التعديلات الدستورية في كازاخستان ترسم مسارا سياسيا أقرب للصين والخليج وتنأى بالبلاد عن الغرب - بوابة الشروق
الخميس 19 مارس 2026 11:49 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

التعديلات الدستورية في كازاخستان ترسم مسارا سياسيا أقرب للصين والخليج وتنأى بالبلاد عن الغرب

لندن - د ب أ
نشر في: الثلاثاء 17 مارس 2026 - 9:39 ص | آخر تحديث: الثلاثاء 17 مارس 2026 - 9:39 ص

صوت ناخبو كازاخستان يوم الأحد الماضي (15 مارس)، لصالح أوسع تعديلات شامل لدستور البلاد منذ اعتماده في عام 1995 في ظل رئاسة الرئيس السابق للبلاد، نورسلطان نزارباييف.

وتشكل التعديلات الجذرية لقرابة 80% من مواد الدستور مسار كازاخستان في المستقبل، وسوف تكون جزءا من إرث الرئيس قاسم جوهارت توكاييف- الآن في عامه السابع بالرئاسة- وقد نجح في مواجهة سلسلة من الأزمات، بما في ذلك جائحة كوفيد-19، واحتجاجات ومحاولة انقلاب في 2022، والحرب المتواصلة في أوكرانيا.

وترى المحللة السياسية، كيت مالينسون- وهي زميلة مشاركة في "برنامج روسيا وأوراسيا"- في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس)، أن توكاييف واجه، رغم ذلك، صعوبة في تحديد هويته الرئاسية والابتعاد عن الحكم الشخصي لسلفه، والنظام السياسي الذي أنشأه.

وتقول مالينسون إنه إضافة إلى التغيير الهيكلي للنظام السياسي، يسعى توكاييف إلى ترسيخ بعض القضايا والمحاور الرئيسية من رئاسته في الثقافة السياسية لكازاخستان ، بما في ذلك وجود دولة قوية وقانونية، تركز على الاستقرار الاجتماعي، والعلمانية، وحماية البيئة والتقدم الرقمي.

وتقول الحكومة إن الدستور الجديد من شأنه أن يؤدي إلى تحديث وتبسيط النظام السياسي. ولكن هذا النوع من التحديث- قيد التنفيذ بالفعل- يعني الابتعاد عن النماذج الاقتصادية الليبرالية الغربية التي تركز على الخصخصة، وعلى التحرير الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وتؤكد المحللة مالينسون أنه، بدلا من ذلك، سوف تتجه كازاخستان نحو نظام سلطوي أكثر مؤسسية، وأقل شخصية- يشبه الاقتصاد السياسي في الجارة الصين. وتعتقد أن السلطوية التكنوقراطية في الصين تروق لتوكاييف حيث عمل مستشارا للسفير السوفيتي في أواخر الثمانينات من القرن العشرين. وبدلا من التطلع للغرب، تنظر إدارة الرئيس الآن- بدعم من قطاعات واسعة من الطبقة المهنية- إلى محاكاة الاقتصادات التي تقودها الدولة، مثل الصين، ومنطقة الخليج.

وتشمل التغييرات الدستورية التحول إلى برلمان من مجلس واحد (كورولتاي)، وإنشاء "هالك كينيسي"- هيئة جديدة تمثل المواطنين. كما سيتم إعادة توزيع السلطات بين الرئيس والبرلمان، مع احتفاظ الرئيس بصلاحيات واسعة، وإنشاء نظام أكثر توازنا للرقابة والمراجعة.

وتمنح الصلاحيات الجديدة الرئيس القدرة على تعيين جميع مرشحي المحكمة العليا، وأعضاء المحكمة الدستورية، وديوان الرقابة العليا واللجنة المركزية للانتخابات، شريطة موافقة البرلمان (كورولتاي). كما سيلعب هؤلاء المسؤولون دورا محوريا في ضمان بقاء توكاييف في سدة الحكم. وعلاوة على ذلك، لن يتم إقرار التعديلات الدستورية سوى من خلال الاستفتاء، بدلا من البرلمان، ويقول الرئيس إن ذلك سوف يمنع "بعض المجموعات السياسية" من تعديل الدستور.
وتعزز التعديلات الدستورية صلاحيات الرئاسة وتطرح عدة سيناريوهات محتملة لخلافة توكاييف في السلطة. ويمكن للرئيس استخدام نتائج الاستفتاء الدستوري مبررا للسعي إلى فترة رئاسية جديدة مدتها سبع سنوات.

وتنتهي الفترة الحالية – والأخيرة لتوكاييف- في 2029، عندما يبلغ 76 عاما، ويمكنه التنحي مبكرا، وتولي منصب نائب الرئيس، مع تنصيب خليفة له. ويتيح له هذا المنصب الأخير إدارة الشؤون الخارجية المُعقدة لكازاخستان، دون ضغوط المهام الداخلية اليومية.

ومن المرجح أن يحظى توكاييف بدعم واسع، في الداخل والخارج- لتمديد فترة ولايته كرئيس، حيث ستفضل روسيا والصين استمرار العلاقات مع كازاخستان، وتعتبر الدولتان توكاييف شريكا فعالا.

وترى روسيا، بشكل خاص، أن توكاييف يمثل ضمانة ضد موجة من المشاعر المعادية لها، فهو، كدبلوماسي مخضرم، قد تمكن أيضا من العمل بشكل جيد مع الحكومات الغربية، وأبرزها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

كما يرجح أن ترحب الصين بالانتقال إلى نظام أكثر استقرارا ومؤسسية، يشبه نظام بكين. ولكن روسيا ستظل على حذرها من أن الدستور الجديد يعزز سيادة كازاخستان ووحدة أراضيها في مواجهة محاولات موسكو المتنامية لفرض نفوذها.

ويقترح الدستور الجديد أيضا جعل الكازاخية اللغة الرئيسية للبلاد، مع الاحتفاظ بالروسية كلغة رسمية أخرى، رغم تقليص مكانتها.

وفي الوقت نفسه، أعربت منظمات حقوق الإنسان عن قلقها بشأن التعديلات الدستورية التي جرت الموافقة عليها في الاستفتاء.

ورغم أن النص يؤكد أهمية حقوق الإنسان ويوضح الآليات الدستورية ذات الصلة، تقول هذه المنظمات إنه يمنح الحكومة المزيد من النفوذ لقمع حرية التعبير، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات. وتشمل التعديلات حظر تلقي الأحزاب السياسية والنقابات أي تمويل أجنبي.

وقبل التصويت الذي جرى على نحو سريع وقعت حوادث من الترهيب الأمني وتم اعتقال صحفيين انتقدوا التعديلات المقترحة، وهو ما لا يعد مؤشرا على مجتمع أكثر انفتاحا.

كما أن الدستور الجديد يحذف الإشارة إلى أولوية القانون الدولي على القانون المحلي.

وتقول مالينسون في تحليلها إنه في الوقت الحالي، ليس من المعروف ما إذا كان الأمر موجها للمستثمرين أو أنه يهدف إلى تقييد تطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان داخل كازاخستان. ولكن التعديلات قد يكون لها تداعيات واسعة على المستثمرين، خاصة في قطاعات استخراج الموارد – حيث يوجد أكبر عدد من المستثمرين في البلاد.

وقد يسمح النص الحالي للقانون المحلي بتجاوز التزامات كازاخستان الدولية، ما يتعلق بمعاهدات الاستثمار الثنائية، ومعاهدة ميثاق الطاقة، على سبيل المثال، وسوف يجعل ذلك تنفيذ أحكام التحكيم الدولي أكثر تعقيدا. وأيضا، بحسب التعديلات، لن يكون نواب البرلمان، مضطرين إلى أخذ الالتزامات الدولية بعين الاعتبار عند تطوير تشريعات جديدة، بما أن القانون المحلي ستظل له السيادة الفعلية.

ويقول منتقدو الدستور الجديد إن الهدف من شطب المادة الخامسة التي تمنح المعاهدات الدولية أولوية على القوانين المحلية، هو إظهار أن الاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان لا تنطبق على كازاخستان.

وعلى سبيل المثال، يحدد النص الزواج، حصريا، على أنه "ارتباط بين رجل وامرأة"، مما يعزز التمييز ضد مجتمع الميم (مثليي الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي وللمتحولين جنسيا)، الذي يعد وصمة عار في كازاخستان، ويواجه بالعنف. ورغم أن التعديلات الدستورية ليست خروجا جذريا عن السياسات السابقة، فهي تنأى بكازاخستان، على نحو رسمي أوسع، بعيدا عن الالتزامات السابقة التي تتعلق بالتحرر السياسي والاقتصادي، مهما كانت هذه الالتزامات شكلية.

وفي ختام التحليل، تقول مالينسون إنه في الوقت الذي يسارع فيه الغرب خطواته لتأمين الحصول على المعادن الاستراتيجية في المنطقة، يشكل الدستور الجديد لكازاخستان تحديا أمام الدول الغربية التي لا تزال تلتزم بالنظام القائم على القيم. ولكن الدول ذات النهج التجاري سوف تتمتع بمميزات أوسع، مثل الولايات المتحدة، على الأقل على المدى القصير.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك