قبل أن تنشر الشمس أشعتها، تبدأ دعاء، ذات الـ28 عامًا، يومها، فتقوم بتجهيز ابنتيها للمدرسة، ثم تصطحبهما وتبدأ معهما رحلة يومية من منطقة بشتيل إلى الدقي، تستغرق وقتا يتجاوز الساعة، يتنقلن خلالها بين أكثر من وسيلة مواصلات، حتى تصل بهما إلى المدرسة في السابعة صباحًا.

اختارت دعاء، إلحاق ابنتيها بمدارس تابعة لإدارة الدقي التعليمية، بعدما رأت أن مستوى التعليم هناك أفضل بالنسبة لهما، مقارنة بما هو متاح بالقرب من محل إقامتها في بشتيل، حتى وإن كان ذلك يعني قطع مسافة طويلة يوميًا.
وبعد دخول الطفلتين إلى المدرسة، لا تتمكن "دعاء" من العودة إلى منزلها لتنال قسطا من الراحة أو حتى لإنجاز ما لديها من مهام أخرى بسبب طول المسافة، ما يضطرها للانتظار على رصيف أمام المدرسة؛ حيث تفترش بساطًا صغيرً، وتخرج أدواتها وحبات الخرز، ثم تبدأ في صناعة المشغولات اليدوية.

بدأت رحلة دعاء منذ العام الماضي، حيث ألهمتها ظروفها، فكرة استثمار وقتها فبدأت في تعلم صنع المشغولات اليدوية، قبل أن تحترفها بمساعدة اثنتين من الأمهات اللتين كانتا تفعلن الشيء نفسه. وشيئًا فشيئًا، تعلمت دعاء الحرفة، وبدأت تجلس معهما خلال ساعات الانتظار للعمل، لتتحول الساعات التي كانت تقضيها أمام المدرسة إلى مساحة للتعلم والعمل في آن واحد.
وهذا العام، أصبحت الرحلة أكثر ارتباطًا بحياتها اليومية بعدما التحقت ابنتها الثانية بالمدرسة أيضًا، لتواصل دعاء للعام الثاني على التوالي المشوار نفسه من بشتيل إلى الدقي، لكن هذه المرة بصحبة طفلتيها وأدوات عملها.

وتزامنت رحلة دعاء مع ظروف أسرية دفعتها إلى محاولة البحث عن مصدر دخل خاص بها، بعد الانفصال عن زوجها، لتجد نفسها أمام مسئوليات طفلتيها واحتياجتهما اليومية.

لكن الخرز لا يمكن اعتباره مصدر المعيشة الأساسي بقدر ما هو محاولة للعمل والاستفادة من ساعات كانت ستقضيها في الانتظار دون شيء، وفرصة لتوفير دخل، حتى وإن كان بسيطا إلى جانب مساندة والدها.
ولا تمر ساعات وجودها أمام المدرسة دائمًا بهدوء؛ ففي بعض الأيام قد تتعرض دعاء لبعض المضايقات بسبب بقائها لفترة طويلة في الشارع، بينما تمر أيام أخرى دون مشكلات، إلا أن تلك المواقف لم تمنعها من مواصلة الرحلة التي اختارتها من أجل ابنتيها.

ومع اقتراب الواحدة والنصف ظهرًا، تبدأ دعاء في جمع أدواتها وحبات الخرز، وتعيد ترتيب أغراضها استعدادًا لاستقبال طفلتيها عند باب المدرسة، ثم تبدأ معهما رحلةً أخرى تستغرق ما يزيد على ساعة في طريق العودة إلى بشتيل.