نبيل نعوم يكتب: اختراع الحروب - بوابة الشروق
الخميس 26 فبراير 2026 6:00 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

نبيل نعوم يكتب: اختراع الحروب


نشر في: الجمعة 20 فبراير 2026 - 5:36 م | آخر تحديث: الجمعة 20 فبراير 2026 - 9:04 م

من الأسئلة التى تواجهنا كبشر على الأقل فى المراحل التى نتسم فيها بما يسمى بالعقلانية الأخلاقية أو الدينية أو الاجتماعية، مرورا بالمحفزات السياسية والاقتصادية: لماذا تلاحقنا الحروب، حسب التاريخ المنقوش أو المكتوب أو الشفاهى منذ أقدم العصور، وحتى باتباع علم العظام الأثرى، فلا روايات مكتوبة، بل شظايا جماجم وطعنات قديمة وكسور عافها الزمن؟ منذ أن تنتهى البشرية من حروب بدائية بين القبائل أو بين الممالك والامبراطوريات حتى تعود أشد ضراوة كما حدث فى القرون القريبة السابقة. هل الحرب امتداد بيولوجى فقط كشرط لاستمرارنا، أم كفعل معقد موروث تلتقى عنده علوم الطبيعة والإنسان والنفس والبيولوجيا، مرورا بالأنثروبولوجيا والإيكولوجيا؟


وعموما تنجم الحروب عن أسباب عديدة، منها التنافس على الأرض، والصراعات الدينية، والنزعة القومية، وأيضا الثأر.
وحسب مارجريت ميد عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية المشهورة Margaret Mead) 16 ديسمبر 1901 - 15 نوفمبر 1978) والتى شغلت منصب رئيس الجمعية الأمريكية للتقدم فى العلوم: «الحرب مجرد اختراع معروف لدى غالبية التجمعات البشرية، يسمحون خلاله لشبابهم إما بتكديس المكانة، أو الانتقام لشرفهم، أو الحصول على الغنائم، أو الزوجات، أو العبيد، أو الأرض، أو الماشية أو إرضاء شهوة آلهتهم، أو تهدئة أرواح الموتى المضطربة.


أما الأمريكى ريشارد ند ليبو Richard Ned Lebow أستاذ التاريخ السياسى والعلاقات الدولية والمتخصص فى دراسة الحروب بجامعة كامبريدج، فى كتابه «لم تحارب الشعوب: سابق ومستقبل دوافع القيام بالحروب» دار كامبريدج للنشر 2010 فقد قام بتحليل 94 حربا بين الدول منذ عام 1648 حتى وقت نشر الكتاب، وبين أن الأسباب الأكثر شيوعا التى تدفع الدول إلى خوض الحروب هى المكانة والأمن والانتقام، وليس لدهشته بسبب المكاسب المادية أو اكتساب الأراضى.


بالطبع هذا لا ينطبق تماما على أسباب الحروب كما نراها الآن بين الدول المتجاورة أو بين الدول عبر القارات حيث أن المكاسب المادية من منابع الطاقة والمواد الخام النادرة هى إحدى حجج الحروب الآن، مع الرجوع أيضا إلى المكاسب الشخصية لرؤساء الدول المتحاربة والتى تسعى إلى الثروات الشخصية لهم ولعائلاتهم والأصدقاء المقربين.


ومن ضمن الدراسات والكتب التى صادفتها والتى تعود إلى المنتصف الأول من القرن العشرين والتى أعجبتنى كثيرا الكتاب الهام «أسفل حائط الجبل، Under the mountain wall فايكينج بريس 1962 للكاتب والمستكشف الأمريكى بيتر ماتيسن Peter Matthiessen، الذى سجل مذكراته عن اشتراكه فى الحملة الاستكشافية التى قامت بها جامعة هارفارد لدراسة القبائل البدائية فى غينيا الجديدة (قبائل الأسمت Asmat)، ومن ضمن مواضيع الكتاب عن طرق حياة هذه القبيلة المجهولة وقتها، نجد أيضا وصفه لمفهوم الحرب، والذى يتعلق كثيرا بالثأر.


وكما فى الكثير من المجتمعات القبلية، يعتبر الثأر وسيلة لحفظ الكرامة والشرف كنظام غير مكتوب لتحقيق العدالة فى غياب دولة أو قضاء، ومرتبط بمفهوم الدم بالدم وليس الفرد بالفرد، أى إن المسئولية قد تكون جماعية غالبًا.
والثأر لا يسقط بالتقادم، وقد ينتقل عبر الأجيال، أو يُوقف بالصلح، الدية، أو التحكيم القبلى، كما يحدث أحيانا وحتى الآن فى بعض مجتمعاتنا التى ما زالت تتبع المعايير البدائية.


وعند الأسمت، كان الثأر جزءا مركزيا من النظام الاجتماعى والروحى، وليس مجرد رد فعل عاطفى، فالقتل لا يُعد «منتهيا» إلا إذا أُخذت روح مقابل روح، إذ يُعتقد أن روح القتيل تبقى مضطربة وتؤذى الجماعة إن لم يُنتقم لها. والثأر واجب جماعى، لا شخصى. وقد أشتهر الأسمت تاريخيا بـ صيد الرءوس. فالرأس المأخوذة من العدو، تُستخدم فى طقوس دينية، وتُعتبر تعويضًا روحيا عن القتيل. وقد يُؤكل أحيانا جزء من الجسد طقسيا (ليس بدافع الجوع)، ولكن لإعادة التوازن بين عالم الأحياء والأرواح. وعادة بعد الثأر تُقام رقصات واحتفالات وتُنحت تماثيل خشبية تمثل أرواح الموتى منذ خمسينيات القرن العشرين، تدخلت الحكومة الإندونيسية والمبشرون، ومُنع القتل وصيد الرءوس.


وهناك علاقة مباشرة ومشهورة جدا بين قصة اختفاء مايكل روكفلر (Michael Rockefeller)، ابن نيلسون روكفلر (نائب رئيس الولايات المتحدة سابقا)، وبين قبائل الأسمت. وُلد مايكل روكفلر عام 1938، ودرس التاريخ والاقتصاد فى جامعة هارفارد، ولكنه كان مهووسا بالتصوير الفوتوغرافى وبثقافات قبائل البابوا بغينيا الجديدة، كما كان يجمع المنحوتات والرموز الطقسية لقبائل الأسمت لصالح متحف المتروبوليتان فى نيويورك.
فى عام 1961، فى رحلة استكشافية بمنطقة الأسمت، انقلب قاربه قرب الساحل، نجا من كان معه فى القارب أما هو فاختفى تماما. النظرية الأشهر (والأكثر قبولا أنثروبولوجيا)، أنه قُتل وأُكل طقسيا على يد إحدى قبائل الأسمت كجزء من ثأر قبلى، إذ قبلها بسنوات، قُتل عدد من رجال الأسمت على يد دورية استعمارية هولندية، وحسب معتقدات الأسمت:
يجب أخذ روح مقابل روح. كان مايكل أجنبيا وصل وحيدا سباحة إلى منطقة معادية، فاعتُبر تعويضا روحيا مشروعا. كانت الأدلة غير رسمية لكنها قوية. شهادات مبشرين محليين (قالوا إنهم عرفوا القصة سرا). أوصاف دقيقة لملابس وأدوات كان يحملها. صمت رسمى طويل بسبب مكانة عائلة روكفلر، والحساسية السياسية، إلى جانب عدم العثور على جثة.


وعموما يميل المجتمع الأنثروبولوجى لقبول هذه الرواية، فهى مربوطة بفكرة الثأر.
فالثأر عند الأسمت ليس شخصيًا، ولا يحتاج أن يكون القتيل «مذنبًا»، المهم هو استعادة التوازن الروحى.
هذه قصة ابن أحد أكثر رجال العالم ثراء وجاها ومنصبا، وكيف لحظه العاثر أو لعدم فهمه لطقوس من كان يجمع أعمالهم الخشبية شبه المقدسة وذات الدلالات الروحية الهامة بالنسبة لقبائل الأسمت، والتى انتهت بتزيين صالات فى متحف الميتروبوليتان تحمل اسمه حاليا.
ويُعبر عن هذه القصة المثل الشعبى المشهور:
«تيجى تصيده يصيدك».

 



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك