- الكتاب يتربع على قوائم مبيعات أمازون ويكشف أوجه التشابه بين هتلر وترامب
في كتابه "53 يوما: كيف فكك هتلر الديمقراطية"، لم يتناول المؤرخ الأمريكي تيموثي دبليو ريباك، ألمانيا النازية لمجرد إعادة سرد واحدة من أكثر فصول التاريخ الأوروبي ظلمة، وإنما استخدم الأيام التي سبقت تحول أدولف هتلر إلى ديكتاتور بوصفها عدسة لفهم سؤال معاصر أكثر إلحاحا؛ ألا وهو: "ماذا يحدث للديمقراطية عندما يصل إلى السلطة قائد يستخدم مؤسساتها وقوانينها وآلياتها من أجل إضعافها من الداخل؟".
واكتسبت هذه القراءة أهمية خاصة في ظل الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ لفت الكتاب إلى أوجه تشابه مقلقة بين الأساليب التي اتبعها هتلر بعد وصوله إلى المستشارية الألمانية عام 1933، وبعض التحركات السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة، ولم تقم المقارنة على القول إن التجربتين متطابقتان، وإنما على فحص الآليات التي يمكن أن تجعل المؤسسات الديمقراطية أكثر هشاشة عندما تتعرض لضغوط متواصلة من السلطة التنفيذية.
كيف تتآكل الديمقراطية؟
وبدأ ريباك عبر الكتاب - الذي تربع على قوائم مبيعات أمازون هذا الأسبوع - من نقطة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الديكتاتورية؛ وهي وصول هتلر إلى السلطة من خلال النظام الدستوري نفسه؛ ففي 30 يناير 1933، عُيَن مستشارا لجمهورية فايمار، ولم يحتج إلى انقلاب عسكري للإطاحة بالنظام، وبعد 53 يوما فقط، كان قد قطع شوطا هائلا في تحويل الجمهورية الدستورية إلى نظام استبدادي، وصولا إلى إقرار "قانون التمكين" في 23 مارس، الذي منح حكومته سلطة إصدار القوانين من دون موافقة البرلمان.
وهنا تكمن الفكرة الأكثر أهمية في الكتاب بالنسبة إلى القارئ؛ فالديمقراطية لا تسقط بالضرورة عندما تُلغى قوانينها دفعة واحدة، وإنما قد تتآكل عندما تُستخدم القوانين والمؤسسات القائمة لتفريغها من مضمونها، فقد استغل هتلر نقاط الضعف الموجودة أصلا في دستور فايمار، واستفاد من سلطات الطوارئ، وضغط على البرلمان، وضيَق مساحة الصحافة، وطهَر الجهاز الحكومي من الموظفين الذين لا يثق بهم، وأضعف استقلال القضاء، وفرض سيطرة الحكومة المركزية على الولايات، ثم عمل على إسكات خصومه السياسيين.
وأعاد ريباك من خلال هذه التفاصيل طرح السؤال نفسه على الولايات المتحدة المعاصرة: هل تكمن خطورة التحول السلطوي في القرارات الاستثنائية وحدها؟، أم في تراكم إجراءات تبدو كل واحدة منها منفردة قابلة للتبرير لكنها تقود مجتمعة إلى تغيير طبيعة النظام السياسي؟، كما ورد عبر صحيفة "نيويورك تايمز".
ومن هذه الزاوية، أصبحت بعض فصول الكتاب شديدة الصلة بالنقاش الأمريكي الحالي؛ فالكتاب يتناول، على سبيل المثال، الطريقة التي تعامل بها هتلر مع الصحافة، والموظفين الحكوميين، والمحاكم، والخصوم السياسيين، إضافة إلى استخدام التعريفات الجمركية والسيطرة على المصرف المركزي.
ولم يكن اختيار هذه الموضوعات عرضيا؛ فقد نشأ الكتاب من سلسلة مقالات نشرها "ريباك" عن هتلر، حمل بعضها عناوين مثل "الأوليجارشيون الذين ندموا على دعم هتلر"، و"تعريفات هتلر الجمركية الرهيبة"، و"ماذا حدث عندما واجه هتلر المصرف المركزي الألماني؟"، و"هوس هتلر بجرينلاند".
وكشف هذا البناء أن اهتمام المؤلف لا ينصب فقط على كيفية وصول هتلر إلى الحكم، وإنما على كيفية إدارته للسلطة بعد الوصول إليها، وهي نقطة مهمة في المقارنة مع الولايات المتحدة، لأن الخطر الذي يبحث فيه الكتاب لا يتمثل في انقلاب واضح على النظام الديمقراطي، بل في إمكانية استخدام صلاحيات الرئاسة، والقرارات التنفيذية، والضغط السياسي، وتعيين الموالين، ومهاجمة المؤسسات المستقلة، بحيث تتغير الحدود الفاصلة بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة تدريجيا.
تحول الصحافة إلى إحدى ساحات الصراع الأساسية
وظهرت الصحافة في هذا السياق بوصفها إحدى ساحات الصراع الأساسية؛ ففي ألمانيا عام 1933، لم يكتفِ النظام النازي بمهاجمة خصومه السياسيين، بل عمل على إخضاع وسائل الإعلام وتقليص قدرتها على مراقبة السلطة، ووضع ريباك هذا التطور ضمن سلسلة الإجراءات التي ساعدت هتلر على إحكام قبضته على الدولة والمجتمع.
كما أولى المؤلف أهمية خاصة لما حدث داخل الجهاز الحكومي؛ فقد أدرك هتلر أن السيطرة على الدولة لا تتطلب بالضرورة إلغاء مؤسساتها، وإنما يمكن أن تبدأ بإحلال الموالين محل الموظفين الذين قد يقاومون سياساته، وهنا اكتسبت المقارنة الأمريكية حساسيتها؛ إذ أصبح السؤال ليس فقط من يتولى الرئاسة، وإنما إلى أي مدى تظل المؤسسات الحكومية قادرة على العمل باستقلال عن إرادة الرئيس والحزب الحاكم؟.
لكن المؤلف لم يقدم هتلر باعتباره عبقريا استبداديا نجح وحده في تدمير الديمقراطية، بل على العكس، أكد أن انهيار جمهورية فايمار كان أيضا نتيجة فشل أولئك الذين كان يفترض بهم الدفاع عنها؛ فقد كانت مقاومة المحاكم وحكومات الولايات محدودة، واستسلم بعض رجال الأعمال للضغوط، كما سمحت نقاط الضعف الموجودة في الدستور باستخدام سلطات الطوارئ على نحو أضعف النظام بدلا من حمايته، وقد وصفت "بابليشرز ويكلي" هذه النقطة بأنها من أكثر جوانب الكتاب قوة، إذ رأى ريباك أن الديمقراطية كانت أكثر عرضة للخطر عندما لم يكن حُماتها مستعدين للدفاع عنها.
وهذه ربما هي الرسالة الأكثر إلحاحا التي حملها الكتاب إلى القارئ؛ وهي أن المؤسسات الديمقراطية لا تحمي نفسها بنفسها؛ فالقوانين قد تكون موجودة، والمحاكم قد تستمر في إصدار الأحكام، والبرلمان قد يظل قائما، والانتخابات قد تجرى في مواعيدها، لكن وجود هذه المؤسسات لا يعني بالضرورة أنها ما زالت قادرة على أداء الدور الذي أنشئت من أجله إذا تراجع استعداد المسئولين والأحزاب والنخب والمجتمع للدفاع عن استقلالها.
ومن هنا تأتي المقارنة بين هتلر وترامب في الكتاب باعتبارها مقارنة في الأساليب والآليات، لا في النتائج التاريخية أو حجم الجرائم؛ فالفارق بين ألمانيا النازية والولايات المتحدة المعاصرة هائل، ولا يمكن اختزال التجربتين في تشبيه مباشر، لكن ريباك رأى أن دراسة اللحظة الألمانية يمكن أن تساعد في التعرف إلى العلامات المبكرة التي تسبق تآكل النظام الديمقراطي؛ على غرار: "مهاجمة الصحافة، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات سياسية، والتشكيك في استقلال القضاء، والضغط على الخصوم، وتقديم الولاء السياسي على الالتزام المؤسسي".
ولم يقتصر الأمر على التشابه في الخطاب السياسي، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بمفهوم السلطة؛ فقد أثبت هتلر، كما أوضح المؤلف، أن القائد الذي يعادي الديمقراطية ليس مضطرا إلى إعلان الحرب على الدستور منذ اللحظة الأولى، ويمكنه بدلا من ذلك أن يقسم العملية إلى خطوات صغيرة، وأن يستفيد من الخوف والأزمات والانقسامات السياسية، وأن يقدم كل خطوة باعتبارها حلا لمشكلة ملحة، حتى يجد المجتمع نفسه أمام نظام مختلف تماما عما كان عليه قبل أسابيع.
وهذا ما يجعل عنوان "53 يوما" ذا دلالة تتجاوز التاريخ الألماني؛ فالرقم يشير إلى السرعة المذهلة التي تحولت بها ألمانيا من جمهورية دستورية إلى دولة أصبحت فيها السلطة التنفيذية قادرة على تجاوز القيود التي فرضها الدستور عليها، ومن ثم حوَل المؤلف هذه السرعة إلى تحذير سياسي بأن الديمقراطية لا تحتاج إلى عقود كي تنهار، فقد تكفي فترة قصيرة إذا اجتمعت أزمة سياسية مع قائد مستعد لاستغلال نقاط ضعف النظام، ومؤسسات غير قادرة أو غير راغبة في مقاومته.
ومع ذلك، فإن قيمة الكتاب لا تكمن في التنبؤ بأن الولايات المتحدة ستكرر تجربة ألمانيا النازية حرفيا، بل في رفض فكرة أن الديمقراطية الأمريكية محصنة تلقائيا ضد التآكل؛ فالمقارنة، في أفضل صورها، تجعل التاريخ أداة للفحص وليس نبوءة بالمستقبل، إذ تتيح للقارئ أن يسأل: "ما الذي يحدث عندما تصبح الأعراف السياسية أضعف من طموحات الحاكم؟، وماذا يحدث عندما يفضل حُماة المؤسسات التكيف مع السلطة بدلا من مواجهتها؟".