- 77.9% من الطلاب يمارسون التنمر تحت شعار «التريقة».. والعلاقات المضطربة داخل الأسرة وراء تصاعد الجرائم الأسرية
- الدراما فقدت دورها الإصلاحى.. والقيم السطحية تتغلب على الأصيلة
- علينا حماية وعى الأطفال مبكرًا.. وندعو لترسيخ الوعى فى الطفولة المبكرة بدلًا من الحملات المؤقتة
فى ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة التى يشهدها المجتمع، باتت وسائل التواصل الاجتماعى تلعب دورا محوريا فى تشكيل الوعى والسلوك، لكنها فى الوقت ذاته أصبحت أحد أبرز مصادر الخطر على القيم والعلاقات الإنسانية.
وفى حوارها لـ«الشروق» فتحت رئيسة المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، هالة رمضان، ملفات مهمة تتعلق بتغير أنماط الجريمة داخل الأسرة، وانتشار ظاهرة التنمر بين طلاب المدارس، وتأثير الدراما والإعلام على وعى الأجيال الجديدة.
وأكدت هالة رمضان، أن نتائج بحوث المركز تكشف عن تشابكٍ واضح بين السوشيال ميديا ومعظم القضايا الاجتماعية، محذرة من ترك الأطفال والمراهقين أسرى للمحتوى الإلكترونى دون توجيه أو رقابة، مشددة على أن التنمر ليس مزاحًا بريئًا، بل سلوك مؤذٍ يترك جروحًا نفسية عميقة.
إلى نص الحوار:
< ما أبرز الملفات الاجتماعية التى تمثل خطرًا على استقرار المجتمع حاليًا؟
ــــ فى الحقيقة هناك العديد من المشكلات الاجتماعية المطروحة على الساحة الآن، تؤرق المجتمع بأكمله، إلا أن أخطرها يتمثل فى وسائل التواصل الاجتماعى وآثارها السلبية، بخاصة على الأجيال الجديدة وقيم الأسرة، وانتشار العنف، وغيرها من الظواهر.
وبحكم طبيعة عمل المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، فإنه يجرى بحوثًا ميدانية نستخلص من خلالها المشكلات الحقيقية من أرض الواقع.
ومع تباين موضوعات هذه البحوث سواء تناولت الجرائم أو العنف أو مشكلات الأسرة، يبرز أمامنا عامل مشترك يكاد يكون حاضرًا فى جميع الملفات، وهو وسائل التواصل الاجتماعى.
ويمكن القول إنها أصبحت عاملا متداخلا يتقاطع مع معظم القضايا، الأمر الذى يجعل خطورتها فى تزايد مستمر.
< هل انتشار وسائل التواصل كان له دور فى تغيير أنماط الجريمة داخل المجتمع؟
ــــ بالتأكيد، لقد أجرينا بالفعل أحد الأبحاث حول ما يسمى بـ«الجرائم البارزة»، وهى تلك التى تترك أثرًا كبيرًا فى الرأى العام، مثل جريمة الطفل ذى الاثنى عشر عامًا الذى قتل زميله الأسبوع الماضى، وفى المصطلح العلمى نطلق عليها «الجريمة البارزة» لأنها تهز المجتمع بشكل غير معتاد.
وبدأنا دراسة هذه الجرائم منذ حادثة الذبح فى الإسماعيلية التى ارتكبها صديق المجنى عليه، ثم الحادثة الشهيرة لفتاة المنصورة «نيرة أشرف»، وتلتها عدة حوادث أخرى وصولا إلى حادثة الإسكندرية التى قتلت فيها أسرة كاملة على يد الأب.
وتواجدنا على أرض الواقع فى 7 جرائم مختلفة، والتقينا بأهالى الجناة والمجنى عليهم، وكذلك المارة وسكان البيئة المحيطة، فى محاولة للتعرف على العوامل المشتركة بين هذه الحوادث.
وتبين لنا أنه مع كل جريمة تنتشر معلومات خاطئة ومغلوطة تمامًا، عبر وسائل التواصل الاجتماعى، يرافقها إشاعات وتوجيه للرأى العام، بل وفى بعض الأحيان يظهر تعاطف غريب مع الجانى، كما حدث فى قضية نيرة أشرف تحديدًا.
ويضاف إلى ذلك أزمة أخرى، وهى أن بعض وسائل الإعلام باتت تنقل أخبارها من مواقع التواصل الاجتماعى نفسها، مما يضاعف من تشويه الحقائق ويؤثر سلبًا فى وعى المجتمع وتكوينه للرأى العام.
< ما الأسباب التى جعلت شكل الجريمة يتغير لهذا الحد؟
ــــ العامل الأول الذى فاجأنا خلال تحليل التقاطعات بين الجرائم هو خلل ووهم العلاقات الاجتماعية، فجميع الجرائم كانت داخل الدائرة القريبة: بين أم وابنتها، صديق وصديقه، علاقة عاطفية، أب وأسرته بالكامل.
أى إن أطراف الجرائم ينتمون للعلاقات الأكثر قربًا، وهذا مؤشر خطير على بنية الأسرة والعلاقات الإنسانية.
وسببت وسائل التواصل عزلة داخل البيت الواحد، واتسعت الفجوة بين الأجيال لدرجة أن فارق 3 سنوات بين صديقين يجعل أحدهما يقول «إحنا جيلين مش جيل واحد».
وهناك أيضًا تغير فى منظومة القيم، وظهور قيم جديدة سطحية سلبية تصعد على حساب قيم أصيلة كانت متجذرة فى المجتمع.
< هناك من يرى أن المشكلة الاقتصادية وراء ارتفاع معدلات الجريمة.. ما رأيك؟
ــــ العوامل الاقتصادية حاضرة بلا شك، وقد تلعب دورًا مهمًا سواء كعنصر داعم أو محفز للسلوك، غير أنها ليست المحرك الرئيسى للمشكلة.
تأثيرها يأتى ضمن منظومة أشمل من الظروف الاجتماعية والنفسية والثقافية التى تتداخل وتشكل الصورة الكاملة للظاهرة.
الحديث عن سبب واحد يعد تبسيطا مخلا، فالجذور أعمق وأكثر تعقيدًا وتحتاج إلى معالجة شاملة تراعى مختلف المؤثرات فى البيئة.
< ما أبرز نتائج البحوث التى لفتت انتباهكم فى الفترة الأخيرة؟
ـــــ بحث تناول منصة «يوتيوب» وتفضيلات المشاهدة لدى الأسرة المصرية، أُجرى ميدانيًا فى 27 محافظة، وتبين أن القنوات الأكثر متابعة تنتمى إلى المحتوى الأسرى والترفيهى البسيط، ما يعكس طبيعة المواد التى تسهم فى تشكيل وعى الأطفال والنساء داخل البيوت.
< إلى أى مدى تلتزم الجهات التنفيذية بتوصيات المركز؟
ــــ الوضع تغير كثيرًا حاليًا، فهناك إيمان من القيادة السياسية بأهمية البحث الاجتماعى. ونتلقى توجيهات متعددة لمتابعة المشكلات والمستجدات، ونرسل ملخصات الأبحاث إلى صانع القرار مباشرة، ونعقد ورش عمل شهرية بحضور الجهات التنفيذية والإعلام، لكن تنفيذ التوصيات يظل مرتبطا بإمكانات كل جهة.
< ما أبرز نتائج البحث الأخير حول التنمر المدرسى؟
ــــ كان بحثا ميدانيا على مستوى الجمهورية شمل مراحل التعليم المختلفة. ومن النتائج اللافتة أن نسبة ممارسة الطلاب للتنمر التقليدى تحت مسمى «التريقة» بلغت 77.9%، ومعظم أولياء الأمور لا يدركون خطورته ويعتبرونه مزاحًا، بينما هو نوع من الأذى النفسى.
وطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية هم الأكثر ممارسة للتنمر، وهو مؤشر يتيح فرصة للتدخل المبكر فى المراحل العمرية الأصغر.
< ما أحدث البروتوكولات التى وقعتموها؟
ــــ كان آخر بروتوكول مع جامعة الوادى الجديد، كما يوجد تعاون مستمر مع وزارة الأوقاف من خلال غرفة عمليات مشتركة.
وزير الأوقاف، أسامة الأزهرى، يستند فى إعداد بعض خطب الجمعة إلى نتائج بحوثنا الميدانية، وهو نموذج ناجح للتكامل بين البحث العلمى والخطاب الدينى.
< هل ترين أن الإعلام والدراما جزءًا من المشكلة فى تناول القضايا الاجتماعية؟
ــــ نعم، فالإعلام أحيانًا يضخم الأحداث أو يكرر الإشاعات، ولهذا أنشأنا فى المركز مرصدًا إعلاميًا لرصد وتحليل المحتوى بشكل دورى.
أما الدراما فهى سلاح ذو حدين، لكنها فى السنوات الأخيرة فقدت دورها الإصلاحى، وكثير من الأعمال تصور من يأخذ بالثأر على أنه بطل.
وأرى أن مسلسل «ذئاب الجبل» ما زال الأكثر تأثيرًا إيجابيًا رغم مرور السنوات، لأنه تناول قيمًا إنسانية عميقة غابت عن الدراما الحديثة.
< فى ظل متابعة الشباب المكثفة للدراما.. كيف تقيمين تأثيرها على وعيهم؟
ــــ للدراما تأثير قوى ومباشر سواء كان إيجابيا أو سلبيا. على سبيل المثال مسلسل «لام شمسية» رفع الوعى بقضية التحرش، ومسلسل «حق الكد والسعاية» حرّك نقاشًا مجتمعيًا حول حقوق المرأة.
الدراما قادرة على تحريك الوعى وخلق نقاش عام، تمامًا كما يمكن أن تكرّس سلوكيات سلبية إن ركزت على العنف والبلطجة.
< ما السلوك الاجتماعى الأكثر إزعاجًا وتريدين معالجته؟
أنا لا أميل إلى الحلول الإعلامية المباشرة، بل أفضّل المعالجة العميقة من خلال الدراما والمحتوى الصادق.
فالمواطن المصرى ذكى ولا يتأثر بالوعظ، بل بالمشاهد الواقعية الصادقة كما رأينا فى مسلسل «تحت السيطرة» للفنانة نيلى كريم عن الإدمان، الذى كان أكثر تأثيرًا من أى حملة توعية.
< ما الرسالة التى تودين توجيهها لصانع القرار؟
ــــ رسالتى هى الاهتمام بالطفولة المبكرة، أى مرحلة رياض الأطفال والابتدائى، ووضع منهج متكامل من الأنشطة التفاعلية التى تبنى الوعى منذ الصغر، لأن حماية هذه الفئة هى الخطوة الأولى لحماية مستقبل المجتمع بأكمله.