تناول كتاب «إمبراطورية البلاستيك: التاريخ الخفى والمستقبل المقلق لأكبر استثمارات النفط الكبرى» للصحفية الأمريكية بيث جاردينر ظاهرة تغلغل البلاستيك فى حياتنا المعاصرة بوصفها واحدة من أخطر التحولات الصناعية التى أعادت تشكيل الكوكب والإنسان معًا.
وانطلقت الكاتبة من دراسة حديثة أُجريت فى جامعة نيو مكسيكو على عينات دماغية لأربعة وعشرين شخصًا توفوا عام 2024، إذ قُدِّر أن أدمغة هؤلاء احتوت فى المتوسط على نحو سبعة جرامات من البلاستيك، أى ما يعادل ملعقة بلاستيكية كاملة.
وأشارت إلى أن المصابين بالخرف كانت أدمغتهم تحتوى على كميات أكبر مقارنة بغير المصابين، مؤكدة أن الأمر لا يزال فى إطار الارتباط لا السببية، وأن فهم العواقب الصحية لهذه الجزيئات الصناعية سيستغرق سنوات طويلة، غير أن المؤشرات تبقى مقلقة، لا سيما مع ملاحظة أن أدمغة المتوفين حديثًا احتوت على بلاستيك بنسبة تقارب خمسين فى المائة أكثر مما وُجد لدى من توفوا قبل ثمانية أعوام.
ورأت جاردينر أن هذه الدراسة تختصر حكاية كوكب غارق بالكامل فى البلاستيك من دون أن يعى سكانه ذلك؛ فقد تسربت هذه المادة إلى أدق أنسجة أجسادنا، وارتبطت بطيف واسع من النتائج الصحية المقلقة، فيما تتراكم فى البيئة بوتيرة متسارعة. ومن هنا طرحت سؤالها المركزى: كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟
وحاولت الكاتبة الإجابة عن ذلك السؤال عبر سرد أقرب إلى أدب الجريمة الواقعى، موضحة أن هيمنة البلاستيك لم تكن تطورًا عفويًا، بل نتاج عقود من التسويق المكثف والمناورات السياسية والخداع الصريح. وبيّنت أن البلاستيك كان فى بداياته وسيلة لشركات النفط والغاز لتعظيم القيمة المستخرجة من البترول، أما اليوم فأكدت أن هذه الشركات تنظر إليه بوصفه شبكة أمان فى مواجهة تراجع عائدات الوقود الأحفورى فى عالم بات يعى العواقب المناخية لحرق منتجاتها، وتسعى تبعًا لذلك إلى زيادة إنتاجه بصورة كبيرة.
واستشهدت بتحليل لشركة إكسون موبيل، وهى واحدة من أكبر شركات النفط والغاز فى العالم، حول إمكانية تعويض انخفاض متوقع فى الطلب على البنزين عبر التوسع فى قطاع الكيماويات، خاصة مع توقع تنامى الطلب على البلاستيك فى الدول النامية مع تحسن مستويات الدخل، نقلًا عن صحيفة «نيويورك تايمز».
وشرحت جاردينر أن نواتج الحفر يمكن إعادة ترتيبها جزيئيًا لإنتاج البلاستيك، مع إضافة مركبات تمنحه خصائص متعددة شديدة الفائدة، وأشارت إلى أنه بحلول منتصف القرن العشرين أدركت الشركات قدرتها على تصنيع معظم الأدوات المنزلية من هذه المادة، غير أن التحدى تمثل فى كيفية بيع كميات هائلة منها، وهنا ظهرت الفكرة الأكثر ربحًا، وهى ترسيخ ثقافة «قابلية التخلص».
واستعادت تصريحًا لنائب رئيس شركة دوبونت، وهى شركة كيميائية أمريكية عريقة، عام 1945 حين قال إن «الشعب الراضى شعب راكد»، موضحًا أن الشركات يجب أن تضمن ألا يكون المستهلك راضيًا أبدًا. وأوضحت أن إقناع جيل عانى الكساد والحرب بالتخلى عن ثقافة الادخار كان مهمة صعبة، لكن الحملات الإعلانية نجحت فى ترسيخ فكرة أن المنتجات البلاستيكية، رغم متانتها، ينبغى التخلص منها بسرعة. وفى عام 1956 أعلن محرر مجلة «مودرن باكيجينج» أن مستقبل البلاستيك يكمن فى سلة المهملات.
وأكدت الكاتبة أن ثقافة الاستهلاك الأحادى أصبحت اليوم ظاهرة عالمية، إذ إن قرابة نصف البلاستيك يُنتج لاستخدام واحد ثم يُطرح سريعًا. ورصدت كيف تعاملت المدن الأمريكية مع هذا التحول بوصفه أزمة نفايات، غير أن ضغط جماعات المصالح حال دون تحميل الشركات مسئولية العبء الجديد، وأطلقت الصناعة حملات إعلانية واسعة لإقناع الجمهور بأن اللوم يقع عليه، وأن إعادة التدوير هى الحل، رغم أن معظم العبوات البلاستيكية لم تكن قابلة فعليًا لإعادة المعالجة المجدية.
وقالت جاردينر إن إعادة التدوير تحولت إلى وهم خدم الصناعة بفعالية؛ فعندما حظرت مدينتا مينيابوليس وسانت بول عام 1989 أنواعًا عديدة من العبوات البلاستيكية، تدخلت مجموعات صناعية للترويج لإعادة التدوير بدلًا من الحظر، ولم يُنفذ القرار. وتشير البيانات إلى أنه حتى عام 2017 لم يُعاد تدوير سوى تسعة فى المائة من نفايات البلاستيك.
وبيّنت أن بريق إعادة التدوير أتاح للصناعة التوسع دون تحمل الكلفة الضخمة للنفايات، لافتة إلى أن زجاجات المشروبات الغازية تُعد من الحالات القليلة التى يمكن تدويرها بكفاءة، غير أن مشروعات «قوانين الزجاجات» التى تلزم الشركات بفرض وديعة تُسترد عند إعادة العبوة تعرضت للإفشال مرارًا نتيجة ضغوط الصناعة.
وعلى صعيد الصحة العامة، عرضت الكاتبة نتائج أكثر قتامة؛ إذ ربطت بعض الدراسات بين القرب من آبار التكسير الهيدروليكى، التى تستخرج الإيثان لتغذية مصانع البلاستيك، وارتفاع معدلات ابيضاض الدم لدى الأطفال وفشل القلب وأمراض أخرى. كما أشارت إلى أن شظايا البلاستيك المتحللة تتسرب إلى المياه والتربة والمحاصيل وحتى الهواء، فى حين ترتبط مركبات كيميائية مثل البيسفينولات والفثالات، المستخدمة لمنح البلاستيك المتانة والمرونة، باضطرابات هرمونية قد تقود إلى السرطان واختلال التمثيل الغذائى ومشكلات عصبية وتراجع الخصوبة.
وتنقل جاردينر عن أحد التحليلات أن أكثر من 350 ألف وفاة بأمراض القلب عالميًا يمكن ربطها بالتعرض لمركب فثالات واحد هو DEHP.
وانتقدت الكاتبة بطء تنظيم المواد الكيميائية، محمّلة مجلس الكيمياء الأمريكى، الذى يضم كبرى شركات البلاستيك، جانبًا من المسئولية، إذ أعلن فى إقراره الضريبى لعام 2010 أنه ساهم فى هزيمة أو تعديل أو تأجيل أكثر من ثلاثمائة مشروع قانون يتعلق بالمواد الكيميائية والبلاستيك فى أربع وأربعين ولاية.
وعلى الرغم من أن جاردينر لا تقدم وصفات تفصيلية للحل، مؤكدة أن مهمتها الصحفية تقتصر على عرض الوقائع، فإنها توضح أن البلاستيك ليس شرًا مطلقًا، إذ يُستخدم فى الألواح الشمسية وتوربينات الرياح وأجهزة طبية أساسية، لكنها تشدد فى الوقت نفسه على أن قدرًا كبيرًا مما يُفرض على المستهلكين غير ضرورى، وأن كثيرًا من المنتجات يمكن الاستغناء عنها.
وأشارت إلى مقاربة محتملة تتمثل فى نقل كلفة جمع ومعالجة البلاستيك أحادى الاستخدام من دافعى الضرائب إلى المصنعين، وهو ما قد يحد من التوسع فى الإنتاج. وذكرت أن قوانين المسئولية الممتدة للمنتِج أصبحت سارية فى ولايات عدة مثل كاليفورنيا وماين وأوريجون وميريلاند ومينيسوتا وواشنطن وكولورادو، رغم استمرار مقاومة جماعات الصناعة لها.
وفى النهاية خلصت جاردينر إلى أن نمو البلاستيك كان مدفوعًا برؤى قصيرة ومشوهة بفعل مصالح قوية سعت إلى إخفاء دورها الحقيقى، لكنها تؤكد أن الوقت لم ينفد بعد، وأن أفضل وقت للتحرك ربما كان قبل عقود، غير أن التوقيت التالى الأفضل هو الآن.