جرائم وهلاوس ودماء.. ضريبة الإقامة فى «لوكاندة بير الوطاويط» - بوابة الشروق
الأربعاء 28 أكتوبر 2020 1:34 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

جرائم وهلاوس ودماء.. ضريبة الإقامة فى «لوكاندة بير الوطاويط»

كتب ــ عمرو عز الدين:
نشر في: الجمعة 16 أكتوبر 2020 - 10:00 م | آخر تحديث: الجمعة 16 أكتوبر 2020 - 10:00 م

يعود الكاتب والسيناريست المصرى أحمد مراد فى روايته الأحدث والأكثر مبيعا منذ صدورها «لوكاندة بير الوطاويط»، إلى عالم الجريمة الذى يبرع فى تقديمه وبخطوات واثقة تعرف طريقها جيدا، فى مسرح أحداث خلال فترة ضبابية من تاريخ مصر، لا يقرأ عنها الكثيرون سوى بضعة سطور فى كتب التاريخ المدرسية، مع استخدام تقنية التاريخ البديل، لخلق أحداث تاريخية لم تقع من الأساس ما يمنح المؤلف حرية الحركة دون التقيد بوقائع معروفة سلفا.
رواية «لوكاندة بير الوطاويط» الصادرة عن دار الشروق، هى رواية جريمة وإثارة بامتياز تدور أحداثها فى القاهرة عام 1865، فيها سلسلة من الجرائم الدموية المترابطة فيما بينها بخيط لا يتم الكشف عنه إلا قرب النهاية، وقاتل متسلسل يقوم بجرائمه فى أغرب الظروف وبأبشع الطرق ومهما كانت الاحتياطات المتخذة للحيطة والحذر، ومجموعة من المعلومات والخيوط الملقاة هنا وهناك، حتى تتضافر هذه الخطوط وتتقارب لتصير خطا واحدا واضحا يكشف الغموض قبل إسدال الستار. كل هذه العوامل وُضعت بعناية فى أماكنها الصحيحة إلى جانب الدور الرئيسى للمحقق الخاص غريب الأطوار العبقرى والمجنون، سليمان أفندى السيوفى مصور الموتى، الذى ربما هو أكثر شخصيات أحمد مراد نبضا بالحياة، وعلى عاتقه تقع مسئولية حل ما عصى على العقل الطبيعى حله.
سليمان جابر السيوفى، مصور موتى يعيش فى عالم خاص تتداخل فيه الهلاوس والضلالات بالحقائق فلا يمكن الإمساك بأيها وقع وأيها لا، وقد غلبت القتامة وظلام الأجواء على أحداث الرواية ربما لأن الرواى هنا هو سليمان أفندى عبر يوميات كتبها هو بنفسه، فنقل من خلالها كل ما يعترى نفسه من ظلام كامل، انعكس ذلك عبر يوميته الأولى التى حملت نمرة 34، وحيث كان يكتب وصيته قبيل انتحاره قائلا: «هذه هى رسالتى الأخيرة للعالم المظلم»، هكذا كان يرى العالم، وهكذا كان يعيش فيه بأوقات عديدة حين يختلى بألواح الكاميرا الحساسة فى الظلام ليستخرج منها ما التقطته عدسته.
اتسمت شخصية سليمان السيوفى بالوقاحة وخفة الدم فى مزيج أنتج عديدا من المواقف الكوميدية خففت من وطأة الجو العام المسيطر، وربما يجسد السيوفى شخصا مصاب بالنرجسية الشديدة والبارانويا المتقدمة، حيث يتخيل هجين القمر، الكائن الزاحف الفضائى العتيق، يطارده هو بالذات، ما يجعله يتخفى دائما ويتجنب السير فى ضوء القمر بسببه، كما يشك فى كل من حوله ظنًا منه أنهم جواسيس يتجسسون عليه لصالح غريمه المزعوم السلطان العثمانى عبدالعزيز الأول، وهكذا تعرف أنه أسير ضلالاته وهلاوسه ويؤمن بها أشد الإيمان، وفى نفس الوقت لا يمنعه ذلك قيامه بدوره فى التحقيق الخاص وكشف ملابسات الجرائم الواقعة واحدة تلو الأخرى.
شخصية المحقق الخاص واحدة من أهم شخصيات الأدب فى العالم، ولعل شيرلوك هولمز هو أشهرها، إلى جوار هيركيول بوارو ومس ماربل، وفى الأدب المصرى كانت هناك سلسلة المغامرون الخمسة وملف المستقبل، وكلها ظلت فى إطار أدب الناشئين الموجه لتلك الفئة العمرية فقط، لذلك تكتسب شخصية سليمان السيوفى ذلك البريق المميز لمنطقة مثلها غير مطروقة بشدة فى الأدب المصرى والعربى بشكل عام.
على حد علمى فإن اللغة المستخدمة فى كتابة يوميات الرواية هى لغة بنت عصرها على قدر الإمكان، باعتبار أنها رواية وليست كتاب تاريخ يتقصى الدقة ويتحرى أمانة النقل، طعمتها مصطلحات لم تعد تستخدم فى وقتنا الحالى، وكثير من الأمثال الشعبية العامية التى كانت منتشرة آنذاك، بما فيها من معان مضحكة وحكمة بالغة وبساطة متناهية وأحيانا جريئة ومباشرة وصادمة فى مفرداتها، وهى علامة أخرى من علامات شخصية السيوفى أفندى الذى تجرى تلك الأمثال طول الرواية على لسانه أو نقلا عن لسان آخر بأسلوبه وطريقته أيضا.
السؤال الذى انشغلت به كثيرا منذ بدأت إقامتى فى لوكاندة بير الوطاويط، كيف يمكن لى كقارئ تمييز الحقائق والوقائع والحلول الأكيدة لكل الأحجيات المنتشرة هنا وهناك، من بين هذا الكم الهائل من الهلاوس والضلالات والرؤى المزيفة والأصوات التى لا وجود لها؟ كيف يمكن لرواية تنتمى لهذا النوع أن تقدم لى نهاية منطقية تفك غموض كل الصفحات السابقة لها، إن كان الراوى لا يعرف الواقع الفعلى من بين الخيال والأوهام المنتشرة فى عالمه؟ وقد وجدت إجابة ربما تخصنى فقط كمتلق وحسب رؤيتى وتفسيرى من خلال طريقة الحكى فى اليوميات التى تعكس الوقائع على لسان الشخصيات الأخرى طالما كانت هى المتكلم، بينما تعكس الأوهام والضلالات على لسان السيوفى ومن يبتكرهم خياله من شخصيات أخرى غالبيتها يخيم عليها الطبع الغرائبى.
بينما يحدث كل هذا نأخذ جولة عبر مشاهد متنوعة للقاهرة فى هذا الزمن، وبعض ملامح مما يحدث فى شوارعها وقصورها، ويتعرض لحادث اغتيال الرئيس الأمريكى أبراهام لينكون وتأثيره غير المباشر فى الشارع الذى يبعد عنه مسافة قارة ونصف، ويطوف بنا فى نزهة تلقى بنا تارة فى الحملة الفرنسية وتارة فى بدايات فترة حكم محمد على، ومن المنطقى أن يتعرض لمنطقة بير الوطاويط فى بيت الكريتلية بالسيدة زينب وسر هذه البئر وتسميتها بهذا الاسم، مازجا الواقع بخيال مصور الموتى الواسع والمهيأ تماما لإضافة أى خرافات إلى وحدات تخزينه.
«لوكاندة بير الوطاويط» رواية تصدرت قوائم الأكثر مبيعا منذ صدورها قبل عيد الأضحى الماضى، وصدرت فى 4 طبعات حتى لحظة كتابة هذه السطور، تضم يوميات مصور الموتى سليمان أفندى السيوفى، حين تم تكليفه بتقصى الحقيقة حول مصرع أحد الباشوات بطريقة شنيعة، وبخبرته الموروثة فى تحليل مسرح الجريمة، يكتشف أن الوفاة وراءها قتل عمد كما أنها ليست سوى الأولى فى سلسلة من الاغتيالات أدرك دون مجهود أنها ستنتهى به.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك