حرصت مختلف القوى الغربية فى خضم قيامها بفرض العقوبات على روسيا على محاولة تأمين عدم انعكاس تداعياتها على مصالحها وعلى استقرار أوضاعها السياسية والاقتصادية، وعلى الرغم من قيامها بفرضها بشكل أحادى خارج إطار مجلس الأمن، تمارس تلك القوى ضغوطا هائلة على مختلف دول العالم؛ من أجل دفعها إلى الالتزام بتنفيذها فى تحرك منسق من الواضح أن أهدافه تتخطى مجرد عقاب روسيا على تدخلها العسكرى فى أوكرانيا، لتمتد إلى حدود تشمل العمل على إلحاق أكبر الأضرار بروسيا ومحاولة عزلها دوليا والنيل من الرئيس بوتين ذاته والتأثير فى فرص استمراره فى قيادة البلاد.
وفى الوقت الذى تركز فيه مختلف وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية الغربية على تماسك مواقف مختلف القوى الغربية فى التعامل مع الأزمة الراهنة وإظهارها وكأنها أعادت الحياة إلى الناتو وربما إلى الاتحاد الأوروبى أيضا، جاء التصريح الذى أدلى به وزير خارجية فرنسا JeanــYves Le Drian الذى ذكر فيه أن الحرب التى تشهدها أوكرانيا تفرض ضغوطا هائلة على أوروبا، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة ــ ليلقى الضوء على الحدود القصوى التى يمكن أن تذهب إليها الدول الأوروبية عند فرض العقوبات على روسيا والتى اصطدمت بواقع أن معدلات اعتماد دول الاتحاد الأوروبى فى مجملها على مختلف نوعيات الوقود الأحفورى الروسية تصل إلى ٤١٪ بالنسبة للغاز الطبيعى و٢٦٪ فيما يتعلق بالبترول و٤٦٪ بالنسبة للفحم.
وقد أدى عدم وجود مصادر بديلة جاهزة يمكن تحويل الاعتماد إليها إلى رفض الدول الأوروبية الرئيسية ومنها ألمانيا الانصياع للضغوط الأمريكية التى مورست عليها من أجل دفعها إلى فرض حظر كامل وفورى على الصادرات الروسية من البترول والغاز، وحتى عندما أعلن الاتحاد الأوروبى عن فرض حظر على الصادرات الروسية من الفحم، إلا أن ذلك لا يمثل فى حقيقة الأمر سوى نسبة ضئيلة للغاية تقدر قيمتها بـ٤ مليارات دولار فقط مقارنة بإجمالى قيمة الواردات الأوروبية من روسيا.
ومع كل ما يقال عن الدعم الاقتصادى الذى يقدمه الاتحاد الأوروبى إلى أوكرانيا، إلا أن قيمة هذا الدعم وفقا لما أعلنه جوزيب بوريل الممثل السامى للاتحاد الأوروبى للشئون الخارجية لم تتجاوز حتى الآن ما يعادل المليار يورو فقط مقارنة بمبالغ تقدر بـ٣٥ مليار يورو تمثل قيمة ما قامت دول الاتحاد الأوروبى بسداده لروسيا منذ قيامها بغزو أوكرانيا مقابل وارداتها من البترول والغاز. فدول الاتحاد الأوروبى فى الوقت الذى تحاول فيه تقديم جميع أشكال الدعم لأوكرانيا بما فيها الدعم العسكرى، إلا أن فاتورة وارداتها من البترول والغاز الروسى، والتى تقدر قيمتها بنحو مليار دولار يوميا، توفر جانبا مهما من مصادر التمويل التى تمكن روسيا من مواصلة عملياتها العسكرية فى أوكرانيا، وحتى بعد أن اتخذت دول الاتحاد الأوروبى قرارا باخراج روسيا من نظام السويفت فقد قامت باستثناء ٧ بنوك روسية انخفضت لاحقا إلى ثلاثة وذلك مع استمرار تمتع جيرهارد شرودر مستشار ألمانيا الاتحادية الأسبق بعضوية مجلس إدارة شركة جازبروم الروسية للغاز، يضاف إلى ذلك أن ما أعلنه أولاف شولتز مستشار ألمانيا الجديد قد اقتصر على مجرد تجميد تشغيل المرحلة الثانية من مشروع الـNorth Stream المعنى بنقل الغاز الروسى لألمانيا التى بلغت تكاليفها ١١ مليار دولار وليس تفكيك هذا المشروع أو إلغاء إمكانية اللجوء إلى استخدامه مسقبلا.
وعلى الرغم من إقرار الاتحاد الأوروبى لاستراتيجية جديدة للطاقة تهدف ــ ضمن جملة أمور ــ إلى الحد من معدلات الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية، إلا أن تنفيذ تلك الاستراتيجية يتطلب فترة زمنية قد لا يكون من اليسير الالتزام بها خاصة أن الصفقة التى أبرمتها ألمانيا مع قطر لاستيراد الغاز والتى أعقبها توصل إيطاليا لاتفاق مماثل مع الجزائر لن يسهما إلا بنسب ضئيلة للغاية فى الحد من معدلات الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية، إذ توفر قطر حاليا ما يعادل ٤,٣ ٪ فقط من احتياجات دول الاتحاد الأوروبى من الغاز وتصل تلك النسبة إلى ١١,٦ ٪ بالنسبة للجزائر، وهناك حدود قصوى لإمكانية اللجوء إلى مصادر بديلة أخرى سواء من النرويج أو الولايات المتحدة الأمريكية أو نيجيريا أو من غيرها فى ظل عدم توافر الأعداد الكافية من المنشآت اللازمة لإعادة تحويل الغاز الطبيعى المسال LNG إلى طبيعته الغازية الأصلية، وقد زاد من تعقيد الموقف ما أعلنته الأوبك فى اجتماعها المشترك مع الاتحاد الأوروبى فى فيينا يوم ١١ إبريل من أن العقوبات المفروضة على روسيا قد تخلق واحدة من أسوأ صدمات المعروض من البترول على الإطلاق، وأنه من الصعوبة البالغة ان تتمكن الأوبك من تعويض الــ٧ ملايين برميل يوميا من البترول الروسى فى ظل تمسك عدد من الدول البترولية الرئيسية بعدم زيادة الإنتاج.
ويعتبر عدم قدرة الاتحاد الأوروبى على فرض حظر على الصادرات الروسية من البترول والغاز بمثابة الثغرة الكبرى فى جملة العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، يضاف إلى ذلك أن أحدا لا يمكن أن يتوقع مختلف أبعاد الآثار الكارثية التى يمكن أن تلحق بالأوضاع فى دول الاتحاد الأوروبى إذا ما أقدمت روسيا هى من جانبها على فرض حظر على صادراتها من البترول والغاز وانعكاس ذلك على مجمل الأوضاع الاقتصادية العالمية، كما تبدو التصريحات الصادرة عن بعض كبار المسئولين فى المفوضية الأوروبية عن إمكانية توفير «مسار سريع» يسمح بانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبى فى المستقبل القريب غير واقعية، إذ إن الانضمام للاتحاد الأوروبى يخضغ إلى مجموعة معقدة من المعايير خاصة أن هناك قائمة من الدول التى تتطلع للانضمام للاتحاد الأوروبى، فبالإضافة إلى «إشكالية تركيا» المعروفة، هناك مجموعة من دول منطقة البلقان التى لا تزال ينظر فى إمكانية انضمامها منها مقدونيا منذ ٢٠٠٥ والجبل الأسود منذ عام٢٠١٠ وصربيا منذ عام ٢٠١٢ والبانيا منذ عام ٢٠١٤، وخلافا لما يتردد عن الآثار الكارثية للعقوبات الغربية المفروضة على روسيا، فقد حققت المتحصلات الروسية من العملات الأجنبية، وفقا لوكالة بلومبرج، تزايدا ملحوظا من تصدير البترول والغاز إلى درجة أن روسيا اليوم تتحصل على ما يقارب المليار دولار يوميا من حصيلة تصديرهما مقارنة بـ٦٥٠ مليون دولار يوميا قبل قيامها بغزو اوكرانيا، ومن المتوقع ان تصل قيمة صادرات روسيا من البترول والغاز ما يقرب من ٣٢١ مليار دولار بنهاية العام الحالى، بزيادة أكثر من الثلث عن عام ٢٠٢١. كما يتوقع المعهد الدولى للتمويل أن تحقق روسيا فائضا كبيرا فى الحساب الجارى قد تصل قيمته إلى أكثر من ٢٤٠ مليار دولار، ويأتى ذلك ضمن العوامل التى أدت إلى استعادة الروبل لجانب كبير من الخسائر التى لحقت بقيمته عقب قيام القوى الغربية بفرض العقوبات غير المسبوقة على روسيا، وهو الأمر الذى يتزامن مع انتقال تداعيات العقوبات المفروضة على روسيا إلى الدول التى قامت بفرضها وكذلك إلى مختلف دول العالم، فمعدلات التضخم غير المسبوقة التى تشهدها مختلف الاقتصاديات الغربية والارتفاعات المتلاحقة فى اسعار البترول والغاز والفحم والقمح والذرة والعديد من المواد الأولية باتت تؤثر سلبا فى مجمل الأوضاع الاقتصادية العالمية وتدفع إلى إعادة النظر فى التقديرات المتصلة بمعدلات النمو العالمية وإلى توقع تفجر أزمة غذاء نتيجة لنقص المعروض من عدد من المحاصيل الأساسية ولارتفاع اسعارها.
ويبدو واضحا أن العقوبات الغربية المفروضة على روسيا قد فشلت فى إجبارها على التراجع عن عملياتها العسكرية الجارية أو حتى فى دفعها إلى المطالبة بوقف لإطلاق النار، فموسكو تبدو ماضية رغم الخسائر التى لحقت بها فى مخططاتها لتخلق واقعا جديدا بالنسبة لها وكذلك بالنسبة لأوكرانيا ولأوروبا وللغرب بأسره ولتوازنات القوى العالمية، فاستمرار العمليات العسكرية من جانب وتصعيد فرض العقوبات من جانب آخر لا يمكن إلا أن يسهما فى المزيد من التدهور للأزمة الراهنة التى باتت تمثل تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين وتؤدى إلى خلق أزمة إنسانية كبرى يعانى منها ملايين اللاجئين والنازحين وأصبحت تداعياتها تنعكس سلبا على مجمل الأوضاع فى مختلف دول العالم دون استثناء وعلى مصداقية الأمم المتحدة والنظام الدولى متعدد الأطراف، وقد كان من الأجدر أن تنظر مختلف القوى الغربية بقدر أكبر من الموضوعية فى الاستجابة للضمانات الأمنية التى تطلبها روسيا والتى تعد تكرارا لما سبق لموسكو أن أكدت على أهميته عقب وحدة الألمانيتين عام ١٩٩٠ وانهيار وتفكك الاتحاد السوفيتى عام ١٩٩١ بدلا من أن تتطور الأمور إلى الحدود التى وصلت إليها والتى يمكن أن تؤدى فى النهاية إلى تحول أوكرانيا إلى دولة مقسمة لن تنضم فى النهاية إلى الناتو وقد لا تتمكن أيضا من الانضمام فى المستقبل القريب إلى الاتحاد الأوروبى فى مأساة ترجع فى مجملها إلى تقديرات خاطئة من قبل جميع الاطراف وقد لا تؤدى فى النهاية إلى تحقيق القوى الغربية لنصر استراتيجى حقيقى على روسيا أو على غيرها.
وهو الأمر الذى يتزامن مع انتقال تداعيات العقوبات المفروضة على روسيا إلى الدول التى قامت بفرضها وكذلك إلى مختلف دول العالم، فمعدلات التضخم غير المسبوقة التى تشهدها مختلف الاقتصاديات الغربية والارتفاعات المتلاحقة فى اسعار البترول والغاز والفحم والقمح والذرة والعديد من المواد الأولية باتت تؤثر سلبا فى مجمل الأوضاع الاقتصادية العالمية وتدفع إلى إعادة النظر فى التقديرات المتصلة بمعدلات النمو العالمية وإلى توقع تفجر أزمة غذاء نتيجة لنقص المعروض من عدد من المحاصيل الأساسية ولارتفاع أسعارها.
ويبدو واضحا أن العقوبات الغربية المفروضة على روسيا قد فشلت فى إجبارها على التراجع عن عملياتها العسكرية الجارية أو حتى فى دفعها إلى المطالبة بوقف لإطلاق النار، فموسكو تبدو ماضية رغم الخسائر التى لحقت بها فى مخططاتها لتخلق واقعا جديدا بالنسبة لها، وكذلك بالنسبة لأوكرانيا ولأوروبا وللغرب بأسره ولتوازنات القوى العالمية، فاستمرار العمليات العسكرية من جانب وتصعيد فرض العقوبات من جانب آخر لا يمكن إلا أن يسهما فى المزيد من التدهور للأزمة الراهنة التى باتت تمثل تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين وتؤدى إلى خلق أزمة إنسانية كبرى يعانى منها ملايين اللاجئين والنازحين وأصبحت تداعياتها تنعكس سلبا على مجمل الأوضاع فى مختلف دول العالم دون استثناء وعلى مصداقية الأمم المتحدة والنظام الدولى متعدد الأطراف، وقد كان من الأجدر أن تنظر مختلف القوى الغربية بقدر أكبر من الموضوعية فى الاستجابة للضمانات الأمنية التى تطلبها روسيا والتى تعد تكرارا لما سبق لموسكو أن أكدت على أهميته عقب وحدة الألمانيتين عام ١٩٩٠ وانهيار وتفكك الاتحاد السوفيتى عام ١٩٩١ بدلا من أن تتطور الأمور إلى الحدود التى وصلت إليها والتى يمكن أن تؤدى فى النهاية إلى تحول أوكرانيا إلى دولة مقسمة لن تنضم فى النهاية إلى الناتو وقد لا تتمكن أيضا من الانضمام فى المستقبل القريب إلى الاتحاد الأوروبى فى مأساة ترجع فى مجملها إلى تقديرات خاطئة من قبل جميع الأطراف وقد لا تؤدى فى النهاية إلى أن تحقيق القوى الغربية لنصر استراتيجى حقيقى على روسيا أو على غيرها.