تعد رواية «الزيني بركات» لجمال الغيطاني واحدة من أشهر الروايات في الأدب والتراث العربي، حيث تناول «الغيطاني» من خلالها ظاهرة القمع السياسي والخوف، واتكأ على أسبابه وبين مظاهره المرعبة في الحياة العربية، وفيها جسد تجربة معاناة القهر البوليسي في مصر، وتدور حول شخصية تدعى «الزيني» والذى كان يعمل كبيرا للبصاصين، أو رئيسا للمخبرين، في عهد السلطان الغوري، أوائل القرن العاشر الهجري، في فترة كان الشعب يعاني من سطوة السلطان وصراع الأمراء واحتكار التجار وعيون البصاصين، فكانت الرواية نموذجاّ من نماذج القهر والاستبداد التي تعرض له المصريين في هذه الفترة، وقد ترجمت الرواية إلى عدة لغات، كما تم تحويلها لعمل درامي تاريخي من بطولة الفنان أحمد بدير، ونبيل الحلفاوي، وأخرجه يحيى العلمي.
وعن أسباب كتابة هذه الرواية يقول «الغيطاني»:
«جاءت الزيني بركات؛ نتيجة لعوامل عديدة، أهمها في تقديري تجربة معاناة القهر البوليسي في مصر خلال الستينيات، حيث كانت هناك تجربة ضخمة تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وتهدف إلى تحقيق أحلام البسطاء، يقودها زعيم كبير هو جمال عبد الناصر، ولكن كان مقتل هذه التجربة هو الأسلوب الذي تعاملت به مع الديمقراطية، وأحياناً كنا نحجم عن الحديث بهذا الشكل لأن هذه التجربة بعد انتهائها تعرضت وما تزال تتعرض لهجوم حاد من خصوم العدالة الاجتماعية، ومن خصوم إتاحة الفرص أمام الفقراء، ولكنى أتصور أن الشهادة يجب أن تكون دقيقة الآن، خاصة وأن جيلنا، جيل الستينات الذي ننتمي إليه، قد بدأ يدنو من مراحله الأخيرة، لذا يجب أن نترك كلمة حق حتى لا تتكرر تلك الأخطاء».
ويكشف «الغيطاني» كيف أن الرقابة في الستينيات وأساليب البوليس السياسي، كأن أحد أهم العوامل التى قادته إلى التعمق في قرأة التاريخ، ليحاول تفسير ما تشهده مصر في واقعها، فكتب يقول: «عانينا من الرقابة في الستينيات، وأسلوب التعامل البوليسي، وأتصور أن هذا كان أحد أسباب علاقتي القوية بالتاريخ، حيث كنت مهموماً بالبحث في تاريخ مصر، وبقراءة هذا التاريخ خاصة الفترة المملوكية، التي وجدت تشابهاً كبيراً بين تفاصيلها وبين الزمن الراهن الذي نعيش فيه، وأنا عندما أقول الفترة المملوكية، أعني الفترة المملوكية التي كانت مصر فيها سلطنة مستقلة تحمي البحرين والحرمين، وقد انتهت هذه السلطنة في عام 1517 بهزيمة عسكرية كبيرة في مرج دابق شمال حلب».
ليربط ويقارن «الغيطاني» بعد ذلك بما قرأه عن ظروف الحكم في الفترة المملوكية، وظروف الحكم في مصر، في الفترة التي انتقلت فيها من الملكية إلى الجمهورية، وفيل ذلك يقول: «وعندما طالعت مراجع شهود العيان الذين عاشوا هذه الفترة، ذهلت من تشابه الظرف بين هزيمة 67 والأسباب التي أدت إليها، وبين هزيمة القرن الـ16، وأوصلني هذا فيما بعد، إلى ما يمكن أن يسمى باكتشاف وحدة التجربة الإنسانية في مراحل كثيرة من التاريخ حتى وإن بعدت المسافة، على سبيل المثال؛ الألم الإنساني واحد، فالشعور بالحزن هو نفسه الذي كان يعبر عنه المصري القديم أو البابلي القديم، ومصر نتيجة لاستمرارية تاريخها وعدم انقطاعه تتشابه فيها الظروف من فترة إلى أخرى».
ويختتم صاحب «الزيني بركات» أسباب تناوله لقضية البصاصين تحديدًا قائلًا: «سياحتي في التاريخ استقرت في العصر المملوكي، وكنت مهموما بهاجس الرقابة وهاجس المطاردة، قبل أن أدخل المعتقل إلى درجة أنني كتبت عددا من القصص القصيرة عن السجن، نشرت منها قصتين ثم كتبت رواية كاملة عن فكرة المطاردة وظروفها لكنها فقدت عند اعتقلى في عام 1966،والغريب أنني عندما دخلت المعتقل لم أفاجأ بالتفاصيل، فقد كنت أسمعها من زملائي الذين سبقوني في تلك التجربة، وعند خروجي قبل وقوع الهزيمة بشهرين عام 1967 مع زملائي، كتبت قصة اسمها "هداية أهل الورى لبعض ما جرى في المقشرة" وقد افترضت فيها أنني عثرت على مذكرات آمر سجن المقشرة، وهو من السجون الشديدة البشاعة في العصر المملوكي».