سامى نصار يكتب: إنها قصة حبى.. يعقوب بين عفيفى وغربال - بوابة الشروق
السبت 18 سبتمبر 2021 4:30 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

سامى نصار يكتب: إنها قصة حبى.. يعقوب بين عفيفى وغربال

الدكتور سامي نصار  أستاذ فى جامعة القاهرة<br/>
الدكتور سامي نصار أستاذ فى جامعة القاهرة

نشر في: الجمعة 23 يوليه 2021 - 7:21 م | آخر تحديث: الجمعة 23 يوليه 2021 - 7:21 م

رواية (يعقوب) لمحمد عفيفى قصة حب متعددة الأبعاد والأشكال.. مراوغة المعانى ومتنوعة التأويلات

كان صوت أم كلثوم يصدح فى الأفق محمولا على نسائم البحر الرقيقة وأنا أقلب صفحات رواية (يعقوب) للصديق المؤرخ الكبير الدكتور محمد عفيفى. كانت الست تشدو بقصيدة (ذكريات) لشاعر الكرنك أحمد فتحى، فكأن التاريخ تكثف فى لحظة واحدة، وخاصة عندما يرتفع صوت الست قائلة (إنها قصة حبى) وكأنها تقدم ملخصا لذكرياتها.

ورواية (يعقوب) للدكتور عفيفى هى قصة حب متعددة الأبعاد والأشكال، مراوغة المعانى، متنوعة التأويلات، وتستثير فى العقل والنفس المعانى والأحاسيس والرؤى التى تجعل التاريخ يتجلى أمامك بكل أبعاده الإنسانية. رواية يتجلى فيها شغف الباحث، وفضول المؤرخ، وشوق المحب، ووجد الصوفى.
الرواية تدور حول غرام المؤلف بشخصية تاريخية لعبت دورا كبيرا أثناء الحملة الفرنسية على مصر، إنه المعلم يعقوب حنا المولود فى ملوى بصعيد مصر فى منتصف القرن الثامن عشر، وهو صاحب شخصية ملغزة ذات وجوه متعددة فهو المباشر أو الموظف جابى الضرائب، وهو الجنرال قائد الفيلق القبطى أثناء الحملة الفرنسية، وهو المتمرد دائما، والمقبل على كل ملذات الحياة، والرافع لشعار «المجد لمن قال لا» فى مواجهة صديقه جرجس الجوهرى الذى يرى «أن على ابن الطاعة تحل البركة». إنه المتمسك بأهدافه والملتزم بمشروعه لاستقلال مصر والخائف عليه حتى فى لحظات موته ليطمئنه صديقه الفارس لاسكاريس بأن « مشروعه لن يموت». إنه الشخصية التى اختلف حولها المؤرخون، فالجبرتى ــ وهو معاصر ليعقوب، اعتبره خائنا ومعاديا لأبناء بلده، وخادما للاحتلال الفرنسى وقال عنه فى كتابه عجائب الآثار فى التراجم والأخبار: «وكل كليبر يعقوب يفعل فى المسلمين ما يشاء». بينما يعتبره المؤرخ الكبير المعاصر شفيق غربال أنه صاحب أول مشروع لاستقلال مصر.
وقد استولت هذه الشخصية ــ بكل تناقضاتها وألغازها ــ على الدكتور عفيفى منذ وقت مبكر فى حياته، وأصبحت علاقته بها مثل أبطال التراجيديا الإغريقية القديمة الذين تدفعهم أقدارهم دفعا إلى الكشف عن سر أخفته عنهم آلهة الأوليمبوس. فيعقوب، فى مسارات حياته، موجود دائما، يتجلى فى الحضور والغياب، وبالمصادفة والقدر، سواء فى الغرفة المظلمة المكدسة بالوثائق بقسم التاريخ بكلية الاداب، أو فى البطرخانة الأورثوذكسية بالقاهرة، أو حتى أثناء لقاء غرامى على ضفاف السين، أمام المدرسة الحربية فى باريس. ومن ثم جاءت مقاربته لهذه الشخصية من منظور مغاير.
فرواية (يعقوب) تعبر عن شعور الباحث المثقف بالاغتراب الذى ينتابه نتيجة لحيرته بين سلطة تخصصه وحقله المعرفى وما تفرضه عليه من قواعد وقيود، وبين وعيه وتمرده عليها من أجل إنتاج خطاب جديد ومغاير ومضاد، فرواية يعقوب ليست نصا Text تاريخيا مكبلا بقيود الأكاديميا، ومثقلا بادعاءات الوثائق وشهود الوقائع، وإنما هى نص مضاد بالمعنى الحرفى لكلمة Conــ text يعبر عن سياق ينبض بالحياة ومفعم بتفاعلات البشر فى مختلف أحوالهم، مما يجعل للتاريخ روحا ومعنى.
وهنا تدخلنا رواية (يعقوب) فى شكل سردى تاريخى يتجاوز سلطان الوثائق وجدران دور المحفوظات، فهى نص مراوغ مفتوح على قراءات متعددة وتصل بك إلى ما تشاء من معان وأحكام كان يمكنك أن تصل إليها من خلال بحث أكاديمى مدعم بالوثائق حول ذات الموضوع. فالتاريخ فى أصله قصص يرجعها أفلاطون إلى «قصص المرضعة» التى اختلطت فى بادئ الأمر بالأساطير والملاحم التى انتقلت من جيل إلى جيل عبر الوجود اليومى والذاكرة والمشافهة والرواية والوثائق وغيرها من أشكال الذاكرة الخارجية التى ابتعدها الإنسان عبر التاريخ. فالتاريخ لون من ألوان القص، والقص عماد التاريخ وإن اختلفت مناهجه وخطاباته واشكاله وسردياته. وكل منتج إبداعى هو تاريخ بما يحمله من معنى يرتبط باللحظة التاريخية التى انتجته وبالظروف التى ظهر فيها. كما أن كلمة تاريخ فى معظم اللغات الأوربية فى أصلها بدءا من اليونانية القديمة واللاتينية واللغات الحديثة تعنى قصة. فكتاب شفيق غربال (الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس ومشروع استقلال مصر فى سنة 1801) ورواية (يعقوب) يدوران حول نفس الشخصية، أى شخصية يعقوب، وكتاب غربال بحث أكاديمى رصين اعتمد على منهج البحث التاريخى المحكم المعتمد على الوثائق والذى يحمل وجهة نطر المؤلف وتفسيره للأحداث ورؤيته لشخصية يعقوب، بينما جاء كتاب يعقوب للدكتور محمد عفيفى فى شكل رواية تعكس رؤية المؤلف للتاريخ كمساحة رمادية يختلط فيها الأبيض بالأسود، والخير بالشر، والذاتى بالموضوعى، ليبقى المعنى فى عقل القارئ، وتبقى القصة ماثلة أمام البشر، وتظل العبرة فيها لمن اعتبر.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك