أحمد الحسيني: قناة السويس..من رسم عبور إلى اقتصاد عبور - بوابة الشروق
الأحد 20 سبتمبر 2026 1:17 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

أحمد الحسيني: قناة السويس..من رسم عبور إلى اقتصاد عبور


نشر في: الأحد 20 سبتمبر 2026 - 12:02 م | آخر تحديث: الأحد 20 سبتمبر 2026 - 12:07 م

- كيف نحول الجغرافيا إلى قيمة ونحوّل مناخ الاستثمار من عبء على رأس المال إلى سبب لاختياره مصر

- «ما يهم مصر ليس كم سيخرج من رأس المال من المنطقة ما يهمنا هو كم نستطيع أن نجذب إلى مصر»

- موقع مصر يمنحها حق المنافسة لا حق الفوز والفوز يبدأ من مقعد المستثمر: تكلفة معلومة قواعد مستقرة، وقرار سريع

أثار الجدل حول مقترح نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي مقابل جزء من ديون الحكومة سؤالًا مهمًا، لكنه في تقديري ليس السؤال الأهم.

فالدين لا ينخفض لأن الدولة نقلت أصلًا من جيب إلى جيب آخر، ولا لأننا غيّرنا طريقة تسجيله في الدفاتر. الدين ينخفض بصورة مستدامة عندما يكبر الاقتصاد، ويزيد الإنتاج والتصدير، وتتولد تدفقات جديدة ومتكررة من العملة الأجنبية.

والسؤال الحقيقي ليس: هل تؤول ملكية قناة السويس؟

بل: كيف نستغل هذه اللحظة لاستعادة مصر مكانتها الاقتصادية والمالية القيادية في المنطقة؟

الفرصة اليوم أكبر من أزمة الملاحة في البحر الأحمر. المنطقة شهدت تحولًا في إدراك المخاطر: دول ومراكز مالية وعقارية في الخليج كانت تُسعَّر لسنوات طويلة باعتبارها بعيدة عن مسرح الصراع المباشر أصبحت أكثر تعرضًا لاحتمالات الهجوم والتصعيد الإقليمي. وهذا يغيّر طريقة تفكير المستثمر ومدير الثروة والمكتب العائلي في توزيع الأصول والمخاطر.

ما يهم مصر هنا ليس كم سيخرج من الخليج، ولا من أين سيخرج. ما يهمنا هو: كم نستطيع أن نجذب إلى مصر؟

رأس المال الذي يبحث عن تنويع جغرافي لا ينتظر أن تشرح له الدولة تاريخها وموقعها. يريد أصلًا يستطيع شراءه، ومشروعًا يستطيع تمويله، وقواعد يستطيع فهمها، وعائدًا يستطيع حسابه، وطريقًا واضحًا للدخول والخروج. ومن هنا يجب أن تتحرك مصر لتصبح الوجهة الطبيعية التالية لرأس المال الإقليمي: في العقار، والسياحة، والصناعة، والطاقة، واللوجستيات، وإدارة الثروات.

وفي الوقت نفسه تستمر اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب وتضيف فرصة في إعادة تشكيل قرارات الشركات بشأن الإنتاج والتخزين وسلاسل الإمداد. وهنا تكمن المفارقة: الاضطراب الذي يضغط على إيرادات القناة يمكن، إذا أحسنت مصر الاستعداد، أن يفتح لها بابًا لجذب جزء من الصناعة والتجارة ورأس المال الذي يعيد توزيع مخاطره في المنطقة.

من رسم العبور إلى اقتصاد العبور

المشكلة ليست أن مصر لا تستفيد من موقعها، المشكلة أننا كثيرًا ما نستفيد منه في أدنى درجات القيمة المضافة. السفينة تدفع رسمًا وتعبر، والحاوية تمر، وبرميل النفط يواصل طريقه. والسؤال الأهم: كم من القيمة تستطيع أن تحتفظ بها داخل مصر قبل أن يغادر كل ذلك؟

يمكن للسفن أن تتزود بالوقود والمؤن، وأن تُصلح وتُصنّع وتُرمم قطعها في مصر، ويمكن للحاويات أن تُخزّن وتُجمع ويعاد تعبئتها، وأن يدخل بعض محتواها في تصنيع أو تجميع قبل إعادة التصدير.

ومع قناة السويس، وخط سوميد، والبحرين الأحمر والمتوسط، وقدرات التكرير القائمة، تستطيع مصر أن تصبح مركزًا لتخزين والتكرير والخلط والبتروكيماويات وتموين السفن وتجارة الطاقة وإعادة التصدير. كل سفينة تعبر يجب أن تترك وراءها نشاطًا اقتصاديًا، لا مجرد رسم.

وهذا يتطلب أن تتحول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من مجموعة مناطق وموانئ متفرقة إلى منصة متكاملة للإنتاج والتجارة والطاقة واللوجستيات، بقرارات سريعة ومسؤولية واضحة. ليس المطلوب إنشاء جهة جديدة فوق الجهات القائمة، بل أن يعرف المستثمر من يملك القرار النهائي، وكم سيستغرق القرار، وكم سيكلفه قبل أن يضع دولارًا واحدًا.

لو كنت المستثمر: ماذا أريد أن أعرف قبل أن آتي إلى مصر؟

هنا أعتقد أن النقاش الاقتصادي في مصر يصبح عامًا أكثر من اللازم. نقول إننا نريد جذب الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، ومحاربة البيروقراطية. لكن المستثمر لا يتخذ قراره بهذه العناوين. هو يجلس أمام نموذج مالي ويسأل أسئلة شديدة البساطة.

إذا أردت بناء فندق، أو مصنع، أو مركز لوجستي، أريد قبل شراء الأرض أن أعرف السعر النهائي للأرض، وكل رسوم التخصيص والتوصيل والترخيص والتحسين والموافقات والخدمات، والجهة التي سأدفع لها، ومتى سأدفع، وهل هناك رسم سنوي سيظهر بعد التشغيل. أريد وثيقة مغلقة لا يجوز لأي جهة إضافة رسم خارجها. وأريد أن أعرف مسبقًا جميع الموافقات المطلوبة والمدة القصوى لكل واحدة منها.

ثم أريد قاعدة أهم: لا تجعلني أدفع للدولة أرباحًا لم أحققها بعد.

فالضريبة على الربح، مهما ارتفعت، تظل مرتبطة بنجاح المشروع. أما الرسم المقطوع الذي يُدفع قبل البناء، أو قبل التشغيل، أو سنويًا بصرف النظر عما إذا كان المشروع يربح أو يخسر، فهو تكلفة على رأس المال نفسه. إنه يرفع نقطة التعادل، ويخفض العائد، ويجعل المشروع الأقل مخاطرة في دولة أخرى أكثر جاذبية حتى لو كانت ضريبتها أعلى.

ولهذا أفضل شخصيًا نظامًا ضريبيًا واضحًا، حتى لو كان أعلى بعشر نقاط مئوية، على منظومة تبدو ضرائبها منخفضة ثم تكتشف فيها عشرات الرسوم والمقابل والأعباء، قبل أن تحقق جنيهًا واحدًا من الأرباح.

درس السياحة: المشكلة التي شخصناها ثم لم نحلها

ظهر هذا الأمر بوضوح في النقاش الذي أداره مصطفى النجار في برنامج «المواجهة حق المعرفة»، حول كيفية وصول مصر إلى 30 مليون سائح، بمشاركة ستة من كبار رجال الأعمال والمستثمرين في السياحة. كانت المشكلة التي خرج بها النقاش شديدة الوضوح: الاستثمار السياحي طويل الأجل، لكن المستثمر يستنزف برسوم وموافقات وأعباء متعددة قبل أن يفتح فندقه أبوابه أصلًا.

وكان جوهر الطرح بسيطًا: بدلًا من تحميل المال من المستثمر قبل أن يبدأ مشروعه ويعمل ويربح، دعوه يستثمر رأس ماله أولًا، ثم خذوا حق الدولة من النشاط الناتج ومن صافي الربح. وقد سعدت عندما رأيت أن الرئيس التقط جوهر المشكلة لاحقًا، ووجّه باستبدال الرسوم التي تتقاضاها الجهات والهيئات المختلفة بضريبة إضافية موحدة تُحسب من صافي الربح. فهذا، في تقديري، هو الاتجاه الصحيح تمامًا.

لكن الاختبار الحقيقي ليس صدور التوجيه، بل تنفيذه. وبعد ذلك ظللنا نسمع عن حصر الرسوم، ومراجعتها، وتوحيد جهة التحصيل، وإدخالها في منصة واحدة. وهذا في حد ذاته يكشف حجم المشكلة. إذا كانت الدولة لا تستطيع أن تقول للمستثمر، في صفحة واحدة، ما الذي سيدفعه من أول يوم إلى آخر يوم، فكيف نطلب منه أن يبني نموذجًا ماليًا لعشرين أو ثلاثين سنة؟

المشكلة أيضًا أن بعض الرسوم ليست مرة واحدة، بل سنوية. وهنا تصبح المسألة أكثر غرابة: رسم ثابت يتكرر سواء حقق المشروع أرباحًا أو خسائر هو في حقيقته ضريبة لا تعترف بالربحية. وهو بالضبط عكس ما نحتاجه إذا كان هدفنا تشجيع المستثمر على ضخ رأس المال وتحمل مخاطر السنوات الأولى.

الحل ليس «توحيد التحصيل» فقط

وهنا يجب أن نكون أكثر طموحًا. جمع عشرين رسمًا سيئًا في فاتورة واحدة لا يحولها إلى سياسة استثمار جيدة.

المطلوب أن تُلغى الرسوم المرتبطة بمجرد وجود المشروع أو بدء تأسيسه قدر الإمكان، وأن تتحول حصة الدولة أساسًا إلى ضرائب ورسوم مرتبطة بالنشاط الفعلي أو الربح أو الخدمة الحقيقية المقدمة. وما يبقى من رسوم يجب أن يخضع لأربع قواعد لا استثناء فيها:

أولًا، قائمة وطنية واحدة ونهائية منشورة إلكترونيًا بكل رسم ومقابل خدمة، وقيمته وطريقة حسابه والجهة المستفيدة منه.

ثانيًا، لا يجوز لأي وزارة أو هيئة أو محافظة أو جهاز علي أن يفرض على المستثمر رسمًا أو مقابلًا خارج هذه القائمة.

ثالثًا، يعرف المستثمر التكلفة الكاملة للمشروع قبل تخصيص الأرض وقبل التوقيع، ولا يعاد تسعير الصفقة أو تفسيرها بعد أن يضخ أمواله.

رابعًا، كل موافقة لها مهلة قانونية محددة. إذا انتهت المهلة دون رد، تعامل الموافقة وفق نظام واضح ومعلن يمنع أن يصبح الصمت الإداري وسيلة لتعطيل المشروع إلى ما لا نهاية.

هذه ليست «تسهيلات». هذه هي البنية الأساسية القانونية للاستثمار، مثلها مثل الطريق والكهرباء والميناء.

فساد القواعد أخطر من فساد الأفراد

وهناك نوع آخر من الفساد لا يتعلق بموظف يتقاضى رشوة أو مسؤول يحقق منفعة شخصية، بل بممارسات مؤسسية تسمح بسلطة تقديرية واسعة وغير شفافة.

حين تكون القاعدة غامضة، أو قيمة الرسم غير معلنة، أو الموافقة مرتبطة بتقدير الموظف، فإنها لا تصنع فقط بيروقراطية؛ هي تصنع سوقًا للسلطة التقديرية. وكلما اتسعت مساحة «التفسير» بين جهة وأخرى وموظف وآخر، زادت تكلفة المشروع وقلت قدرة المستثمر على التنبؤ.

أن تبيع الدولة أرضًا بسعر وشروط محددة، ثم تعود بعد سنوات لتطالب بإعادة تقييم السعر، أو رسوم اتفاق لم تكن تُفسر بعد أن ضخ المستثمر أمواله، أو تظهر رسوم ومقابل خدمات لم تكن ضمن النموذج المالي عند اتخاذ القرار، كل ذلك يرفع علاوة المخاطر التي يضعها المستثمر على مصر.

والقاعدة التي يجب أن تحكم العلاقة بسيطة: ما تم الاتفاق عليه بصورة قانونية لا تعيد الدولة تسعيره أو تغيير شروطه بعد أن يستثمر الطرف الآخر أمواله اعتمادًا عليه. وإذا تغيرت سياسة أو ضريبة أو رسم، فيطبق التغيير على المستقبل بوضوح وشفافية، لا بأثر رجعي.

سيادة القانون لا تعني فقط أن يحترم المستثمر عقده مع الدولة؛ بل أن تحترم الدولة أيضًا عقدها مع المستثمر.

التصنيع للسوق لا للسوق المحلية فقط

إذا أصلحنا هذه البيئة، يصبح عرضنا للصين والهند وغيرهما أكثر تحديدًا من مجرد «تعالوا استثمروا في مصر»: أنتجوا من مصر للأسواق الأوروبية والأفريقية والشرق أوسطية.

الهدف هو جذب أجزاء محددة من سلاسل القيمة: التجميع، والمكونات، والأدوية، والكيماويات، والصناعات الهندسية، والتخزين، والتوزيع. وتنتقل سياسة جذب الاستثمار من انتظار الطلبات إلى استهداف الشركات: نحدد القطاعات القابلة للنقل أو التوسع، وأكبر الشركات العالمية فيها، ثم نقدم لكل شركة ملفًا جاهزًا بالأرض والطاقة والتكلفة الكاملة والتراخيص واللوجستيات والنفاذ إلى الأسواق.

الدول التي تنجح في جذب الصناعة لا تنتظر المستثمر؛ تذهب إليه.

غربًا وجنوبًا: خريطة اقتصادية أوسع

الخريطة الاقتصادية المصرية لا يجب أن تتوقف عند آسيا والخليج. إلى الغرب توجد ليبيا باحتياجات إعادة الإعمار والبنية الأساسية والطاقة والخدمات، وبعدها الجزائر بسوقها ومواردها وقاعدتها الصناعية. ويمكن بناء محور اقتصادي مصري-ليبي-جزائري في الإنشاءات والطاقة والصناعة والنقل والتجارة، مدعومًا بتمويل وضمانات ائتمان وصادرات مصرية.

والعلاقة مع ليبيا تحديدًا ليست مجرد فرصة تجارية، إنها أيضًا حلقة في دورة إيجابية يتغذى فيها الاقتصاد الأمني، ويغذي الأمن بدوره الاقتصاد. فكل عقد إعمار أو مشروع طاقة أو خط نقل مصري يعمل داخل ليبيا يخلق وظائف ومصالح اقتصادية محلية، ويمنح الأطراف الليبية حافزًا ملموسًا لتفضيل الاستقرار المؤسسي على استمرار التشظي.

وجنوبًا يجب أن تتحول أفريقيا من «سوق مستقبلية» إلى امتداد إنتاجي وتمويلي لمصر: شركات مصرية تنتج داخل القارة، وبنوك تمول التجارة الأفريقية، وشركات نقل ومخازن ومراكز توزيع تربط مصر بالأسواق الرئيسية.

درس المغرب: المنظومة أهم من الموقع

نجاح طنجة لم يأت من قربها من أوروبا وحده، بل من جمع الميناء والصناعة والطرق والمناطق الاستثمارية والتدريب والموردين داخل منظومة واحدة. الموقع وحده لا يصنع النجاح، الذي يصنعه هو ما نبنيه حوله.

ولمصر اليوم الميناء والسوق والعمالة والموقع. وما ينقصها ليس شعارًا جديدًا، بل أن يصبح التعامل مع الدولة نفسه جزءًا من الميزة التنافسية بدلًا من أن يكون تكلفة إضافية على المستثمر.

القاهرة مركز تمويل النمو

إذا كانت قناة السويس الممر المادي للتجارة، فيجب أن تكون القاهرة ممر رأس المال الذي يمولها. يجب أن يتوسع دور البورصة من مجرد تداول الأسهم إلى تمويل الشركات والمشروعات: طروحات جديدة، وسندات، وصكوك، وصناديق للبنية الأساسية والعقارات، وأدوات استثمار وتمويل للمشروعات.

وهنا أيضًا توجد فرصة مرتبطة بإعادة توزيع المخاطر الإقليمية. مصر يجب أن تعرض على رأس المال العربي ليس فقط شقة أو قطعة أرض، بل منظومة أصول: صناديق عقارية مدرة للدخل، وصناديق بنية أساسية، وأدوات دين بالجنيه والعملات الأجنبية، وشركات مدرجة، ومشروعات لوجستية وصناعية وسياحية قابلة للاستثمار المؤسسي.

المستثمر يريد أربع ضمانات

في النهاية المستثمر يريد أربع إجابات: هل أستطيع الدخول بسهولة؟ هل أعرف التكلفة الكاملة والقواعد مسبقًا؟ هل ستظل مستقرة؟ وإذا وقع خلاف، هل أحصل على حقي بسرعة؟

هذه الأسئلة يجب أن تتحول إلى منتج استثماري مصري واضح: جهة واحدة أمام المستثمر، فاتورة واحدة معلنة مسبقًا، مدد قانونية للتراخيص، قواعد واحدة للنشاط نفسه، وعدم إعادة تسعير الاتفاق بعد ضخ الأموال، وتنفيذ سريع للأحكام وقرارات التحكيم.

فكل شهر تأخير في ترخيص أو قرار أو نزاع هو ضريبة خفية على الاستثمار.

برنامج واحد بدل عشرات المبادرات

لا نحتاج إلى عشرات المبادرات المتوازية. نحتاج إلى برنامج يمكن قياسه:

1. حوّل قناة السويس إلى منصة قيمة، لا ممر عبور فقط.
2. انشر «فاتورة الاستثمار» الكاملة لكل قطاع: كل رسم، وكل ترخيص، وكل جهة، قبل أن يشتري المستثمر الأرض.
3. ألغِ قدر الإمكان الرسوم المسبقة والدورية غير المرتبطة بالربح أو بخدمة فعلية، وانقل العبء إلى ضريبة واضحة على النشاط الناتج وصافي الربح.
4. استهدف شركات وصناديق ومكاتب عائلية بعينها في الخليج وآسيا بدل الدعوة العامة للاستثمار.
5. اجعل القاهرة منصة تمويل للنمو ومشروعات والصناعة والتجارة وإدارة جزء من رأس المال الإقليمي.
6. اربط مصر صناعيًا وتجاريًا بليبيا والجزائر وأفريقيا.

ولا يعني ذلك محاولة تنفيذ كل شيء في وقت واحد. البداية يجب أن تكون بعدد محدود من القطاعات والمناطق، ثم التوسع بعد إثبات النموذج.

والقياس يجب ألا يكون بالبلاغ أو الإعلانات: كم يومًا يحتاج المستثمر فعليًا للحصول على الأرض والتراخيص؟ كم يدفع قبل التشغيل كنسبة من تكلفة المشروع؟ كم جهة يتعامل معها؟ كم استثمارًا جديدًا دخل فعلًا؟ ثم كم من رأس مال إقليمي أصبح يدار أو يستثمر من مصر؟ وكم من قيمة السفينة والحاوية والطاقة بقي داخل الاقتصاد المصري بدلًا من المرور به فقط؟

عندها يصبح لدينا عرض واحد للعالم:

للصين والهند — اصنعوا من مصر.
لرأس المال العربي — نوّعوا واستثمروا من مصر.
لأفريقيا — ننتج ونمول ونتاجر معًا.
ولشركات الشحن والطاقة — خزّنوا وأصلحوا وكرروا ووزعوا من هنا.

اصنع، اشحن، استثمر، ومَوِّل من مصر.

والوقت عامل اقتصادي

التحولات الحالية لن تنتظر مصر حتى تنتهي من كل إصلاحاتها. دول أخرى تنافس على المصانع نفسها، ورأس المال نفسه، وسلاسل الإمداد نفسها.

لكن الإصلاح المطلوب ليس غامضًا. إذا أردنا أن نعرف هل مصر جاذبة للاستثمار أم لا، فلنجرب أن نجلس في مقعد المستثمر ونحسب المشروع من أول يوم: كم سيدفع قبل أن يبدأ؟ لمن؟ ولماذا؟ وكم سيستغرق حتى يحصل على حقه في البناء والتشغيل؟

إذا لم نستطع الإجابة عن هذه الأسئلة في ورقة واحدة، فلا ينبغي أن نتعجب عندما يختار رأس المال دولة أخرى.

مصر تملك الأصول. المطلوب الآن أن نجعل الاستثمار فيها قابلًا للحساب، وقابلًا للتنفيذ، وقابلًا للبيع للعالم.

وعندها لن نقيس نجاح قناة السويس بعدد السفن العابرة، ولا نجاح البورصة بحجم التداول، ولا نجاح سياسة الاستثمار بعدد المؤتمرات — بل بسؤال واحد:

كم من التجارة والصناعة والطاقة ورأس المال استطعنا أن نخلق قيمته ونحتفظ بها داخل مصر؟

فهكذا نخفض الديون: بخلق قيمة جديدة، لا بإعادة ترتيب الأصول القديمة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك