تطرح التطورات العسكرية في الخليج، ولا سيما عند مضيق هرمز، تساؤلات حول مستقبل الحصار البحري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد التوترات وتداخل أدوات الردع البحري والجوي والاستخباراتي في المنطقة.
ويقول جيمس هولمز، وهو أستاذ استراتيجية بحرية بكلية الحرب البحرية الأمريكية، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست، إن الحصار يعد وسيلة جذابة على الدوام في حروب البحر. فهو يمكّن قوة بحرية متفوقة من توجيه ضربات مباشرة لاقتصاد خصم يعتمد على الملاحة، ملحقا به الضرر بفضل السيطرة على البحر.
وفي الواقع، يعرّف "مبشر القوة البحرية" الأمريكي، الكابتن ألفريد ثاير ماهان "السيطرة على البحر" إلى حد كبير بأنها القدرة على إقصاء أسطول الخصم من المياه الحيوية وفرض حصار على سواحله. ويرى ماهان أن "الهيمنة الساحقة في البحر" تمكن الأسطول المسيطر من عزل عدو يعتمد على التجارة البحرية عن خطوط الملاحة التي تجعل الأنشطة التجارية ممكنة.
وبالنسبة لماهان، فإن قطع صلة خصم بحري بالبحار المفتوحة يشبه قطع جذور نبتة، إذ يذبل اقتصاده القائم على البحر ويموت.
الحصار ركيزة في التاريخ العسكري
ويقول هولمز إن هذا ليس مجرد طرح نظري. ففي الوقت الراهن، تفرض البحرية الأمريكية حصارا على الموانئ الإيرانية في خليج عُمان، الذي يعد المدخل البحري إلى مضيق هرمز والخليج. ويُنفذ هذا الحصار جزئيا عبر سرب يتكون أساسا من نحو 12مدمرة من طراز "آرليه بيرك" المزودة بصواريخ موجهة، في إطار ما يصفه محللون بحريون بـ"الحصار القريب". ويعني هذا النوع المباشر من الحصار أن السفن الحربية المنفذة تقترب من سواحل العدو، معترِضة السفن التي يشتبه في حملها مواد محظورة بالقرب من الموانئ المعادية. وتخضع السفن التي تتحدى الحصار للتفتيش والصعود على متنها والبحث فيها ومصادرة البضائع المحظورة.
ويعد النفط أبرز هذه البضائع المحظورة في حالة إيران، لكن السلطات الأمريكية أشارت إلى أن الحصار يمنع أيضا شحنات مواد عسكرية أخرى كالذخيرة وأنظمة الأسلحة والإلكترونيات ذات الاستخدام المزدوج، وكل ما يمكن أن يساعد الجمهورية الإسلامية على إعادة بناء قدراتها العسكرية التي تضررت جراء أسابيع من الضربات الجوية الأمريكية-الإسرائيلية. ويصف هولمز ذلك بأنه حظر واسع النطاق.
وكانت الحصارات القريبة شائعة في التاريخ البحري. فعلى سبيل المثال، فرضت البحرية الملكية البريطانية حصارا خانقا على الولايات المتحدة خلال حرب عام 1812، إذ أرسلت أساطيل صغيرة للتمركز قبالة موانئ مثل بوسطن ونيوبورت ونيويورك. وفي تلك المرحلة من تاريخ الولايات المتحدة، كانت وسائل الاتصال الداخلية، وخاصة الطرق، متخلفة إلى حد كبير، بحيث كانت التجارة بين الولايات تعتمد أساسا على الملاحة الساحلية. ولذلك، أدى الحصار البريطاني الفعال إلى خنق الاقتصاد الأمريكي داخليا، وليس مجرد تعطيل التجارة الخارجية.
وبعد نحو نصف قرن، طوقت بحرية الاتحاد الولايات الكونفيدرالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية، فارضة حصارا غير محكم لكنه نجح مع ذلك في خنق واردات وصادرات الجنوب، وخاصة صادرات "قطن الملك" التي كانت تشكل ركيزة نفوذ الكونفيدرالية لدى شركاء أوروبيين محتملين مثل بريطانيا وفرنسا.
غير أن الحصار القريب أصبح أقل جاذبية مع انتشار وتطور أسلحة منع الوصول الساحلية كالمدفعية الساحلية والألغام البحرية والغواصات قصيرة المدى وسفن الهجوم السطحي والطائرات الحربية المنطلقة من قواعد برية. فعلى سبيل المثال، أبقت البحرية الملكية البريطانية مسافة بينها وبين السواحل الألمانية خلال الحرب العالمية الأولى، تجنبا للتعرض لهجمات من البر.
وبدلا من ذلك، تراجعت البحرية البريطانية لتفرض ما يعرف بـ"الحصار البعيد"، وهو النمط الثاني من عمليات الحصار. فقد أغلقت البوارج البريطانية الفجوة بين اسكتلندا والنرويج، مانعة السفن الألمانية من الوصول إلى المحيط الأطلسي الواسع. ولعبت الجغرافيا دورا محوريا في هذا الحصار كما هو الحال في جميع العمليات البحرية. إذ تقع الجزر البريطانية على طرق الملاحة التي تربط خصوم شمال أوروبا مثل الإمبراطورية الهولندية في عصور سابقة، وألمانيا خلال الحربين العالميتين، وروسيا اليوم في منطقة بحر البلطيق بالمحيط الأطلسي المفتوح.
مفاضلات المسافة بين الحصار البحري والساحل
وبالطبع، هناك عنصر عسكري في الحصارات. فمهما كانت الجغرافيا قد منحت القوة المحاصِرة ميزة مواتية، فإنها لا بد أن تمتلك بحرية قادرة وعددا كافيا من السفن لفرض هذا الطوق البحري. وهذه مهمة شاقة. فقد كان المنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتز يزدري "حرب الطوق" لأن الدفاع عن محيط دفاعي ممتد يستهلك قدرا هائلا من الموارد. فالمتخصصون في الرياضيات يعرّفون الخط بأنه عدد لا نهائي من النقاط المتتابعة. ومحاولة التفوق على قوة معادية عند عدد لا نهائي من النقاط يرهق حتى أقوى المدافعين. لذلك يحث كلاوزفيتز القادة الميدانيين على تقصير أطواق الدفاع قدر الإمكان، وتوفير دعم نيراني كثيف لتثبيت هذا الطوق.
وهناك مفاضلات بين الحصار القريب والحصار البعيد. فكلما كان الحصار أبعد عن الساحل، ازداد طول المحيط الدفاعي المطلوب. أما الاقتراب من الساحل فيسهل عملية الاعتراض، لكنه يعرض السفن الحاصرة لنيران برية. في المقابل، يقلل الحصار البعيد من المخاطر التي تواجه الأسطول، لكنه يتطلب موارد أكبر لدوريات على امتداد جبهة بحرية خارجية.
إن طريقة تموضع القادة البحريين الأمريكيين لأسطول الحصار على الخريطة البحرية تكشف الكثير عن كيفية موازنتهم بين الفاعلية والمخاطر. ويبدو مضيق هرمز كفوهة متقاربة-متباعدة. وكلما اقتربت قوات الحصار، قصر الطوق الدفاعي وسهلت مراقبة مدخل هذه الفوهة.
ويرى هولمز أن تحويل الحصار ضد إيران إلى نطاق عالمي يلغي الخطوط الدفاعية بالكامل. لكنه في المقابل يزيد الحاجة إلى معلومات استخباراتية وفيرة لتعقب واعتراض محاولات كسر الحصار في أي مكان من البحار السبعة. وجعل الحصار عالميا، وهو ما يعد الطبقة الخارجية ضمن استراتيجية حصار متعددة الطبقات، سيتطلب مزيدا من سفن إنفاذ القانون التابعة للبحرية الأمريكية وخفر السواحل.
الحصار المزدوج نادر لكنه ليس غير مسبوق
في العادة، تعد حالات الحصار المزدوج، حيث يحاصر كلا الطرفين نفس الممرات البحرية عموما، غير شائعة في التاريخ. فالولايات المتحدة عبر بحريتها وخفر سواحلها تفرض حصارا على الموانئ الإيرانية، بينما سعى الحرس الثوري الإيراني إلى اعتراض ممرات مضيق هرمز عبر تهديدات باستخدام الألغام البحرية والقوارب السريعة والأسلحة الساحلية.
مع ذلك، هناك سوابق مهمة للحصار المزدوج. فقد فرضت بريطانيا حصارا على ألمانيا خلال الحربين العالميتين، مع إبقاء أسطولها البحري على مسافة آمنة من السواحل الألمانية. وسرعان ما أدرك القادة البحريون الألمان أن الغواصات (يو بوتس) يمكنها بسهولة التهرب من أسطول الحصار البريطاني. لذلك قامت برلين بفرض حصار مضاد عبر إرسال غواصات إلى وسط الأطلسي لاعتراض السفن بين بريطانيا وأمريكا الشمالية. ورغم أنه لم ينجح في النهاية بل كان عكسيا، إذ إن الحرب البحرية غير المقيدة دفعت الولايات المتحدة إلى دخول الحرب العالمية الأولى، فإن الحصار الألماني البعيد تسبب في مشقة كبيرة لبريطانيا المعتمدة على الاستيراد، تماما كما كان يتوقع ماهان.
ويقول هولمز إن ثمة ملاحظة أخيرة، فمثل أشكال الحرب الاقتصادية الأخرى، فإن الحصار هو ما يسميه الأدميرال جيه سي وايلي "نمطا تراكميا" من القتال. فالحملات التراكمية هي حملات متفرقة تتكوّن من عدد كبير من الاشتباكات التكتيكية الصغيرة. ولا يُحدث أي اشتباك منفرد أثرا ماديا أو نفسيا كبيرا على هدف الحصار، لكن تراكم هذه الاشتباكات الصغيرة يمكن أن يؤدي إلى نتيجة كبيرة. ويضيف وايلي أن هذه النتائج الكبيرة تتحقق "مع مرور الوقت". إنها حرب تقوم على الإحصاء. ويرى وايلي أن العمليات التراكمية بطبيعتها بطيئة وغير حاسمة في حد ذاتها.
ويقول هولمز إنه بالطبع، قد تكون الجمهورية الإسلامية استثناء لهذه القاعدة. إذ يمكن أن تنجح العقوبات الاقتصادية بسرعة نسبية عندما تقطع الجهة الفارضة للعقوبات وصول الطرف المستهدف إلى مورد حيوي لا يمكن تعويضه. وقد ينطبق الأمر ذاته على الحصارات. فقد يشكل مضيق هرمز نقطة ضعف قاتلة بقدر ما هو ميزة استراتيجية لإيران. فالاقتصاد الإيراني يعتمد بالكامل على صادرات الهيدروكربونات عبر البحر. ويرى هولمز أن حصارا بحريا أمريكيا فعالا من شأنه أن يقطع هذا الشريان الاقتصادي، ويخنق تدفق الموارد التي تحتاجها طهران للحرب. وباختصار، فإن حصارا فعالا سيضع ميل إيران إلى "المقاومة" في مواجهة قدرتها على تحمل الضغوط الاقتصادية.
ويخلص هولمز إلى تساؤل مفاده: هل يمكن لحصار متعدد الطبقات أن يكسر الاتجاهات التاريخية ويثبت أنه سريع وحاسم؟ ويقول إن هذا هو الاختبار الذي تضعه أمريكا وإيران موضع التنفيذ.