قالت الكاتبة عزة كامل إن «الهوس بالمكان» لدى الكاتب والأديب خيري شلبي ارتبط باختيار واعٍ لمكان بعيد عن الضجيج، أكثر من ارتباطه بالجدران أو بالأحواش ذاتها. وأشارت إلى أنه، وسط ضجيج هذا الحوش، سافر شلبي بخياله إلى أمريكا واليابان وفرنسا وتركيا، وجال العالم بأسره وهو في مكانه، لأن عالمه الحقيقي كان عالم الكتب. وقد منحه هذا العالم ثراءً داخليًا مكّنه من الاستغناء عن العالم الخارجي، لا سيما في ظل غضبه وسخطه على مجتمع رآه غارقًا في الفساد والشِّللية والأنانية والرياء. ورغم إحاطته بالموتى، كان يرى أنه يعيش حياة حقيقية هناك.
جاء ذلك خلال ندوة تناولت كيف انعكس المكان، بتاريخه وعمرانه وحياته الاجتماعية، على العالم الأدبي لخيري شلبي، وكيف امتزجت تفاصيل الحي اليومية بالسرد لتصنع حكاياته وشخصياته. وأقيمت الندوة داخل الحي نفسه الذي ألهم شلبي، في مساحات قايتباي، بما أتاح قراءة الأدب داخل فضائه الحقيقي، حيث يلتقي المكان بالذاكرة والإبداع.
من جانبه، أشار الناقد شعبان يوسف، في الشهادة التي كتبها عن وجود خيري شلبي في الأحواش، إلى افتتانه الشديد بالمكان، رغم طبيعته التي يصعب التألف معها.
واعتبر أن هذا المكان كان ملائمًا لحالة الرفض والضجر التي عاشها شلبي تجاه الواقع، خصوصًا خلال زمن الانفتاح في سبعينيات القرن الماضي.
وقد جاء إلى هذا المكان وتعايش مع ناسه، الذين كانوا الأقرب إليه، بينما كان يرى أن ما يقع خارج هذا الفضاء يتسم بالتصنع والعبث. وشكّل ذلك امتدادًا طبيعيًا لشخصية خيري شلبي الثائرة.
وأوضح الكاتب زين خيري شلبي أن والده، بعد سنوات من الإقامة في المكان، بدأ يتساءل عن سر افتتانه به، ليكتشف أنه يذكّره ببطولته الأولى وزياراته لجدته في مدينة «فُوَّه»، حيث استعاد ملامح من طفولته المفقودة. ومن حكايات الناس استمد شلبي مادته السردية؛ إذ كان يستوعب الحكايات ويعيد سردها بطريقته الخاصة. وقد شكّلت الحكاية منبعًا رئيسيًا في عالمه، حتى إنه كان يرى نفسه «بياع حكايات» جوّالًا، على غرار عازف الربابة.