حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، التقليل من حجم اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، واصفًا بعض الوقائع التي تحظى باهتمام دولي بأنها «حرائق بسيطة»، ومعتبرًا أن الحديث عن «عنف المستوطنين» يشوه الصورة في ظل ما قال إنها آلاف الاعتداءات التي يتعرض لها الإسرائيليون سنويًا، مضيفًا أن إسرائيل «دولة قانون» تدين من يرتكبون هذه الأفعال.
غير أن الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة خلال 2026، إلى جانب بيانات جيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه وأرقام منظمة حقوقية إسرائيلية تتابع ملفات الشرطة منذ أكثر من 20 عامًا، ترسم صورة أوسع بكثير من تلك التي قدمها نتنياهو؛ اعتداءات شبه يومية، وقتلى ومصابون، وإحراق للمنازل والمساجد والأراضي، وتهجير لتجمعات فلسطينية، فيما تكشف بيانات إنفاذ القانون أن الغالبية الساحقة من ملفات الاعتداءات التي تابعتها المنظمة الحقوقية انتهت دون لوائح اتهام.
- أكثر من 1600 اعتداء في أقل من 9 أشهر
بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية «أوتشا»، سجلت الضفة الغربية المحتلة، منذ بداية 2026 وحتى 14 سبتمبر، أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين أسفرت عن إصابات بين الفلسطينيين أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، بمتوسط 6.7 اعتداء يوميًا، مقابل خمسة اعتداءات يوميًا خلال 2025 و1.5 اعتداء يوميًا في 2021. وطالت الهجمات 275 تجمعًا فلسطينيًا خلال 2026، وهو عدد يقترب من إجمالي التجمعات التي تعرضت لهجمات خلال عام 2025 بأكمله.
وتقول «أوتشا» إن وتيرة الاعتداءات تتزايد ويتسع نطاقها الجغرافي في أنحاء الضفة، فيما تؤدي الهجمات المتكررة والقيود المصاحبة لها إلى عزل تجمعات فلسطينية وتقليص وصول سكانها إلى المنازل والأراضي الزراعية والخدمات الأساسية.
وتتسق هذه الصورة مع تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مارس 2026، وثق خلال فترة 12 شهرًا انتهت في أكتوبر 2025 1732 واقعة عنف للمستوطنين أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات، مقابل 1400 واقعة خلال فترة التقرير السابقة، وشملت المضايقات والترهيب وتدمير المنازل والأراضي الزراعية.
- «يقتلون شخصين أو ثلاثة».. 23 قتيلًا وأكثر من ألف مصاب
وقلل نتنياهو، حسب قوله، من الخسائر البشرية الناجمة عن اعتداءات المستوطنين، متحدثًا عن سقوط «شخصين أو ثلاثة».
وتظهر بيانات «أوتشا» أنه حتى أواخر أغسطس 2026، قتل 23 فلسطينيًا وأصيب أكثر من 1040 آخرين في سياق هجمات للمستوطنين، وتشمل الحصيلة فلسطينيين قتلهم مستوطنون مباشرة وآخرين قتلوا بنيران القوات الإسرائيلية خلال أحداث بدأت باعتداءات للمستوطنين.
كما سجلت المنظمة تصاعدًا واضحًا في الإصابات التي يتسبب فيها المستوطنون مباشرة؛ فمن متوسط فلسطيني مصاب كل ثلاثة أيام في 2020، إلى مصابين يوميًا في 2025، ثم أكثر من ثلاثة مصابين يوميًا خلال 2026.
- «حرائق بسيطة» أحرقت منازل ومساجد وهجرت أسرًا
ويكشف سجل الحوادث التي وثقتها الأمم المتحدة طبيعة الحرائق التي اختصرها نتنياهو في وصف «البسيطة».
ففي الخامس من أغسطس 2026، قالت «أوتشا» إن نحو 30 مستوطنًا هاجموا تجمع طوبا في مسافر يطا بالحجارة والمواد القابلة للاشتعال، ما أسفر عن إصابة خمسة فلسطينيين، بينهم فتاتان، واحتراق ثلاثة مبان سكنية بالكامل، وتهجير ثلاث أسر تضم 23 شخصًا، بينهم 14 طفلًا، فضلًا عن تدمير مخزن ونحو عشرة أطنان من أعلاف الحيوانات ومنظومة الطاقة الشمسية التي كانت تخدم التجمع.
وفي يونيو، وثقت «أوتشا» عشرة اعتداءات للمستوطنين استخدمت فيها النيران أو مواد قابلة للاشتعال في رام الله ونابلس وقلقيلية، شملت إحراق أراض مزروعة بالقمح والزيتون وإتلاف مركبات فلسطينية واستهداف أربعة مساجد على الأقل، بينها مسجد أضرمت النيران في طابقه الأرضي وآخر حاول المستوطنون إحراقه.
وبذلك، يتجاوز ما تسجله الأمم المتحدة توصيف حوادث تخريب محدودة؛ فالحرائق طالت مساكن مأهولة ودور عبادة وأراضي زراعية ومصادر رزق وبنية تحتية، وتسببت في تهجير فلسطينيين من منازلهم.
- أرقام الجيش الإسرائيلي نفسه تناقض اتجاه رواية نتنياهو
واستند نتنياهو في المقابل إلى الحديث عن آلاف الاعتداءات ضد الإسرائيليين، بما فيها إطلاق النار، لتقديم عنف المستوطنين باعتباره هامشيًا أمام حجم العنف الفلسطيني.
لكن جيش الاحتلال الإسرائيلي أعلن، في حصيلة رسمية نشرها في يناير 2026 عن العام السابق، أن ما يصنفه «حوادث إرهابية» في الضفة الغربية انخفض بنسبة 78% خلال 2025 مقارنة بعام 2024، فيما انخفضت الحوادث التي استخدمت فيها الأسلحة النارية بنحو 86%، وانخفضت حوادث الحجارة والزجاجات الحارقة بنسبة 17%.
وفي البيان نفسه، سجل الجيش اتجاهًا معاكسًا في ما يسميه «الجريمة القومية» التي يرتكبها إسرائيليون؛ إذ رصد نحو 870 واقعة خلال 2025، بزيادة 27% عن العام السابق، وصنف 120 منها باعتبارها وقائع خطيرة، مقابل 83 واقعة خطيرة في 2024.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها لأنها صادرة عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها؛ ففي العام الذي قال الجيش إن العنف الفلسطيني المصنف إسرائيليًا باعتباره «إرهابًا» انخفض بصورة كبيرة، أقر في الوقت ذاته بارتفاع حجم وخطورة العنف القومي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
- مزاعم «دولة القانون».. 93.6% من الملفات بلا اتهام
أما حديث نتنياهو عن أن إسرائيل «دولة قانون» تدين عنف المستوطنين، فيمكن اختباره من خلال سجل التحقيق والمحاسبة.
وتقول منظمة «يش دين» الإسرائيلية لحقوق الإنسان، التي تراقب منذ عام 2005 ملفات الشرطة المتعلقة بجرائم يرتكبها إسرائيليون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية، إن 93.6% من ملفات التحقيق التي تابعتها بين 2005 و2025 انتهت دون توجيه لائحة اتهام. كما خلص تحليل المنظمة إلى أن الشرطة أخفقت في التحقيق بصورة فعالة في 82% من الملفات التي درستها، بينما انتهت 3% فقط من الملفات إلى إدانة كاملة أو جزئية.
ووثقت «يش دين» أيضًا نحو 30 واقعة عنف جماعي منظم بين 2023 ونوفمبر 2025، مشيرة إلى وجود جنود أو أفراد شرطة خلال 16 منها، مع ورود تقارير عن تقديمهم مساعدة مباشرة أو غير مباشرة للمهاجمين. وهذه النتائج تمثل حصيلة الرصد الذي أجرته المنظمة وليست إحصاءات صادرة عن الحكومة الإسرائيلية.
كما اتخذ مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان موقفًا أكثر حدة في تقريره الصادر في مارس 2026، قائلًا إن عنف المستوطنين استمر بصورة «منسقة واستراتيجية»، ومعتبرًا أن السلطات الإسرائيلية لعبت دورًا في توجيه بعض هذه الممارسات أو المشاركة فيها أو تمكينها، وهي خلاصة ترفضها إسرائيل.
- عنف يدفع الفلسطينيين إلى الرحيل
وتظهر خطورة الظاهرة بصورة أوضح عند الانتقال من أعداد الهجمات إلى نتائجها على الأرض.
فبحسب «أوتشا»، هُجر أكثر من 3960 فلسطينيًا في الضفة الغربية خلال 2026 حتى مطلع سبتمبر نتيجة عمليات الهدم والإخلاء وهجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها، فيما شكل النزوح المرتبط باعتداءات المستوطنين وقيود الوصول أكثر من 60% من مجموع حالات التهجير المسجلة خلال العام.
كما قالت المنظمة إن 49 تجمعًا فلسطينيًا تعرض سكانها للتهجير الكامل منذ يناير 2023 عقب الهجمات المتكررة للمستوطنين والقيود المصاحبة لها، في مؤشر على أن آثار العنف تمتد من الإصابة وتخريب الممتلكات إلى تغيير الوجود السكاني الفلسطيني على الأرض.