أكدت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، أن الهوية الوطنية ليست تراثا فقط، وإنما منظومة تتسع وتتراكم بمرور الوقت، مشيرة إلى أن التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تترك تأثيراتها على ملامح المجتمع وهويته.
وقالت الوزيرة، خلال الجلسة العلمية الأولى لمؤتمر "الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة"، الذي يقام برعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، اليوم، بمكتبة الإسكندرية، إن العمالة المصرية التي عادت من دول الخليج حملت معها أنماطا وأفكارا وملابس أثرت في الشكل الخارجي للمجتمع، وهو ما يعكس أهمية دراسة التحولات التي تطرأ على الهوية الوطنية.
وشددت وزيرة التضامن الاجتماعي على الحاجة إلى إعداد دراسات وبرامج حمائية للحفاظ على الهوية الوطنية، مقترحة تدريس مقدمة الدستور المصري في جميع الجامعات المصرية، بما يعزز وعي الشباب بمبادئ الدولة والمواطنة والحقوق والواجبات.
وأكدت أن مفهوم الأم يمثل عنصرا مهما في الحفاظ على الهوية الوطنية، مشيرة إلى أن دور الأم يمتد حتى داخل الأسر المصرية المغتربة التي لم يزر أبناؤها مصر، حيث يمكن أن يكون وعي هؤلاء الأبناء بهويتهم المصرية قويا رغم إقامتهم خارج الوطن.
وأشارت الدكتورة مايا مرسي إلى الدور الذي قامت به المرأة المصرية خلال الأحداث التي شهدتها مصر في 30 يونيو، مؤكدة أهمية البحث عن آليات تجعل الإعلام بيئة توعوية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ الوعي لدى المواطنين.
من جانبه، أكد الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء، أن الهوية الوطنية المصرية لا تتعرض لأزمة بالمعنى الدقيق لكلمة "أزمة"، وإنما تواجه ضغوطا متعددة.
وأوضح أن مفهوم الهوية الوطنية يجمع بين الثابت والمتغير، مشيرا إلى أن الضغوط الاقتصادية العنيفة يمكن أن تؤثر على الهوية الوطنية، إلا أن التحولات التي شهدتها أوضاع المصريين في الخارج وزيادة أعدادهم يمكن أن تسهم في تعزيز الهوية الوطنية وتخفيف بعض آثار هذه الضغوط.
وأضاف عيسى أن الأسرة المصرية والأم المصرية تؤديان دورا مهما في تقليل الضغوط التي تواجه الهوية الوطنية، من خلال الحفاظ على الهوية الأسرية وترتيب الأولويات داخل الأسرة.
جاءت تصريحات الوزيرة ونائب رئيس مجلس الوزراء خلال الجلسة العلمية الأولى لمؤتمر "الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة"، التي ناقشت أبعاد الهوية الوطنية المصرية وعلاقتها بالانتماء والثقة والتسامح والمشاركة، إلى جانب تأثير التحولات الرقمية على الشباب والأسرة المصرية.
وتناولت الجلسة عددا من الرؤى حول طبيعة الهوية المصرية ومدى قدرتها على مواجهة التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، مع التركيز على دور الأسرة والشباب والمؤسسات في تحويل الانتماء الوطني إلى مشاركة وفاعلية في المجتمع.
قوة واضحة في الانتماء الوطني لدى المصريين
وقال الدكتور مازن حسن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن نتائج الدراسات والمسوح المجتمعية تشير إلى وجود قوة واضحة في الانتماء الوطني لدى المصريين، مؤكدا أن المصريين يتفقون بدرجة كبيرة على أن الاستقرار وتحسين الاقتصاد من أهم الأهداف التي ينبغي تحقيقها للمجتمع.
وأضاف أن هناك توافقا أيضا حول أهمية الدين في الحياة، إلى جانب شعور وطني قوي يظهر في الاستعداد للدفاع عن الوطن والفخر بالانتماء إليه، مشيرا إلى أن المصريين لديهم كذلك تصور مشترك بشأن مصادر الخطر الخارجي.
وأوضح أن الانتماء الديني لا ينتقص من الانتماء الوطني، لافتا إلى أن دوائر الانتماء لدى المصريين تبدأ بمصر، ثم العالم الإسلامي، ثم العالم العربي، بما يعكس قدرة الهوية المصرية على استيعاب دوائر الانتماء المختلفة، مشيرا إلى وجود تحديات أخرى تتعلق بالثقة الاجتماعية، حيث تشير بعض البيانات إلى انخفاض مستوى الثقة المتبادلة بين المواطنين، مؤكدا أهمية التعامل مع هذه الظواهر من خلال النقاش والبحث والتدخلات المجتمعية.
ونوه بأن البعد السياسي للهوية الوطنية المصرية لا يعاني من انقسامات حادة، موضحا أن هناك فرقا بين ظهور قوة الهوية الوطنية خلال الأزمات، عندما تتجلى اللحمة بين أبناء الوطن، وبين حضورها في الحياة اليومية بعيدا عن الأزمات، حيث يمكن أن تظهر اختلافات بين الثقافات الفرعية ومصادر تشكيل الوعي الوطني.
تحولات الهوية الوطنية لدى النشء والشباب
من جانبه، تناول الدكتور يوسف ورداني، مدير مركز تواصل مصر للدراسات والاستشارات ومساعد وزير الشباب والرياضة السابق، تحولات الهوية الوطنية لدى النشء والشباب، مؤكدا أن الهوية ليست حالة ثابتة تنتقل بصورة تلقائية من جيل إلى آخر، وإنما عملية اجتماعية متجددة تتشكل من خلال الأسرة والتعليم والثقافة والإعلام والمجتمع المحلي والخبرات الرقمية والانفتاح على العالم.
وأوضح أن اختلاف الشباب في طرق التعبير واستخدام النقد وتعدد مصادر التأثير الثقافي لا يعني بالضرورة تراجع الانتماء الوطني، مشيرا إلى أن قوة الارتباط بالهوية تتأثر بدرجة معرفة الشباب بتاريخ الوطن وثقافته، والثقة في المؤسسات، والشعور بالمشاركة والقدرة على التأثير، والارتباط بالمجتمع المحلي، والنظرة إلى المستقبل.
وأكد أن التعامل مع الهوية الوطنية يتطلب الانتقال من مجرد نقل الهوية وتوارثها إلى بناء الهوية وتمكينها، بحيث تصبح خبرة معيشة تتجدد من خلال المعرفة والمشاركة والممارسة.
وأشار ورداني إلى أن الضغوط الاقتصادية وصعوبة الانتقال إلى العمل والاستقلال والسكن، إلى جانب الفجوة بين التطلعات والفرص والتحولات الاجتماعية والثقافية، يمكن أن تؤثر في شعور الشباب بالأمل والقدرة على التأثير والثقة في المستقبل، مضيفا أن الفضاء الإلكتروني أصبح من أبرز المجالات التي تتشكل من خلالها المعرفة والذاكرة التاريخية والصورة الذهنية عن الوطن، بما يتيحه من فرص للتعلم والتفاعل والتعبير، وما يفرضه في الوقت نفسه من تحديات مرتبطة بالمعلومات المضللة والروايات التاريخية غير الدقيقة والاستقطاب وتعدد مصادر التأثير.
وشدد على أن تعزيز الهوية الوطنية لا ينبغي أن يقوم على الحد من انفتاح النشء والشباب على العالم، وإنما على رفع قدرتهم على التفاعل معه بوعي نقدي، يستند إلى معرفة وطنية موثوقة ومرجعية ثقافية واضحة.
دور الأسرة المصرية في تشكيل الهوية الوطنية
وفي السياق ذاته، تناولت الدكتورة منى الحديدي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة العاصمة، دور الأسرة المصرية في تشكيل الهوية الوطنية في عصر الثورة الرقمية، مؤكدة أن الأسرة تمثل الحاضنة الثقافية الأولى والركيزة الأساسية للحفاظ على الخصوصية الحضارية للمجتمع.
وقالت إن الأسرة تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثورة الرقمية وتدفقات العولمة، وهو ما يفرض تحديات على دورها التاريخي في تشكيل الهوية الوطنية وحمايتها.
وأوضحت أن السلطة المعرفية والتوجيهية للوالدين تواجه منافسة من المنصات الرقمية وصناع المحتوى، إلى جانب تنامي التربية عبر الشاشات وتراجع الحوار الأسري وتأخر سن الزواج وتآكل بعض أشكال رأس المال الاجتماعي، بما ينعكس على طبيعة العلاقات داخل الأسرة والفجوة بين الأجيال.
وأكدت الدكتورة منى الحديدي أهمية دور المرأة المصرية في إعادة الإنتاج الثقافي والحفاظ على الذاكرة الجمعية، باعتبارها عنصرا أساسيا في نقل اللغة والدين وقواعد السلوك والذوق الاجتماعي والعادات والتقاليد، فضلا عن دورها في إدارة الحياة الأسرية ومواجهة الأزمات الاقتصادية.
وشددت على أن الحفاظ على الوظيفة التربوية للأسرة يتطلب دعم الحوار داخل المنزل، وبناء وعي نقدي لدى الأجيال، وتحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، إلى جانب توفير الحماية الاجتماعية والاقتصادية للمرأة بما يدعم دورها في بناء الإنسان والحفاظ على مقومات الهوية الوطنية.