جوزيف ستيجليتز: الليبرالية الجديدة لعبة خطيرة قلصت الحريات ودعمت الأنظمة المستبدة
في عام 1944، شعر الفيلسوف الاقتصادي النمساوي المولد ، فريدريش هايك - الذي كان قد نزح حديثًا إلى بريطانيا آنذاك - بالانزعاج من أقرانه الأكاديميين اليساريين؛ فكما رأى "هايك"، إن فلسفتهم السياسية ارتكبت الخطأ نفسه الذي ارتكبته الفاشية التي كانت تعصف بوطنه، ولذلك لخص أفكاره التي تمحورت حول أن الرغبة في تخطيط الاقتصاد بشكل مركزي كانت - في واقع الأمر - طريقًا مباشرًا إلى العبودية على الورق، واختار تلك الجملة عنوانًا لكتابه الأشهر في عالم الاقتصاد: «الطريق إلى العبودية»
وتكمن خطورة الأمر في أن محاولة محاربة السُلطوية أو الاستبداد قد تأتي بنتائج عكسية إن خلا الأمر من التأني والدراسة؛ إن العديد ممن يكرهون بصدق كل مظاهر النازية يعملون من أجل المُثُل التي سيؤدي تحقيقها مباشرة إلى النازية بعينها.
ومن هذا المنطلق، تناول كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي ومستشار رئيس الولايات المتحدة السابق بيل كلينتون ، جوزيف ستيجليتز ، هذه الفكرة بشكل مباشر عبر كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «الطريق إلى الحرية»، والذي يعتبر امتدادًا لسلسة أعمال "هايك" وأيضًا زميله الاقتصادي الليبرالي الأمريكي الراحل، ميلتون فريدمان في نفس الصدد.
فقال "ستيجليتز" إن المنطق يقول إن تدخل الدولة في كل أمور حياة الأفراد ليس سوى نمطًا من أنماط الاستبداد، ولكن في واقع الأمر فإن التحول إلى الليبرالية الجديدة - التي من المفترض أنها تهتم بالعدالة الاجتماعية - ليس سوى داء أو وباء أدى في الواقع إلى تقليص الحريات وتوفير أرض خصبة للشعبويين؛ ولذلك فإن الديمقراطية الاجتماعية - مع الأخذ في الاعتبار دورها الأكبر تجاه الدولة - تولد مجتمعات أكثر حرية وقوة وقادرة على الصمود في وجه المستبدين.
ولكن الديموقراطية الحقة لا تتأتى بدون ضوابط؛ فوقا لـ "ستيجليتز"، الخطأ الذي ارتكبه كلا من "هايك" و"فريدمان" - وحزب اليمين بصفة عامة ــ هو تجاهلهم الملفات المجتمعية الهامة في سبيل الحرية؛ مثل ملف أزمة المناخ، وتساهلهم في التعامل مع الإجراءات الاحترازية لوباء "كوفيد-١٩"، ومشاهدة التفاهات من الأخبار على شاشات التلفاز عوضًا عن فهم الحرية بشكل حقيقي.
وأوضح "ستيجليتز" أن النظرة المجتمعية الأشمل تقول إن الحرية لشخص ما يمكن أن تأتي على حساب شخص آخر - بل ويمكن لقدر معين من الإكراه أن يوسع الحجم الإجمالي للحرية.
وأشار إلى أن كلا من "هايك" و"فريدمان" فهما هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بالدفاع الوطني وحماية الملكية الخاصة، ولكن لا بد من توسيعه ليشمل البيئة والصحة العامة والاستثمارات في البنية التحتية التي من شأنها تحسين المجتمع بشكل كبير.
وانتقد "ستيجليتز" الافتقار إلى التخطيط الحضري في مدينة "هيوستن" الأمريكية على سبيل المثال؛ فتعجب أنّى لمتجر ألعاب جنسية أن يفتح أبوابه داخل مركز تجاري مزدحم يستضيف داخله مدرسة خاصة، وقال إن نهج "عدم التدخل" هذا الذي تتبعه الحكومة الأمريكية يخلق عوامل خارجية سلبية ــ وهي العبارة التي يستخدمها الاقتصاديون لوصف الأضرار المفروضة على أطراف ثالثة في المعادلة الاقتصادية - لأن الحرية في هذه الحالة لا تقتصر على الفرد بل يكون لها تبعات على أفراد المجتمع.
وعزز مستشهدًا بهذا المثال أن حرية شراء المنتجات الجنسية لاستخدامها من قِبَل البالغين تأتي بموافقتهم على حساب حرية الآخرين في عدم إعلامهم بهذه الأنشطة.
وفي الوقت نفسه، أشار "ستيجليتز" إلى القيود النفسية التي تفرضها السوق على الحرية؛ إن الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة تحد من وجهات نظرنا ورؤيتنا الموضوعية للأشياء والمنتجات مما يقلل من قدرتنا على اتخاذ الخيارات مثلما تفعل القوانين وسلطة الدولة. إن تحريرنا من هذه القيود يتطلب تنظيم حرية الآخرين، والحد من قدرتهم على خداعنا أو الترويج لنسختهم الاستقطابية والمشوهة من الواقع.
وأشادت صحيفة الجارديان البريطانية عبر أحدث مراجعة نقدية لها بالكتاب، بيد أن كان لها بعض المآخذ عليه؛ ومنها أن دور الإكراه أو "القمع النسبي" من قِبَل الدولة الذي افترضه في تعزيز الحرية والذي أسسه في الفصول القليلة الأولى من كتابه، بدا أنه يخفت تدريجيًا في الفصول اللاحقة حيث أصبح الكتاب ترديدًا لحجج مألوفة لصالح الديمقراطية الاجتماعية ودور الحكومة في التخفيف من فشل السوق.
وفي نهاية المطاف، كانت تنبؤات "هايك" خاطئة تمامًا تقريبًا. إن الدول التي تمتعت بالرفاهية في فترة ما بعد الحرب لم تؤول إلى الاستبداد؛ فقد شهد النصف الأخير من القرن العشرين توسع كبير في حدود ونطاق الحريات، ولم تتضاءل الرقابة فحسب - وأبرز مثال ودليل على ذلك هو إلغاء قوانين العقوبات على استعمال اللغة البذيئة وعبارات التجديف - بل وظهرت عدة حركات للحقوق المدنية المختلفة والنسائية وحقوق المثليين ومتحولي الجنس على سبيل المثال والتي ضمنت حصول المزيد من الناس على الحقوق الليبرالية التقليدية.
ومن ناحية أخرى، فإن السمة الأكثر إثارة للقلق في طرح "ستيجليتز" هي أنه ربما يكون على حق؛ لقد مهدت فترة الليبرالية الجديدة الطريق لصعود الديمقراطيين غير الليبراليين، والمستبدين مثل "ترامب" الذين قوضوا أو حاولوا الإطاحة بالديمقراطية الحقيقة.
ولكن يبقى السؤال: هل هؤلاء الناس - مع نفورهم الواضح من القواعد والقيود - لا يفهمون الحرية حقًا؟ أم أنهم ببساطة لا يهتمون ويرون أن الأمر مجرد عقبة تقف في طريقهم من الأفضل إزاحتها؟