نحتفل اليوم بالمولد النبوي الشريف، وهي المناسبة التي نحييها كل عام في الثاني عشر من شهر ربيع الأول في التقويم الهجري، لتعظيم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومقامه الشريف في قلوب المسلمين في مختلف أرجاء العالم.
ويسعد الأطفال على نحو خاص بتلك المناسبة مع الأجواء الاحتفالية والمبهجة، لاسيما الحلوى، وهي العادة التي لا تزال باقية منذ ما يزيد على ألف عام، بحكم الدولة الفاطمية.
دار الفطرة
وبحسب كتاب "صور من حياة الفاطميين في مصر" للدكتور أحمد محمد إبراهيم، فقد قال في حديثه عن الحلوى في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في العصر الفاطمي: "فكان يتم لها استعداد خاص في دار الفطرة، كما كان مجالا لإبداع وتفنن الحلوائيين في صنع ألوان وأشكال من تماثيل الحلوى لإدخال السرور والبهجة في عيون وقلوب الكبار والصغار، وهي السمة التي ظلت مرتبطة بهذا الاحتفال حتى اليوم".
ويذكر المقريزي في الجزء الأول من كتابه "المواعظ والاعتبار": "إذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بدأت الاستعدادات للاحتفال بالمولد النبوي، فيعمل في دار الفطرة مقادير كبيرة من السكر اليابس، حلواء يابسة، وتعبأ في الصواني، ثم تفرق على أرباب الرسوم وأرباب الرتب، فأول أرباب الرسوم قاضي القضاة، ثم داعي الدعاة، ويدخل في ذلك القراء في الحضرة والخطباء والمتصدرون بالجوامع في القاهرة والمشاهد، وفي الاحتفال بهذا العيد عام 516هـ، وعملت أربعون صينية خشبناج وحلوى وكعك، وأطلق برسم المشاهد المحتوية على الضرايح الشريفة لكل مشهد سكر وعسل ولوز ودقيق، وصدر الأمر بأن يعمل خمسمائة رطل حلوى وتفرق على المتصدرين والقراء والفقراء، وفي عام 517هـ وزع على المساكين بالجامعين الأزهر والعتيق بالقرافة خمسة قناطير من الحلوى، كما حمل من دار الفطرة إلى الأعيان والمستخدمين مقادير معلومة".
كيف ظهرت عروسة المولد؟
أما عن ظاهرة عروسة المولد، فلعل ظهورها كان امتدادا لظاهرة وجود القصور والتماثيل المصنوعة من الحلوى على الأسطحة، إذ يذكر المسحبي، وهو من كبار المؤرخين الذين عاصروا العهد الفاطمي: "وفي العيد حمل السباط على الرسم، التماثيل والتزايين والقصور من السكر، وشق به البلد، وكان عدد قطعه مائة واثنتين وخمسين قطعة من التماثيل، ومن القصور الكبار سبعة قصور، وشق به البلد، واجتمع الناس لرؤيته".
فمن خلال هذا النص يتضح أن ظاهرة صنع التماثيل ارتبطت أولا بإقامة الأسمطة (موائد وتجمعات الطعام) لتزيينها، ثم تطورت بتخصيص تمثال العروسة في احتفال المولد النبوي، وهناك بعض الآراء حول العروسة وارتباطها بالمولد النبوي، إذ يعلق الدكتور عبدالغني الشال على ذلك قائلا في كتابه "عروسة المولد": "وقد تكون فكرة العروسة لمناسبة المولد، هي نفس الأسطورة المرتبطة بعروس النيل، فالعروستان متصلتان بمولدين؛ مولد النيل والفيضان ومولد الرسول".
ويضيف الشال: "ويحتمل أن الحاكم بأمر الله، وكان غريب الأطوار، وقد حرم على الأهالي عمل الأفراح وإقامة الزينات إلا في مناسبة مولد النبي، لذلك كان الناس يعقدون عقد الزواج على العروسين ويجهزون (الجهاز) حتى قدوم المولد النبوي، فيتاح لهم عمل حفل الزفاف، وقبل مجيء المولد النبوي كان يتفنن أهل العروسين في عمل الحلوى وتشكيلها على هيئة عروسة تزف، وذلك تيمنا بالزواج المرتقب، لذلك نجد بين الفلاحين وبين أولاد البلد في الأحياء الشعبية من يشتري ويهدي للعروسة عروسة حلوى كبيرة الحجم، بحيث يحافظ عليها سليمة إلى أن تزف العروس ليلة الزفاف".