مبـادرات لإيقاف الإهمال - بوابة الشروق
الخميس 30 يونيو 2022 6:46 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

مبـادرات لإيقاف الإهمال

تفاصيل جمالية داخل القصور تصوير- على هزاع
تفاصيل جمالية داخل القصور تصوير- على هزاع
أمير زكى
نشر في: الأحد 13 مايو 2012 - 10:35 ص | آخر تحديث: الأحد 13 مايو 2012 - 4:36 م

الإهمال والتجاهل الذى تتعرض له المبانى التاريخية والجميلة فى مصر كان عاملا مستفزا للكثيرين فقاموا بمبادرة للمطالبة بالحماية والحفاظ على هذه الكنوز المصرية. فى أبريل الماضى، وانطلاقا من مجموعة على الفيسبوك باسم Heritage Egypt (تراث مصر) تسعى على الحفاظ على التاريخ المعمارى للبلد، ظهرت عريضة تطالب الأشخاص الثلاثة الذين يمثلون السلطات فى مصر: «المشير طنطاوى»، «كمال الجنزورى»، «سعد الكتاتنى»، بوقف التعدى على مثل هذه المبانى، تحديدا من خلال إصدار تشريع بوقف هدم الفيللات والمبانى القديمة، وإيجاد عقوبة بدلا من الغرامة لمن يفعل ذلك. العريضة شهدت أكثر من 1000 توقيع حتى الآن، يتوازى هذا مع المبادرات التى تمت كنتيجة لقرارات هدم فيللا «شيكوريل» بالإسكندرية التى تعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضى، كذلك قرار هدم النادى اليونانى الذى يعود إلى الأربعينيات من القرن الماضى. الصفحات الإلكترونية التى تواجه القرارين يربط عدد من أعضائها بين ما يحدث حاليا وما حدث فى المسلسل المصرى «الراية البيضا» الذى أنتج عام 1988، والذى تحاول فيه تاجرة السمك فضة المعداوى السيطرة على فيللا السفير مفيد أبوالغار ثم هدمه.

 

بنفس الطريقة ففى بداية الثورة، وربما كنتيجة لسقوط الحزب الوطنى، وحركة الثوار فى شوارع وسط البلد مما يجعلهم يرون قصرا غير مستخدما مثل قصر سعيد حليم بشارع شمبليون، أقام بعض النشطاء صفحة إلكترونية تطالب بتحويل مبانى الحزب الوطنى والقصور المهجورة إلى مكتبات ومراكز ثقافية. هذا الطلب القديم الذى ـ رغم وجاهته ـ لا يجد صدى من السلطات حتى الآن.

 

 

 

الغبار ليس بهذا السوء

 

 

 


 

أكثر من رحلة إلى مصر قامت بها المصورة الروسية إكزينيا نيكولسكايا، أولا جاءت ضمن بعثة روسية أثرية، ثم جاءت وهدفها مشروع تصوير مناحى حياة الأقباط، قبل أن يتصادف وتمر بجانب قصر فؤاد سراج الدين بجاردن سيتى لتكتشف جانبا آخر فى مصر وهو القصور والمبانى المهجورة ليصبح مشروعا فوتوغرافيا لها.

 

Dust مشروع كتاب فوتوغرافى عن الأماكن المهجورة بمصر، القصور وغيرها، صدر مؤخرا عن دار ديوى لويس.

 

نيكولسكايا بدأت رحلتها مع قصر فؤاد سراج الدين، المهجور من أصحاب الأسرة، لتبدأ فى البحث عن الأماكن والقصور المهجورة أو التى انفصلت عن تاريخها بمصر، كقصر السكاكينى وقصر الدوبارة وقصر الأمير سعيد حليم وفيللا عمر طوسون بالإسكندرية وغيرها من الأماكن الأخرى، إذ تتركز فكرتها على الغبار الذى يحيط بهذه الأماكن.

 

تقول نيكولسكايا: «القاهرة عبارة عن غبار، ولكن الغبار ليس دائما أمرا سيئا»، وتضيف: «الغبار هو طبقة أخرى موضوعة على الأشياء، وهو أيضا موجود ليحمى». تتذكر دخولها متحف المتروبوليتان بنيويورك فى غير المواعيد الرسمية، حيث ترى المعروضات بهدوء وبدون تزاحم، حيث الأشياء موجودة فى حالة غياب، الحالة نفسها شعرت بها فى مصر وهى تعمل بداخل القصور والأماكن المهجورة التى صورت فيها.

 

فى البداية لم تكن إكزينيا تعرف عن التاريخ الذى يقع وراء كل هذه الأماكن. «البعض لم يكن يعرف أن من مثل هذه الأماكن موجودة فى القاهرة»، تضيف نيكولسكايا: «لم يصدق أحد أن هناك جوانب مثل هذه فى مصر».

 

وتسخر نيكولسكايا من فكرة أن أى مصور يأتى إلى مصر عليه أن يعود بصور للأهرامات، فى حين اهتمت هى بجانب مختلف من الثقافة المصرية.

 

العديد من القصص والطرق التى استطاعت أن تدخل بها إلى الأماكن المهجورة بمصر، سواء عن طريق أصدقاء أو عن طريق تعاون من حراس المكان، الصعوبات أيضا كانت موجودة، ومن أشهرها توجس الجميع من المصورين، تقول: «الناس فى مصر يحبون السينما، إن قلنا إننا نأتى لنصور سينما أو نعاين موقعا سينمائيا سيرحبون بك، أما عندما تقول لهم إنه تصوير فوتوغرافى تجدهم يتوجسون».

 

انتهت إكزينيا من مشروعها الذى بدأته فى 2006 قبل الثورة بوقت قصير، وتقول: «كانت لدىّ مادة كبيرة، وكان من الممكن أن أستمر فى التصوير، ولكن كان علىّ أن أتوقف فى لحظة ما». الصور التى التقطتها إكزينيا تتنوع بين بقايا الأثاث المهترئ المغطى بالغبار فى قصر سراج الدين الذى يحيل لمجد غابر، أو قصر السكاكينى بالإهمال البادى عليه، أو الأبواب والجدران بقصر الدوبارة. وهى تعى أيضا الوضع السياسى الذى أدى لأن يقوم هذا المشروع، موضحة: «هذا المشروع هو تعبير عن عصر الركود الذى كانت عليه الأحوال أيام مبارك، هذا الذى أدى لإهمال هذه الأماكن».

 

 

السكاكينى.. مقـر الموظفـين


 

 

 

«لنتكلم بصراحة، لنأت بعربية نقل الآن، ونحمل أحد التماثيل الموجودة بحديقة القصر أو أحد الأعمدة، ونرحل بها، لن يسألنا أحد عما نفعل»، هكذا تحدث محسن على المحامى الذى يسكن بميدان السكاكينى معلقا على قصر السكاكينى الذى يقع فى منتصف الميدان وتحيطه العمارات السكنية من كل جانب. يومها كانت مصر فى إجازة رسمية، لم يبد أن هناك عمالا بالداخل أو موظفى الآثار الذين يحضرون كل يوم. يعلق محسن على ومن حوله من أهالى المنطقة عن الإهمال الذى يحيط بالمكان من رمى المهملات بجانبه، إلى الطلاء الأزرق الذى طلا به النظام السابق المكان بدون أن يهتم به فعليا، إلى الحديقة المهملة.

 

قصر السكاكينى يعتبر من أقدم قصور القاهرة، بُنى عام 1897 بواسطة حبيب باشا السكاكينى كما هو مدون على الباب الرئيسى للقصر، وهو السورى الأصل الذى قدم خدمات جليلة إلى مصر، كان أشهرها هو إنقاذ مشروع حفر قناة السويس من التوقف، حين انتشرت الفئران فى المكان لتنقل الأمراض بين العمال وتقرض الآلات، فما حدث هو أن أحضر السكاكينى مجموعة قطط تم تجويعها لتقضى على الفئران فى وقت قصير، بالإضافة إلى مساعدته فى بناء الأوبرا المصرية القديمة هذا الذى جعله محط ثقة الخديو إسماعيل وقتها.

 

السكاكينى حصل على قطعة الأرض التى بنى عليها القصر وكذلك الأراضى التى حولها، بنى القصر على طراز «الروكوكو» الأوروبى بالاهتمام المفرط بالزخارف. أثناء التجول حول القصر والنظر إلى التماثيل الموجودة بحديقة القصر، مر أحد الشباب العابرين وأشار إلى أحد التماثيل لفتاة عارية وقال: «جامدة، أليس كذلك؟». إلى جانب الغبار الذى يكسو التماثيل، تجد كسورا فيها، مما يؤكد ما يقوله أهل المنطقة أن الأطفال يلقونها بالطوب.

 

المخرجة السينمائية أسماء البكرى ـ ابنة حفيدة السكاكينى باشا ـ تقول إنهم كانوا يعيشون فى طفولتهم فى هذا القصر، قبل أن تقوم ثورة 23 يوليو وتقرر الأسرة من تلقاء نفسها تقديم القصر للحكومة المصرية خوفا من تأميمه. هنا تحول القصر إلى متحف للتثقيف الطبى، قبل أن يتوقف عن هذا النشاط.

 

أثناء دخولك القصر تستشعر الغبار موجودا فى كل مكان، هذا الذى يدل على عدم اهتمام من قبل أى جهة فى الحفاظ عليه، أثناء دخولك أيضا تجد «اللاءات» تقابلك من العمال والموظفين التابعين لوزارة الآثار، أهمها لا للتصوير ولا للحوارات، واكتفوا فقط بإمكانية التجول بداخل القصر.

 

مرة أخرى تجد التماثيل تزين جوانب القصر، يعلوها الغبار أيضا مثل كل مكان فيه، الرسوم تزين أيضا الأسقف، سلالم خشبية تقودك إلى دورين للأعلى تقابلك فيهما أبواب مغلقة، بالإضافة إلى بدروم، يعتبر الآن مكانا لراحة العمال، وإن كان يبدو منه عدم النظافة، بالطبع لا يبقى أثاث فى المكان، تشير أسماء البكرى أنها تحتفظ ببعض الأثاث فى الإسكندرية، والآخر ربما لن نعرف أبدا أين هو.

 

تشير أسماء البكرى إلى غرفة السفرة، وإلى المصعد المعطل الذى يعتبر من أوائل المصاعد فى مصر، وإلى الأركان التى كان يصعد منها الطعام من المطبخ بالأسفل، ثم إلى غرفة المكتب التى تحولت الآن إلى مكتب مديرة عام مناطق وسط القاهرة، التى رفضت الحديث إلا بتصريح، ولكنها مع ذلك قالت: «المكان كان متحفا وسيصير متحفا». ولكن الآن؟ «هو مكان للإدارة التى تشرف على آثار مناطق وسط القاهرة ومنها قصر السكاكينى».

 

ربما يضايقك أن تجد هذا القصر لا يحتوى سوى على مكاتب موظفين متناثرة يأتون ويرحلون فى المواعيد الرسمية، هو غير مجهز لاستقبال الزيارات السياحية بكل الغبار الذى يحتويه، ولا يبدو أن تجهيزه ليكون متحفا لتاريخ الطب سيتم قريبا.. سألت المخرجة أسماء البكرى إن كان من الممكن أن يتحول إلى مركز ثقافى أو متحف، فقالت من الممكن أن يكون هذا أو ذاك، قلنا ذلك ونحن على سطح إحدى العمارات المقابلة له، نتخذ صورا له من بعيد، وهو يبدو كبناء شاذ وسط الدائرة العمرانية، لا يستوعب ما حوله، وما حوله لا يستوعبه.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك