تتغير نظرة الإنسان إلى الحياة عندما يشعر بأن الوقت المتبقي له يضيق، فتكتسب التفاصيل اليومية التي اعتاد المرور بها دون انتباه قيمة أكبر، ويصبح دفء يد تمتد إليه أو صوت مألوف في الغرفة المجاورة سببا يدفعه إلى التمسك بيوم آخر.
ومن هذه الفكرة، طرح الروائي أحمد صبري أبو الفتوح روايته «اسمها حياة»، الصادرة عن دار الشروق، من خلال حكاية قاض يعود إلى بيت أسرته في القرية بعد رحلة علاج لم تمنحه الأمل الذي كان ينتظره؛ ليجد نفسه أمام ماض يستدعيه، وحاضر يفاجئه بأسباب جديدة للرغبة في البقاء.
يعود الرجل وهو يشعر بالخوف من الألم والوحدة، ويحاول ترتيب شئون أسرته، لكنه يجد نفسه مستغرقا في استعادة سنوات عمره، ومراجعة ما حققه من نجاح وما قدمه من تضحيات، متسائلًا عما إذا كان قد عاش الحياة كما أراد.
ومن خلال حديثه مع نفسه، تكشف الرواية عن إنسان لم يعد قادرا على إخفاء خوفه أو التظاهر بالقوة، فمعرفته بقرب النهاية لا تخفف قلقه، ولا تمنحه الطمأنينة التي يبحث عنها.
وتضيف مهنته معنى إلى تجربته، فالقاضي المعتاد على فحص الوقائع والبحث عن اليقين يجد نفسه أمام أسئلة لا تحسمها الأدلة، وجسد لا يستطيع توقع ما سيحدث له، ومع احتياجه إلى المساعدة في الطعام والملابس والحركة، يكتشف ما يمنحه الرفق من راحة، فتقترب الرواية من حرج الاحتياج، ومن أثر الرعاية حين تحفظ للمريض كرامته، وتعينه دون أن تختصر وجوده في ضعفه.
يتغير إحساس الرجل بالوقت بعا لما يمر به؛ فتطول اللحظات التي ينتظر فيها المساعدة، بينما تتسع الساعة الهادئة لتضم حديثا وذكرى وضحكة.
ومن خلال الانتقال بين يومه الحاضر وذكرياته، تقترب الرواية من مشاعره كما يعيشها، فيما تختلط الأحلام بصور الغائبين، ويعود الأب والأم إلى ذاكرته بحضور يخفف وحشته ويعيد إليه شيئًا من أمان الطفولة.
وتمنح هذه العودة للحكي حميميته، إذ نشعر بأن ما يحفظه الإنسان من وجوه أحبها يستطيع أن يؤنسه حين يخاف، وأن الصلات التي صنعت حياته تظل قادرة على منحه السند، حتى بعد غياب أصحابها بسنوات طويلة.
ويجد الراوي في بيت أسرته مكانا يستطيع أن يستعيد داخله نفسه ابنا وطفلا، فالغرف والأثاث والنوافذ تحفظ صلاته بالغائبين، ويتمسك بتفاصيل البيت وأخطاء بنائه لأنها تخص أباه، فيما تمنح ذكريات الأسرة الحكاية دفئها، حيث تجمع الجدة أسماء أهل القرية لتدعو لهم في الحج، وتنتبه الأم إلى ما قد يجرح غيرها، ونعرف المحبة من أفعالها اليومية، ونفهم كيف يتعلم الأبناء الرعاية، ثم يحملونها معهم إلى علاقاتهم، ويكتشفون أنهم يكررون كلمة أو حركة ممن أحبوا.
وتفتح حكاية الأب بابا على تاريخ مصر الاجتماعي، من العمل في الوسية إلى امتلاك الأرض والتعليم واتساع الأمل في المستقبل، ويصبح تعلقه بالإصلاح الزراعي مفهوما من خلال ما تغير في إحساسه بنفسه ومكانه بين الناس، كما نفهم موقف الراوي من التجربة الناصرية بوصفه امتدادا لهذه الذاكرة، فتمنح المواقف العائلية التاريخ معناه القريب، وتكشف أثر التحولات في حياة أسرة وقطاع واسع من المجتمع.
وعلى امتداد العودة، يظل الطفل الذي كانه الراوي حاضرا، وهو ما يمهد له عنوان القسم الأول «بداخلي طفل يغني»، فنراه يتذكر بكاءه حين بدأ العمال تجديد البيت، كأنه يخشى فقد ما يعرفه، وتعود الأغنيات لتصل مراحل عمره، خصوصا «بكرة السفر» التي تتغير مشاعره تجاهها باختلاف الرحلات، ويمنح هذا الحضور للطفولة والغناء الحكي خفة تترك للبهجة مكانا وسط الخوف.
وتدخل حياة إلى أيامه حاملة خبرة رعاية زوج مريض ومسؤولية ثلاثة أطفال، فيكبر حضورها عبر تفاصيل يومية، كإعداد الطعام والانتباه إلى الدواء واحترام خجله من المساعدة، ومع الحديث تنكشف حاجتها إلى من يسمعها، وينشأ بينهما تقارب يعيد إلى الرجل اهتمامه بالعالم، فيما يمنح الأطفال البيت حركة وأسئلة ومواعيد، ويجد معهم ما يشغله عن ألمه، وما يجعله ينتظر يوما جديدا يشاركهم تفاصيله.
ولا يقتصر معنى اسم حياة على ما تعيده إلى أيامه من دفء، فحكايتها تكشف امرأة حرمت من اختيارات وحقوق، إذ أرادت استكمال تعليمها والالتحاق بالجامعة، لكن إخوتها ألحقوها بمدرسة فنية لتجنب نفقات دراستها، ثم حرموها نصيبها في بيت أسرتها، كما تقول: «دار أبي وأمي لم أرث فيها سنتيمترا واحدا، حرمني إخوتي من نصيبي فيها، قالوا إننا لا نورث البنات في الدار»، وحتى ضحكتها تعرضت للمنع والعقاب، وحين تبكي يضربونها أيضا، بينما تبرر الأم ذلك بقولها: «بكاؤك كضحكك، كلاهما فتنة».
وحين فقدت زوجها، أصبحت مطالبة بإعالة أطفالها ومراعاة كلام الناس، واحتاج قبولها العمل إلى موافقة إخوتها، وهو ما تلخصه بقولها: «الأرملة دائما عرضة للقيل والقال، لا أحد يرحم»، فنفهم أن حاجتها إلى الأمان لا تقل عن حاجة الرجل الذي ترعاه، فهو يخشى فقد الحياة، وهي تحاول استرداد حقها في أن تعيشها، بعدما اعتاد الآخرون أن يقرروا بالنيابة عنها.
وتأخذ علاقته بابنته مكانا خاصا، فقد اعتاد أن يكون مصدر أمانها، ثم يجد نفسه محتاجا إلى رعايتها، وهي راغبة في مشاركته خوفه، فتتبادل الأبوة والبنوة أدوار الحماية، ويصبح الإصغاء تعبيرا عن الحب بقدر ما كانت التضحية طريقته القديمة، كما تمنحه مراجعة علاقاته فرصة للتساؤل عن أثر المقارنات بين الأبناء في الغيرة، وعن الجراح التي يحملها الإنسان معه عبر السنوات.
ويحضر الإيمان عبر الدعاء والتلاوة والرجاء، بينما تكشف الرواية أثر التشدد حين يدخل العلاقات العائلية، فيحل التخويف محل الألفة، كما نرى في شقيق الراوي، الذي يمتنع عن زيارته بسبب ما وصفه بـ"سفور زوجة الراوي"، ويهدد ابنة أخيه بالنار حين تزور جديها، فتعود إلى أبيها باكية: «هذا الرجل في الخارج يقول إن الله سيدخلني النار مثلك ومثل أمي، لأنني ألبس فستانا بدون أكمام»، فيحتضنها أبوها، ويتدخل جدها معاتبا ابنه المتشدد: «حتى الطفلة التي جاءت لتعرف أهلها تنفرها منا بحديثك الماسخ؟!».
ويمتد التدخل إلى شيخ الجامع، الذي يعترض على بقاء حياة لرعاية الراوي، ويستدعي إخوتها لمنعها، فيدافع المريض عن حاجته إليها قائلا: «أنا رجل مشرف على الموت، وأختكم تمرضني بأجرها، ليست خادمة»، لكن الشيخ يتمسك بموقفه، وينقل عنه السرد أن «مجرد وجود رجل وامرأة وحدهما محرم، حتى لو كان يلفظ أنفاسه»، فتصبح الرعاية موضعا للشك، ويهدد كلام الناس طمأنينة شخصين يحتاجان إلى من يقدر ظروفهما.
وتجتمع مشاعر الراوي بين الرجاء والخوف والمحبة في حديثه إلى حياة: «يا حياة! أنا على يقين من أن ما لدى الغيب أفضل كثيرا مما لدي، أهذا ما يسمونه في علم الأديان حسن الظن بالله؟! ربما، وربما يكون كل شيء مختلفا، من أين لنا أن نعرف إذا لم نؤمن بما بعد الموت. يا حياة! أنا زاهد في كل شيء إلا فيك».
وتترك الرواية أثرها عبر هذا التعلق بمن يمنحون أيامنا معناها، فتجمع دفء الذاكرة وحنان الأسرة ودهشة الحب، وتجعل من يد تساعد وكلمة تؤنس وحضور يخفف الوحدة أسبابا للتمسك بالحياة، ويخرج القارئ منها أكثر انتباها لقيمة القرب، ولما قد نؤجله من فرح ومحبة، مطمئنين إلى أن الوقت سيظل متاحا.
وأحمد صبري أبو الفتوح روائي مصري، درس الحقوق في جامعة القاهرة وعمل بالسلك القضائي حتى أصبح رئيسًا للنيابة العامة، ثم استقال وعمل بالمحاماة.
تعد خماسيته الشهيرة «ملحمة السراسوة» من أبرز أعماله، وقد نال عن الجزء الأول منها جائزة ساويرس الثقافية للرواية -فئة كبار الكُتَّاب.
وصدر لأحمد صبري أيضًا أربعة عشر عملًا روائيًّا منها «صاحب العالم»، و«مراد العارف».