرار الأوضاع الاقتصادية والمائية والتنموية القائمة، والتى كانت منعدمة الكفاءة وتنطوى على عمليات هدر واسعة، ولم يكن إصلاح أخطاء الماضى كافيا. ففى هذا السياق واجهنا موقفا إما يؤدى إلى تحقيق المصلحة للجميع، أو إلحاق الضرر بالجميع، والذى لن يتوقف على الجانبين فقط، وإنما يحتاج إلى مفاوضات فورية وشاقة وتفصيلية والوصول إلى اتفاق جماعى. فى الوقت نفسه فإن الخطابات التهديدية الحماسية من أى طرف تجاه الأطراف الأخرى أو المبالغة فى تقدير احتياجات أى طرف لن يحقق الغرض المنشود، كما أن خلق انطباعات كاذبة بشأن الاتفاقيات أو تحقيق تقدم مهم لم يتحقق هو خطأ كبير أيضا، فمثل هذه التحركات الخطأ ستضعف مواقف المعتدلين فى مواجهة المتشددين لدى الأطراف الثلاثة، ورغم أنه من الصعب دائما محاولة تحقيق نجاح ثلاثى، فإن هذه هى الطريقة الصحيحة للتعامل مع مفاوضات سد النهضة الثلاثية.
وقد كررت الإشارة إلى هذه النقاط خلال مناقشاتى العديدة مع نظيرى الإثيوبى تيدروس أدهانوم ومع على كيرتى. وقد أوضحت لهم أن مصر على عكس السودان وإثيوبيا ليس لديها أى مصدر آخر كبير للمياه غير النيل، لذلك فمياه النيل هى قضية أمن قومى بالنسبة لنا، ولا توجد لدينا مساحة كبيرة للحركة عند التعامل معها. وأوضحت أننا نحتاج إلى ما هو أكثر من حقوقنا التاريخية فى مياه النيل، تماما كما تحتاج إثيوييا إلى المزيد من التنمية والسودان إلى المزيد من السيطرة على تدفق المياه، وأكدت حرص مصر على الوصول إلى حل يرضى ويحقق مصالح كل الأطراف، مع استعدادها لتوفير الموارد المالية لكل من السودان وإثيوبيا لتحقيق أهدافهما إذا ما تم تحقيق مصالح مصر والاستجابة لمخاوفها، كما أوضحت أننى لا أتحرك مدفوعا بالمشاعر العامة ولا ضغوط السياسات الداخلية، لكننى أيضا أكدت أننى شخصيا سأضغط من أجل منع أى دعم دولى لمشروعات المياه فى إثيوبيا والسودان على النيل إذا لم نصل إلى توافق بشأن كيفية التعامل مع الموضوعات المتعلقة بمشروع سد النهضة.
وهذا بالضبط ما فعلته فى ضوء خطورة الموضوع. وقد عرضت الموقف المصرى تجاه استمرار البناء فى سد النهضة، خلال أى لقاء عقدته مع الأطراف الدولية المؤثرة، بما فى ذلك البنك الدولى وبعض الدول العربية، وطالبت هذه الأطراف بعدم تمويل المشروع أو أى مشروعات ترتبط به بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاق بشأنه. وقد أوضحت ذلك لنظيرى الإثيوبى وأكدت أننى سأواصل التحرك لمنع أى تمويل دولى عن المشروع حتى نتوصل إلى اتفاق. وقد أغضب هذا الإثيوبيين وإن كانوا قد احترموا كثيرا عدم تأثرى بضغوط السياسيين والشعبيين والمعنيين باسترضاء الرأى العام.
وفى 9 يونيو 2014، استقبل الرئيس السيسى المنتخب حديثا أدهانوم. وقبل ذلك بيوم واحد كان السيسى قد ألقى خطابا فى حفل تنصيبه تحدث فيه عن مستقبل مصر بما فى ذلك سياستها الخارجية، مشددا على الحاجة إلى التعاون مع الدول الأفريقية بما فى ملف النيل. وفى اليوم التالى لحفل التنصيب هنأ أدهانوم، الرئيس السيسى بانتخابه ثم أشاد برؤيته بشأن ملف حوض النيل والتى عكسها خطابه ثم أشار أدهانوم ناحيتى وشكرنى لأننى لم أشارك فى الجدل الساخن والتصريحات الحماسية بشأن سد النهضة، قبل أن يقول إنه يشكو من نجاحى فى تعليق الدعم الدولى لمشروع بناء السد طوال العام الماضى، وضحكت أنا والرئيس. واعترفت بالفعل بأننى فعلت ذلك، لكننى أعلنت أملى فى المشاركة فى حملة لجمع التمويل لصالح السد الإثيوبى بما فى ذلك توفير دعم مالى من مصر له، شريطة أن يكون هناك اتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن تفاصيل المشروع، بما يضمن الحفاظ على الحقوق المصرية، واستمرت ابتسامة الرئيس السيسى قبل أن يقول مخاطبا الوزير الإثيوبى «كما ترى نحن متعاونون ونريد العمل معا»، ودعا إدهانوم الرئيس السيسى لزيارة إثيوبيا وإلقاء خطاب أمام البرلمان هناك، وهى الدعوة التى قبلها السيسى، مع التأكيد على الحاجة إلى حل مشكلة السد.
ورغم أن قادة مصر وإثيوبيا والسودان وقعوا فيما بعد إعلان مبادئ فى مارس 2015، فى العاصمة السودانية، لم يحدث أى تقدم ملموس خلال السنوات الثلاث التالية، من المفاوضات الفنية والتى كانت تتعلق بشكل أساسى بآليات تشغيل السد وإدارة تدفق المياه منه. ورغم الإشارات إلى حسن النوايا التى كانت وراء إعلان المبادئ، فإنه لم يكن ملزما وفتح الباب أمام التفسيرات المتضاربة وسوء الفهم كما شهدنا بعد ذلك. والأهم، فإنه أعطى انطباعا للمجتمع الدولى بأن هناك تقدما تحقق على صعيد المفاوضات بين الدول الثلاث، مما فتح الباب أمام وصول التمويل الدولى للمشروع. والحقيقة أن هناك عددا محدودا للغاية من القضايا الوجودية التى لا يجب التعامل معها بلغة غامضة ولا بافتراض حسن نوايا الأطراف الأخرى. ومن هذه القضايا الحرب والسلام وضمان الحد الأدنى من الموارد الطبيعية على رأسها المياه.
ورغم الأولوية القصوى لملف مياه نهر النيل والعلاقات مع دول حوض النهر، كانت العلاقات مع دول القارة الأفريقية ككل على رأس أولوياتى كوزير للخارجية، خاصة وأنه تم تجميد عضوية مصر فى الاتحاد الأفريقى فى يوليو 2013 بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسى.
وفور أن توليت منصب وزير الخارجية، أجريت سلسلة اتصالات هاتفية مع وزراء الخارجية فى مختلف دول القارة وأمانة الاتحاد الأفريقى؛ بهدف إعادة تفعيل عضوية مصر فى الاتحاد ووضع سياستنا الخارجية على المسار الصحيح، ولتحقيق هذا الهدف وضعت خطة عمل وقمت بزيارات مكثفة لدول شرق وغرب ووسط وشمال أفريقيا، وكنت أبدأ دائما بالحديث عن التنمية ومستقبل القارة، ثم أتجه للحديث عن عودة مصر إلى الاتحاد الأفريقى، وكانت محادثاتى مع دول شرق أفريقيا تتضمن أيضًا موضوع حصة مصر السنوية من مياه النيل وعزم إثيوبيا بناء سد ضخم جديد على النيل.
ولوحظ فورا أن أغلب المسئولين الأفارقة الذين التقيت بهم أعربوا عن تقديرهم بأننى أتحدث عن المستقبل وليس عن الماضى، وأتذكر لقائى مع الرئيس الأوغندى يورى موسيفينى فى حديقة منزله الريفى. بدأ موسيفينى المقابلة الممتدة بحديث الذكريات عن علاقاته مع قادة مصر السابقين، ثم سألنى بشكل مفاجئ، عما إذا كنت أود الحديث عن قضايا المياه، ولماذا لم يصحبنى وزير الرى كما جرت العادة؟، وقد ابتسم بود عندما قلت له إن وزيرى الإسكان إبراهيم محلب والزراعة أيمن أبو حديد حضرا معى ويجتمعان الآن مع رئيس وزراء بلاده، وإننى أود التحدث معه حول التعاون التنموى المشترك؛ وأدى هذا إلى ذوبان الجليد.
وعند زيارتى للسنغال فى عام ٢٠١٤، رتبت الحكومة السنغالية كل الاجتماعات المناسبة لى بما فى ذلك اجتماع مع رئيس البرلمان ورئيس الدولة، وعلى الرغم من أن السلطات السنغالية علقت الأعلام المصرية فى عدد من الشوارع الرئيسية كما جرت العادة عند استقبال مسئولين بارزين، فإن الاجتماعات بدأت فى أول الأمر شكلية وتقليدية؛ حيث تحدث المضيفون السنغاليون باحترام لكن بطريقة رسمية عن العلاقات التاريخية بين البلدين، قبل الانتقال إلى طرح الأسئلة عن تطورات الأوضاع فى مصر.
بعد ذلك اتسم لقائى مع مصطفى نياسى رئيس البرلمان السنغالى بالدفء عندما علم أننى ابن إسماعيل فهمى؛ حيث كان مساعدا شابا لمسئولين سنغاليين كبار فى السبعينيات، وزار القاهرة فى ذلك الوقت والتقى مع والدى فى منزلنا. وعندما التقيت مع الرئيس السنغالى ماكى سال، بدأ الحديث بالذكريات أيضا قبل أن يسألنى بشكل عارض عن الدول الأفريقية التى زرتها فى طريقى إلى السنغال، وعن الدول التى سأزورها فى طريق عودتى إلى القاهرة، وفوجئ الرئيس السنغالى عندما قلت له إننى قادم من القاهرة إلى داكار وأعود منها إلى مصر مباشرة، وإننى أريد أن تكون السنغال هى نقطة بداية إعادة تواصل مصر مع دول غرب أفريقيا، وأصبح اللقاء مع الرئيس سال أكثر تفاعلا ومرحا وحماسة عندما قلت له إن رجل الأعمال المصرى سميح ساويرس يعتزم إقامة مشروع سياحى جديد فى السنغال.
وبالمثل جاء لقائى مع الرئيس التنزانى جاكايا كيكويتى ووزير الخارجية برنارد ميمبى دافئا بشكل استثنائى، وفوجئا عندما قلت لهما إن القطاع الخاص المصرى مهتم بالاستثمار فى بلدهما، وزادت المفاجأة عندما قلت لهما إن هناك رجال أعمال مصريين يرافقوننى بالفعل فى هذه الزيارة.
وكان القاسم المشترك بين لقاءاتى مع رؤساء أوغندا وتنزانيا والسنغال، أن كلهم أنهوا اللقاء بالسؤال عما إذا كنت سأعود إلى زيارة بلادهم مرة أخرى، وأعربوا عن أملهم فى ألا تكون هى الزيارة الأولى والأخيرة كما كان يحدث مع المسئولين المصريين من قبل. والحقيقة أننى بصفتى وزيرًا للخارجية كنت أركز باستمرار على قارة أفريقيا، وزرت دول القارة أكثر من أى منطقة أخرى فى العالم.
ومن الموضوعات التى شكلت أولوية خلال المحادثات الأفريقية، كان رفع تعليق عضوية مصر فى الاتحاد الأفريقى؛ فقد أرسل الاتحاد لجنة رفيعة المستوى إلى مصر فى أعقاب الإطاحة بمرسى، برئاسة الرئيس المالى الأسبق ألفا عمر كونارى، وحث الوفد الأفريقى السلطات المصرية على تطبيق خريطة الطريق التى أعلنت يوم ٣ يوليه ٢٠١٣ وتشكيل السلطات التنفيذية والتشريعية؛ من أجل استئناف عضوية مصر فى الاتحاد، وبات واضحًا أن جنوب أفريقيا تلعب دورًا مهما فى تعطيل العدول عن هذا القرار، وتردد أن التيار السياسى الإسلامى كان له نفوذ قوى هناك.
وخلال رحلاتى إلى الدول الأفريقية، شعرت بأن أغلب القادة الأفارقة يشعرون بالمأزق الذى وجدوا أنفسهم فيه بتعليق عضوية مصر فى الاتحاد الأفريقى؛ حيث أكدوا أن هذا التعليق خسارة للاتحاد بقدر ما هو خسارة لمصر، واتفقوا على أن هذا الموقف يحتاج إلى المعالجة السريعة، فى الوقت نفسه كانوا يشعرون بضرورة الالتزام بقرار الاتحاد الأفريقى تعليق عضوية أى دولة أفريقية تطيح برئيس منتخب، وأكد عدد كبير من القادة الأفارقة أنهم سيلعبون دورا نشطا لرفع تعليق عضوية مصر، مع المطالبة بضرورة تطبيق خطة المرحلة الانتقالية وبخاصة إجراء الانتخابات الرئاسية.
وقبيل تولى إبراهيم محلب رئاسة الوزراء، كنت أشارك فى احتفالات نيجيريا بذكرى مرور مائة عام على تأسيسها، واستقبلنى الرئيس النيجيرى جودلك جوناثان فى جناحه بالفندق. وفى البداية شكرنى على الحضور للمشاركة فى الاحتفالات، كما شكرنى بطريقة مرحة لحضورى لمقابلته فى الواحدة صباحا، وأكد أن بلاده ستلعب دورا نشطا من أجل إلغاء تجميد عضوية مصر فى الاتحاد الأفريقى بمجرد انتهاء الانتخابات الرئاسية.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، أكد لى الرئيس الأوغندى يورى موسيفينى والجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة فى مناسبات أخرى ضرورة إنهاء التجميد بمجرد انتخاب رئيس لمصر. وكان بوتفليقة بصورة خاصة قويًّا للغاية فى الحديث عن هذا الموضوع خلال زيارتى للجزائر فى يناير ٢٠١٤؛ حيث أصدر تعليماته لوزير خارجيته رمطان العمامرة، خلال اللقاء، بضرورة العدول عن القرار السابق فى مجلس السلم والأمن فى الاتحاد الأفريقى، وكان كل شىء معدًّا لعودة مصر إلى الاتحاد؛ لذلك جهزت مسودة الخطاب الذى سيلقيه الرئيس السيسى بعد انتخابه خلال القمة الأفريقية التى كانت ستعقد بعد انتخابات الرئاسة المصرية مباشرة.
وفى ١٧ يونيه ٢٠١٤ وبعد يومين من تركى الوزارة، تم إلغاء تجميد عضوية مصر فى الاتحاد الأفريقى، وزار الرئيس السيسى الجزائر، كما كنت قد اقترحت عليه فى طريق عودته من مؤتمر قمة الاتحاد التى استضافتها مدينة مالابو عاصمة غينيا الاستوائية؛ لكى يعبر عن تقدير مصر لموقف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك