محمد طرزى: السياسة فى رواية ميكرفون كاتم صوت ليست غاية بل خلفية تحكم حركة الشخصيات ومسار الأحداث - بوابة الشروق
الإثنين 2 مارس 2026 7:45 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

محمد طرزى: السياسة فى رواية ميكرفون كاتم صوت ليست غاية بل خلفية تحكم حركة الشخصيات ومسار الأحداث

حوار - محمود عماد
نشر في: الإثنين 26 يناير 2026 - 6:26 م | آخر تحديث: الإثنين 26 يناير 2026 - 6:26 م

- أردت أن تكون الرواية وثيقة أدبية عن مرحلة حساسة من تاريخ لبنان المعاصر
- السردية التى تقدمها الرواية تناقض سردية السلطة السياسية


يبقى الفن والأدب اللبنانى معبرا عن البلد وأحلامه وطموحاته، ومشتبكا مع أزماته، محاولا الوصول لجذورها؛ لتسليط الضوء عليها، ومحاولة اقتلاعها ومعالجتها.

ومن رحم كل ذلك تأخذ الرواية السياسية صدارة المشهد الأدبى اللبنانى، وفى الآونة الأخيرة برزت رواية «ميكرفون كاتم صوت» للكاتب والروائى اللبنانى محمد طرزى، والتى فازت بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2024، ومن ثم تبعتها بجائزة نجيب محفوظ للأدب فى نفس العام؛ لتحتل صدارة المشهد الروائى اللبنانى والعربى، وتصدر حديثا فى طبعة مصرية عن دار الشروق. وللحديث عن الرواية، والتعرف أكثر على مؤلفها الذى أصبح اسما أدبيا لامعا فى الأدب اللبنانى، ومحاولة رؤية لبنان فى روايته كان لـ «الشروق»، هذا الحوار مع الكاتب والروائى اللبنانى محمد طرزى.

- عنوان الرواية «ميكرفون كاتم صوت» عنوان لافت، حيث يكتم الميكرفون الصوت بدلا من أن يضخمه كما هى العادة.. ما دلالة العنوان كما تراها؟


العنوان يقوم على مفارقة مقصودة تكشف جوهر الرواية، وليس مجرد تركيب لغوى. فالرواية قائمة على التضاد، والعنوان هنا يجسد هذا التضاد الذى نلقاه فى أحداثها وشخصياتها. فبطل الرواية اسمه «سلطان»، لكنه يعيش فى المقبرة، ويسترزق من زوار القبور. صديقه «حسن» يتورط فى أمور أخلاقية لكنه عبثى نبيل. أما «عفاف»، فتمتلك ملهى ليليا، تستقبل فيه بائعات الهوى، وهى فنانة تشكيلية أيضًا، حتى وإن بدت لوحاتها تافهة.

على صعيد آخر، يشير العنوان إلى الميكروفون بوصفه سلاحًا لتضليل الناس. فمن يملكه يستطيع تضليلهم، لقدرته على تضخيم الصوت، وهو بذلك إنما يكتم أصوات الآخرين ويغتالها كما يفعل «كاتم الصوت». انسجامًا مع العنوان ترد فى الرواية عبارة أحبها: «أسوأ ما فى الطغيان هو التضليل!».

- تزخر الرواية بالكثير من الأفكار والرمزيات والأسئلة حول الوطن ومعناه والفساد الذى ينخر الأوطان وغير ذلك.. ألم تخف من التباس الرسالة التى تود إرسالها إلى القارئ؟


الرواية، كما تعلم، ليست مقالة سياسية تهدف إلى إيصال رسالة واضحة ومحددة، فقارئ الأدب شريك الكاتب فى صناعة المعنى، لا مجرد متلق للأفكار. إن الكاتب هنا يستخدم الأدوات الرمزية بوصفها أدوات فنية وأدبية، تفتح نوافذ على آفاق متعددة. لذلك لم أَرم إلى تقديم حقيقة جاهزةٍ أفرضها على القارئ، بل توسلتُ الرمزية لأنها تتيح مساحة للتساؤل والمشاركة فى الاستنتاج. فضلا عن أن زمن الرواية يدور فى مرحلة ملتبسة، حاولتُ التعبير عنها بهذه الرمزية خشية الوقوع فى تزييف الواقع أو تبسيطه.

- تتناول فى روايتك فترة شديدة الحساسية فى التاريخ اللبنانى المعاصر من الأزمة الاقتصادية الطاحنة وثورة 17 تشرين، بالإضافة لتأثير كورونا، وصولا لانفجار مرفأ بيروت، كما أنها تركز على الأزمة الطائفية. هل هذا نوع من التأريخ عن طريق الأدب؟


أردتُ الرواية، فى مكان ما، أن تكون وثيقة أدبية عن مرحلة حساسة من تاريخ لبنان المعاصر. لذلك تعمّدتُ الإشارة إلى مجمل ما جرى فى تلك الفترة، ولم أكتف بمعالجة أزمةٍ واحدة، كالأزمة المالية أو انفجار المرفأ. كما رغبتُ فى مقاربة تلك المرحلة من الزاوية التى أراها، ويراها الكثير من المهمشين الذين لا يملكون «ميكروفونًا». فالسردية التى تقدمها الرواية تُناقض سردية السلطة السياسية التى حاولت، بأدواتها الإعلامية، أن تُقدم ما جرى كأزمة مفتعلة من الخارج، أو كقدر لا مفر منه، لا كأزمة هى نفسها التى تسببت بها، عبر الفساد والتضليل والارتهان للمشاريع الخارجية. إذن، نعم، هو تأريخ أدبى فى مواجهة تأريخ السلطة.

- الرواية بها الكثير من السياسة بين طيات الأدب.. هل ترى أنها رواية سياسية بالأساس؟


نعم، هى رواية سياسية اجتماعية واقعية، لكن السياسة فيها ليست غاية بل خلفية تحكم حركة الشخصيات ومسار الأحداث. الرواية لا ترفع شعارات، بل تحاول أن تُظهر كيف تتسرب السياسة إلى تفاصيل الحياة اليومية، وكيف يصبح المواطن العادى ضحية منظومة تتغذى على الفساد والتضليل.

الجانب السياسى حاضر بقوة، لأن الواقع اللبنانى نفسه مُثقل بالسياسة إلى حدّ يصعب فيه فصل السياسة عن أى تجربة إنسانية أو اجتماعية، لكننى حاولت تقديم البعد السياسى من خلال الدراما الإنسانية، عبر مصائر شخصيات تبحث عن معنى وسط الفوضى، لا من خلال خطاب مباشر أو تنظير أيديولوجى. بهذا المعنى، يمكن القول إن الرواية سياسية فى جوهرها، لكنها تظلّ رواية عن الإنسان أولًا، عن هشاشته، وتمزقه بين الولاء والانتماء، وعن محاولته المستمرة لفهم وطن يبدو كأنه يبتلعه شيئًا فشيئًا.

- هنالك رمزية شديدة حول الزعيم الذى يطل على معظم أحداث الرواية وعلى خطاباته وصورته وضحكته.. هل يمكننا الفهم أن هذا الزعيم هو شخصية حقيقية، أم أنه مجرد رمزية؟


الزعيم فى لبنان أكثر تأثيرًا من المسئول الرسمى. فهو المتحكم فى شئون طائفته من جميع النواحى، بغضّ النظر عن موقعه فى السلطة. ولكل طائفة زعيمها، يتصرّف بطريقة لا تختلف عن غيره من الزعماء، بالرغم من ادّعائه العداء الدائم لهم، ولا غاية له فى ذلك سوى إبقاء شعلة العصبية مشتعلة. الزعماء اللبنانيون، فى جوهرهم، أشبه بشخصيات رواية مزرعة الحيوان؛ يتصارعون فى العلن، لكنهم يتقاسمون الغنائم فى الخفاء. من هنا، فالزعيم فى الرواية، وإن بدا مرتبطًا بمنطقة محددة أو شخصية بعينها، هو فى الحقيقة تجسيد رمزى لكلّ أولئك الزعماء مجتمعين.

- على ضوء أحداث الرواية.. كيف ترى الوضع الحالى للبنان؟


تردُ فى الرواية، التى كتبتها ونشرتها قبل اندلاع الحرب الأخيرة، العبارة التالية:

«بدا أن المقبرة تتقدم بسرعة مهولة، بينما المدينة تتقهقر على وقع ضربات الحفار». بدت هذه العبارة، يومها، أقرب إلى نبوءة قاتمة، إذ تكهنت بما جرى لاحقًا من حرب قاسية، ولا تزال تحاكى بالمصير المظلم الذى يترصد لبنان فى ظل المتغيرات الأخيرة التى جعلت بلدى أعزل فى وجه عاصفة مهولة، تزحف بسرعة نحوه.

- حصدت روايتك جائزتين رفيعتين وهما جائزة نجيب محفوظ التى تمنحها الجامعة الأمريكية بمصر، وجائزة كتارا للرواية العربية. كما أن لك باعا قبل ذلك فى الجوائز بشكل عام. كيف ترى الجوائز الأدبية وتأثيرها على المشهد الأدبى وعلى الكاتب بشكل خاص؟


أرى أن الجوائز الأدبية تؤدى دورًا مهما فى تنشيط المشهد الثقافى وتسليط الضوء على أعمال تستحق القراءة، كما تتيح للكاتب الوصول إلى قراء جدد وتمنحه نوعًا من الاعتراف الرمزى بجهده الإبداعى. لكنها فى الوقت نفسه ليست معيارًا نهائيًا للقيمة الأدبية، لأن التقييم الأدبى يظل رهينًا بذائقة لجان التحكيم وظروف اللحظة الثقافية. لذا أتعامل مع الجوائز بوصفها دعمًا لمسار الكاتب وليست غاية فى حد ذاتها.

- صدرت حديثا الطبعة المصرية من روايتك «ميكرفون كاتم صوت» عن دار الشروق.. فكيف ترى هذا التعاون مع الدار وكيف ترى الطبعة المصرية بشكل عام؟


التعاون مع دار الشروق شكّل بالنسبة لى خطوة مهمة فى مسار الرواية. فالشروق دار رصينة ذات حضور عربى واسع، وتاريخها فى نشر الأدب العربى والعالمى يمنح الكاتب ثقة إضافية بأن عمله سيصل إلى قراء كثر فى مصر. أعتبر الطبعة المصرية نافذة جديدة للرواية على قارئ مختلف، شديد الحساسية تجاه اللغة والفكرة والتفاصيل. ما يتيح للنص حياة أخرى فى سياق ثقافى مغاير. يسعدنى أن تكون «ميكرفون كاتم صوت» قد وُلدت من جديد عبر هذه الطبعة، بصناعة فنية أنيقة تحترم القارئ وتحتفى بالكتاب فى آن.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك