لم يكن تعلّم لغة جديدة أو التعرف على بلد أو اكتشاف معلومات عنها، أمس، بحاجة إلى كتاب أو سبورة أو مقعد داخل فصل دراسي؛ ففي معهد جوته بالدقي، كان يكفي أن تتوقف أمام إحدى الطاولات، وتستمع إلى كلمة بلغة لم تألفها من قبل، ثم تحاول تخمين معناها، أو تحاول الإجابة على سؤال يخص دولة ربما لم تذهب إليها من قبل، لتبدأ لعبة جديدة تنتهي أحيانًا بهدية تحمل اسم بلد آخر وثقافته.
من قاعة إلى أخرى، تنقل المشاركون بين نحو 18 محطة تمثل دولًا أوروبية مختلفة، في احتفال اليوم الأوروبي للغات 2026، الذي جمع بعثة الاتحاد الأوروبي في مصر بمشاركة 18 دولة ومعهدًا ثقافيًا وشريكًا (16 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، ودولتين شريكتين)، وهي: إسبانيا وبلجيكا والتشيك وفنلندا وفرنسا والسويد وألمانيا واليونان والمجر وإيطاليا ولاتفيا وليتوانيا وهولندا وبولندا والبرتغال ورومانيا، إلى جانب تركيا وجورجيا، في فعالية بدت أقرب إلى رحلة قصيرة بين عواصم وقصص وثقافات متعددة، من دون أن يغادر المشاركون القاهرة.
كانت كل دولة قد أعدت مساحتها الخاصة داخل المعهد، وحوّلت الطاولة أمامها إلى نافذة صغيرة على ثقافتها. أعلام، بطاقات، ألعاب وأسئلة، كلمات باللغة المحلية، معلومات عن البلد، وهدايا تنتظر من ينجح في حل التحدي.
الفكرة بدت بسيطة، لكنها سرعان ما جذبت أعدادًا كبيرة من المشاركين، خاصة الطلاب ودارسي اللغات، من مختلف الأعمار. فهنا لا أحد مطالب بحفظ قائمة من المفردات أو الإجابة عن سؤال في اختبار؛ المطلوب فقط أن يجرب، ويخمن، ويتعلم شيئًا جديدًا، وربما يكتشف أن كلمة ظنها صعبة ليست كذلك.
وبينما كان البعض يحاول التعرف على معنى كلمة أو الإجابة عن سؤال يتعلق بثقافة بلد معين، كان آخرون يتطلعون إلى ما سيحصلون عليه إذا نجحوا. فالهدايا تنوعت بين حقائب قماشية صديقة للبيئة، ودفاتر وأقلام، وقبعات وأكواب، إلى جانب فرصة لتذوق بعض الأطعمة والمشروبات المرتبطة بثقافات الدول المشاركة، من مأكولات شهيرة إلى القهوة وغيرها.
لكن اللعبة لم تتوقف عند الفوز بهدية من إحدى المحطات.
عند الدخول، كان كل مشارك يحصل على بطاقة يكتب عليها اسمه، ثم يبدأ رحلة جمع الأختام. في كل مرة يشارك فيها في نشاط إحدى الدول، يحصل على ختم من ممثليها، ومع جمع نحو خمسة أختام، تصبح البطاقة مؤهلة للدخول في السحب النهائي.
وهكذا تحولت البطاقة الصغيرة إلى أشبه بـ«جواز سفر» بين اللغات؛ كل ختم عليها كان يوثق محطة جديدة، وكل محطة تعني كلمة جديدة، ومعلومة جديدة، وتجربة مختلفة.
وكان لافتًا أن كثيرًا من ممثلي الدول المشاركين في الأنشطة جاءوا من المراكز الثقافية التابعة لها، ليصبح التواصل مباشرًا بين الزائر والثقافة التي يتعرف إليها. فلم تعد اللغة مجرد مجموعة من الكلمات في كتاب، وإنما صارت شيئًا يمكن سماعه وتجربته واللعب به والتحدث مع من ينتمي إليها.
ومن اليونانية والرومانية والبولندية والليتوانية والإسبانية، إلى السويدية والألمانية والهولندية والأيرلندية والبرتغالية والتشيكية وغيرها، بدت القاعة خلال اليوم وكأنها فسيفساء لغوية وثقافية؛ أصوات مختلفة، أبجديات مختلفة، وأعلام كثيرة، لكنها اجتمعت في مساحة واحدة حول فكرة واحدة: أن اللغة وسيلة للتواصل قبل أن تكون مادة للدراسة.
ولم يكن الإقبال مقتصرًا على فئة عمرية بعينها؛ فطلاب اللغات كانوا في مقدمة المشاركين، إلى جانب زوار من أعمار مختلفة، وجدوا في الأنشطة فرصة لاختبار ما يعرفونه واكتشاف ما لا يعرفونه. وبين محاولة وأخرى، كانت الضحكات والأسئلة تتنقل بين الطاولات، فيما يحاول كل مشارك الوصول إلى عدد الأختام المطلوب قبل نهاية اليوم.
ومع اقتراب الفعالية من نهايتها، انتقلت الأجواء من ألعاب المحطات إلى المسرح، حيث اجتمع سفراء الدول الأوروبية المشاركة؛ لتحية الحضور والمشاركين، قبل بدء السحب على البطاقات التي جرى جمعها طوال اليوم.
وصعد السفراء إلى المسرح واحدًا تلو الآخر للمشاركة في السحب، فيما تلقى الفائزون حقائب مليئة بالهدايا، بينما حصل بعض المشاركين أيضًا على منح لدراسة اللغات، لتتحول المنافسة التي بدأت بكلمة أو سؤال بسيط إلى فرصة حقيقية لمواصلة التعلم.
ثم اختتم اليوم بفقرة موسيقية شارك فيها عازفان بالغناء والعزف، لتأتي الموسيقى كلغة أخيرة لا تحتاج إلى ترجمة.
وعلى مدار ساعات، لم يكن «اليوم الأوروبي للغات» مجرد مناسبة للاحتفال بتعدد اللغات في أوروبا، بقدر ما كان تجربة عملية جعلت المشاركين يقتربون من اللغة من باب مختلف؛ باب الفضول واللعب والتجربة.
فربما خرج بعض المشاركين وهم يحملون حقيبة أو كوبًا أو دفترًا كذكرى لليوم، لكن الأهم أنهم حملوا معهم كلمات جديدة، ومعلومات عن بلدان لم يعرفوا عنها الكثير، وتجربة جعلت تعلم لغة جديدة يبدو أقل شبهًا بالدرس، وأكثر شبهًا باكتشاف بلد كامل.. كلمةً بعد كلمة.