مصطفى الفقي يكتب: عروبة العراق - بوابة الشروق
الخميس 3 ديسمبر 2020 2:38 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

مصطفى الفقي يكتب: عروبة العراق

الدكتور مصطفى الفقى
الدكتور مصطفى الفقى

نشر في: الإثنين 26 أكتوبر 2020 - 9:26 م | آخر تحديث: الإثنين 26 أكتوبر 2020 - 9:26 م

تلقيت دعوة كريمة منذ أيام من سفير العراق فى مصر للعشاء بمنزله العامر على شرف وزير خارجية العراق فؤاد حسين بحضور أحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدول العربية وعمرو موسى الأمين العام الأسبق ومعظم السفراء العرب فى القاهرة ولفيف من الدبلوماسيين المصريين والإعلاميين، وقد شرد ذهنى منذ اللحظة الأولى صوب العراق الشقيق بما يمثله من ثقل فى العالم العربى وأهمية كبيرة فى الميزان الاستراتيجى للقوى الاقتصادية والعسكرية فضلا عن المكانة السياسية.
فقد وهب الله العراق ما لم يهبه لغيره، فيه النفط والمياه والأرض الخصبة والكوادر المدربة فى التخصصات المختلفة، ولكن الله أيضا قد سلط على ذلك الشعب العريق نماذج سيئة فى حيازة السلطة وقيادة الدولة، كما أحاطته الأطماع من الجيران تارة ومن القوى العظمى تارة أخرى ومن العبث بوحدته الداخلية تارة ثالثة، فانتقل العراق فى العقود الأخيرة، من حرب إلى حصار إلى حرب أخرى إلى احتلال عبث بمقدرات ذلك البلد الكبير، فتم تسريح الجيش العراقى الذى كان حارسا للبوابة الشرقية للأمة العربية، كما جرى تفكيك الدولة سياسيا وتمزيق وحدتها وطنيا. ولولا أن العراق بلد الوفرة ما استطاع أن يصمد لكل ما جرى له، فلقد استعاد الاحتلال نعرة التقسيم الطائفى بين سنى وشيعى ونعرة التقسيم القومى بين عرب وكرد وزاد على ذلك قيامه بخلق الفتن وزرع الاضطرابات وتغذية العنف وتمكين التنظيمات الإرهابية من العبث بأمن واستقرار بلد الرافدين معقل الحضارة القديمة فى بلاد ما بين النهرين التى احتضنت ازدهار الدولة الإسلامية على يد العباسيين وكانت منارة للعلم والمعرفة لعدة قرون، فما من فقيه إسلامى أو مفكر عربى أو عالم استثنائى إلا ومر بالعراق أو عاش فيه، فهو عراق المدرسة المستنصرية، وهو عراق حضارة بابل وآشور وهو نقطة التماس بين العالم العربى والفرس والأتراك معا فضلا عن بسالة مقاتليه وبأس جنده وارتباطه الدائم بأن تكون دولة شديدة المراس ذات حضور فى الجغرافيا والتاريخ معا.
لذلك فإن عروبة العراق أمر عزيز على قلوبنا، ومهم لوجودنا، وضمان لاستمرار ركيزة عظيمة بيننا، ولقد كان لغياب الدور العروبى للعراق فى العقود الأخيرة أثره السلبى فى مكانة العرب وعزتهم، فافتقدت المنظومة العربية الدور العراقى الذى كان نشيطا ومؤثرا، والذى يسعى لاستعادته الآن خروجا من النفق المظلم الذى دخلت فيه تلك الدولة التى تمثل ثقلا إقليميا لا ينكره أحد، ولقد سمعت من الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية الدبلوماسى المخضرم عمرو موسى عن جهود الجامعة أثناء وضع الدستور العراقى الجديد من أجل تأكيد عروبة العراق والتوقف عن محاولات تقسيمه عرقيا وطائفيا والامتثال أمام الدور العربى للعراق على مر السنين، وقد قال إن الذى كان يحاوره فى هذا الشأن هو سياسى عراقى كردى أكد أن العراق بلد مؤسس فى جامعة الدول العربية حسما للخلاف النظرى حول عروبة العراق وتجذر النزعة القومية فى داخله، ويهمنا هنا أن نطرح عددا من الاعتبارات المتصلة بهذا السياق:
أولا: إن الشعب العراقى شريك أساس فى كل معارك أمته العربية عبر التاريخ كما أنه شعب ملتزم بثوابت القضية الفلسطينية دافع عنها ولم يفرط فيها، وقد شهد العراق وشارك فى انتصارات الأمة العربية وانتكاساتها وتعرض معها لكافة المطبات السياسية التى عبرت فى أجوائها، ولقد حاول الاحتلال الأمريكى للعراق العبث بهويته وتغيير شخصيته، ولكنه لم يفلح إلا فى نشر مزيد من الضحايا والأشلاء والدماء مع حرص أمريكى على عزل العراق عن أمته العربية حتى ولو أدى ذلك إلى التضحية والزج به فى تقارب شديد مع إيران وزرع الفتن وتصدير الاضطرابات الطائفية والسياسية، وقد أسهم الأتراك من جانبهم أيضا فى تقديم لوجستيات لتنظيم داعش الإرهابى فى شمال العراق حتى تمكن العراقيون ببسالة جيشهم من طرد فلول داعش فى الموصل وغيرها من مناطق الشمال.
ثانيا: إن تحسن العلاقات السعودية العراقية ينعكس تلقائيا على تقارب خليجى مع بغداد ويزيل من الذاكرة مواقف الرئيس العراقى صدام حسين من الكويت وبعض دول الخليج، لذلك نشطت الدبلوماسية العراقية أخيرا فى المنطقة وفتحت جسورا جديدة مع كل من القاهرة وعمان، ولقد جاءت زيارة وزير خارجية العراق فى إطار ذلك السياق الذى يستعيد به بلاده دوره العربى ومكانته الإقليمية، ولا شك أن الدور العراقى يتمتع حاليا بقبول عربى عام وترحيب قومى خصوصا بعد المعاناة التى عرفها الشعب العراقى نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادى والعشرين حيث كان العراق محط الأنظار بكل ما فيه من معارك ومشكلات وأزمات، وحان الوقت للعراق أن يستريح استراحة محارب ليهتم باقتصاده وقواته المسلحة وشعبه الذى عانى كثيرا.
ثالثا: إن العراقيين، شيعة وسنة، ينتمون إلى أصول عربية وقبائل وعشائر دخلت للعراق من جنوبه واستوطنت البصرة وما حولها، وكانت النواة لعروبة العراق بعد فتحه الإسلامى، وإذا كان الشيعة العراقيون متركزين فى جنوب الدولة فإن ذلك يعنى أن عروبة الشيعة ليست محل جدال وأن التوحد المذهبى مع إيران الفارسية لا يعنى أن شيعة العراق يفضلون تشيعهم على عروبتهم، فالعروبة تاريخ وحضارة وانتماء لا ينتهى، ونحن نتذكر الآن أن الحرب الإيرانية العراقية قد حشد فيها صدام حسين شعبه دون تفرقة بين سنة وشيعة. فلقد كانت المواجهة عربية فارسية رغم أنها كانت حربا غير مبررة دفع فيها العراقيون ثمنا باهظا لأنها كانت أقرب إلى المغامرة منها إلى الحرب المحسوبة، لذلك فإننا نظن أن العراق الجديد يعيد ترتيب أوراقه محليا وإقليميا ودوليا على ضوء المستجدات التى طرأت على المنطقة بما فى ذلك الخطوات الأخيرة لدولتين فى الخليج العربى أقامتا علاقات مع إسرائيل حتى أن البعض يرشح العراق لأن يكون إحدى الدول القادمة التى تفتح جسرا جديدا مع الدولة العبرية وإن كنا نشك فى ذلك على ضوء الأوضاع الجديدة داخل العراق.
رابعا: إن ثورات الربيع العربى ابتعدت عن العراق لأن فيه ما يكفيه ولم يعد بحاجة إلى ثورات مستوردة لكى يسترد مكانته، ورغم ذلك كله فإنه من الصعب أن يقال إن العراق معتمد على غيره لأن موارده متاحة وكوادره متوفرة كما أن سيطرة الحكومة المركزية فى بغداد أصبحت تشمل العراق الفيدرالى دون تدخل دائم أو مواجهات مباشرة، وبالمناسبة فإن أكراد العراق، الذين يتحدث معظمهم العربية، لا تقل حفاوتهم بالعروبة وقبولهم التاريخى لجوارها الممتد عن أن تكون ركيزة راسخة للعلاقات العربية الكردية واضعين فى الاعتبار الأطماع التركية فى بعض المناطق الكردية شمال العراق حيث ثروة النفط تمثل هاجسا جاذبا لأطماع الأتراك فى تلك المنطقة مثلما هى أطماعهم فى مناطق أخرى فى سوريا.
خامسا: إن الدور العراقى النشط على الساحة الدولية يسمح له بأن يستعيد عافيته فى أقرب وقت وأن يخرج من الدائرة الأمريكية ليتعامل معها فى ندية، فالكل يدرك تضحيات شعبه وقدرته على مواجهة التحديات والخروج من الأزمات عربيا قويا منيعا.
مرحبا بالعراق بلد الحضارات والثقافات والديانات إضافة قومية لأمته العربية وشعوبها التى تؤمن بأن العراق ركن هام فى الساحة العربية والفضاء الدولى على مر العصور.

نقلا عن إندبندنت عربية



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك