لماذا الحرب؟ كتاب يرصد مناظرة بين أينشتاين وفرويد بشأن الصراعات المشتعلة - بوابة الشروق
السبت 14 مارس 2026 7:04 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

لماذا الحرب؟ كتاب يرصد مناظرة بين أينشتاين وفرويد بشأن الصراعات المشتعلة

محمود عماد
نشر في: السبت 14 مارس 2026 - 2:30 م | آخر تحديث: السبت 14 مارس 2026 - 2:30 م

يبدو العالم اليوم السبت، أكثر انشغالًا بالحرب من أي قضية أخرى، إذ يجذب التصعيد الإقليمي الحالي في الشرق الأوسط أنظار العالم بأكمله، فالمشهد الحالي للمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها في المنطقة من جهة أخرى، ينذر بجر المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة.

ولا تقف تداعيات هذا الصراع عند حدود الدول المتحاربة، بل تمتد لتؤثر في دول الخليج ولبنان والأردن، بينما ينعكس تأثيره على العالم اقتصاديًا، خاصة فيما يتعلق بالملاحة والتجارة وأسعار النفط.

وليس هذا الصراع هو الأول من نوعه في السنوات الأخيرة؛ فقد شهد العالم منذ أمد قريب ما عرف بحرب الاثني عشر يومًا، كما شهد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ولبنان وسوريا.

ولا يمكن إغفال الحرب الروسية-الأوكرانية التي دخلت عامها الرابع، فضلًا عن التوترات المستمرة بين الصين وتايوان، وكذا التوتر الدائم بين كوريا الشمالية والجنوبية.

في هذا العالم المشتعل وغير المستقر، يعود سؤال الحرب ليطرح نفسه بإلحاح، ويمكن محاولة الاقتراب من هذا السؤال عبر كتاب "لماذا الحرب؟"، الذي يتضمن مناظرة فكرية بين العالم الفيزيائي الكبير ألبرت أينشتاين، ومؤسس التحليل النفسي الحديث سيجموند فرويد.

وصدرت طبعته العربية بالاشتراك بين دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع ومنشورات تكوين، وقام بتحريره وتقديمه الدكتور نادر كاظم، وترجمه جهاد الشيبني.

وتجمع هذه المناظرة بين اثنين من أهم العقول في القرن العشرين، وربما من أبرز العقول في تاريخ البشرية؛ فأينشتاين هو الفيزيائي الذي غيّر وجه الفيزياء الحديثة، بينما يعد فرويد الطبيب الذي أحدث ثورة في فهم النفس البشرية.

ويمكن النظر إلى هذه المناظرة باعتبارها حوارًا بين العلم والفكر؛ بين أينشتاين من جهة، وفرويد من جهة أخرى، حيث يحاول كلاهما الوصول إلى أسباب الحرب والعدوانية والكراهية بين البشر.

وتكشف هذه المراسلات عن وجهات نظر الطرفين في قضايا عديدة، مثل الدولة والسلطة والطبيعة البشرية والنوازع العدوانية، بالإضافة إلى المسئولية الأخلاقية للمفكرين وقادة الفكر في العالم، وصولًا إلى الجذور العميقة للحرب.

وجرت هذه المناظرة على هيئة مراسلات متبادلة بين أينشتاين وفرويد عام 1933، عبر المعهد الدولي للتعاون الفكري، الذي أنشأته عصبة الأمم بهدف تشجيع الحوار الفكري حول القضايا التي تهم البشرية، وضم في عضويته عددًا من أبرز المفكرين في ذلك الوقت.

وطُلب من أينشتاين أن يختار شخصية بارزة لمناقشة إحدى القضايا الكبرى التي تشغل العالم، فاختار سيغموند فرويد لمناقشة مسألة الحرب.

وكان سؤال "لماذا الحرب؟" منطقيًا للغاية في تلك اللحظة التاريخية المضطربة؛ فقد جاء بعد الحرب العالمية الأولى التي سُمّيت بالحرب العظمى، وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وفي عالم تتصارع فيه أيديولوجيات متباينة مثل الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، والفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا.

في رسالته، حاول أينشتاين الإجابة عن السؤال، ورأى أن لدى الإنسان نزعة للتدمير، كما طرح تصورًا لحل الصراعات بين الدول من خلال إنشاء هيئة عالمية تفصل في النزاعات الدولية.

وتبدو هذه الفكرة قريبة من التصور الذي تقوم عليه مؤسسات دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية اليوم، غير أن أينشتاين شدد على ضرورة أن تمتلك مثل هذه الهيئة قوة حقيقية تمكنها من تنفيذ قراراتها، وهو ما تفتقر إليه كثير من المؤسسات الدولية في وقتنا الحاضر.

أما فرويد، فقد تناول السؤال من زاوية نفسية، مستندًا إلى نظرياته حول الدوافع الإنسانية، ورأى أن الإنسان تحركه قوتان أساسيتان: نزعة الحياة المرتبطة باللذة والبناء، ونزعة التدمير والعدوان.

واعتبر فرويد، أن الحروب ليست انحرافًا طارئًا في التاريخ البشري، بل تعبيرًا عن نزعة تدميرية كامنة في الإنسان، ظهرت في سلوك البشر عبر العصور، حتى وإن حاولوا تجميلها بمصطلحات أو مبررات مختلفة.

كما أرجع فرويد اندلاع الحروب جزئيًا إلى خوف السلطات من أن تتحول هذه النزعات العدوانية إلى الداخل فتدمر المجتمعات، فيُوجّهها إلى الخارج عبر الحروب والصراعات.

واتفق فرويد مع أينشتاين على أهمية وجود هيئة دولية تفصل في النزاعات بين الدول، كما أشار إلى ضرورة وجود طبقة من المثقفين والمتعلمين المؤمنين بالسلام، تكون قادرة على التأثير في الرأي العام وتوجيهه نحو السلم بدل الحرب.

ونشرت هذه الرسائل المتبادلة بين أينشتاين وفرويد عام 1933 من قبل المعهد الدولي للتعاون الفكري، ضمن سلسلة من الرسائل المفتوحة التي تبادل فيها كبار المفكرين آراءهم حول القضايا الحيوية التي تهدد البشرية، وكان من أبرزها خطر الحرب.

وفي ظل اللحظة الراهنة التي لا توحي بانحسار التوترات الإقليمية والعالمية، بل تنذر باتساعها، تبدو هذه المناظرة بين أينشتاين وفرويد محاولة جديدة ضمن مساعي الإنسان الدائمة للإجابة عن السؤال الذي ما زال يلاحق البشرية حتى اليوم: لماذا الحرب؟



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك