انتزع الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا فوزًا صعبا في سباق الرئاسة البرازيلية بفارق ضئيل عن منافسه اليميني المتطرف فلافيو بولسونارو، حيث تمكن من حصد 51.8% مقابل 48.2% لمنافسه، ما يؤكد صعوبة الطريق أمام دا سيلفا في قلب تأخره في الجولة السابقة التي جرت أوائل الشهر الجاري، إذ حصل فلافيو بولسونارو على 47.03% من الأصوات، مقابل 45.16% لولا دا سيلفا.
وبتلك النتيجة، جدد البرازيليون الثقة في دا سيلفا للمرة الرابعة، فقد سبق أن حكم البرازيل بين عامي 2003 و2010، قبل عودته إلى السلطة عام 2023 ويستمر بذلك الفوز لعام 2030.
• المجتمع المدني في البرازيل يطالب الحكام الجدد بمقاطعة الاحتلال
وفي سبتمبر الماضي، أصدرت مجموعة من 14 منظمة برازيلية مرتبطة رسالة مفتوحة طلبت فيها من المرشحين لمختلف المناصب الالتزام بالدفاع عن القضايا المتعلقة بهذا النضال.
ووفقاً لمنظمي المبادرة، فإن الهدف هو إنشاء "رسالة التزام تنص صراحة على موقف بشأن الجرائم ضد الإنسانية التي لا تزال مستمرة في فلسطين وبناء آليات ملموسة للتضامن مع الشعب الفلسطيني في بلدنا"، وشملت المطالب رفض أي فعاليات أو رعاية أو اتفاقيات مع الجهات أو الشركات الحكومية الإسرائيلية المتواطئة، واستخدام المنصات ولجان حقوق الإنسان وشبكات الاتصال التابعة للولايات والأحزاب للتنديد بجرائم الحرب الإسرائيلية ودعم لجان التضامن علنًا، إلى جانب اقتراح وإقرار قوانين اتحادية ومحلية تمنع الجهات العامة من التعاقد مع الشركات المستفيدة من الاحتلال أو الفصل العنصري أو الإبادة الجماعية في فلسطين.
كما طالبت بإدراج شروط في المناقصات العامة تستبعد الشركات المتورطة في تصنيع أسلحة مستخدمة في الإبادة الجماعية أو العاملة في المستوطنات غير القانونية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، ومراجعة جميع العقود القائمة بين السلطات التنفيذية والشركات الإسرائيلية، مثل "إلبيت سيستمز" و"آي إس دي إس" و"إن إس أو جروب" و"ميكوروت"، والمطالبة بإنهائها استنادًا إلى البنود التي تنتهك حقوق الإنسان والقانون الدولي.
ودعت الرسالة أيضًا إلى عرقلة أي مشروعات قوانين أو اتفاقيات للتعاون التقني أو التبادل العسكري أو الأكاديمي مع إسرائيل أو قواتها المسلحة أو المؤسسات المتواطئة معها، والإلغاء الفوري لجميع عقود شراء الأسلحة وصيانتها والتدريب عليها، واقتناء تقنيات المراقبة والذخائر والطائرات المسيرة والبرمجيات من المجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي لصالح قوات الأمن الإقليمية أو الاتحادية، فضلًا عن وقف التدريب والدورات والمهام الرسمية وتبادل التكتيكات الشرطية والعسكرية مع جيش الاحتلال أو الشرطة الإسرائيلية.
وفيما يتعلق برئاسة الدولة والوزارات، دعت المبادرة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية فورًا مع إسرائيل، وطرد السفراء، وإلغاء اتفاقية التجارة الحرة بين تكتل "ميركوسور" وإسرائيل، وفرض عقوبات اقتصادية عليها.
• كيف أصبح لولا داسيلفا صديقا لفلسطين؟
على السنوات الأخيرة يؤكد دا سيلفا، أن الحرب في غزة في غزة جريمة إبادة جماعية، وصرح به في محافل عديدة في ذلك خطاباته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. لذا وانضمت البرازيل إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وبعد تشبيه لولا عمليات القتل في غزة بـ"لمحرقة النازية، أعلنته الحكومة الإسرائيلية شخصًا غير مرغوب فيه، حسب بوابة اللاجئين الفلسطينيين.
وترأست البرازيل مجلس الأمن وسعت فوراً إلى تمرير قرار يدعو إلى "هدنة إنسانية"، لكنه سقط بفعل الفيتو الأمريكي.
كما سحبت البرازيل سفيرها من تل أبيب، واستغرقت حكومتها سبعة أشهر للنظر في طلب الموافقة على تعيين سفير إسرائيلي لدى برازيليا، قبل أن تسحب حكومة بنيامين نتنياهو الترشيح، وانخفضت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى مستوى القائم بالأعمال.
وفي مارس 2024، رفع الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا علم فلسطين خلال افتتاح الدورة الرابعة للمؤتمر الثقافي الوطني الرابع في العاصمة برازيليا.
وبث التلفزيون الرسمي البرازيلي، مشاهد مصورة للرئيس دا سيلفا وهو يحمل العلم الفلسطيني بجانب الشاعر البرازيلي أنطونيو مارينيو، والمغنية الشابة وزيرة الثقافة مارجريت مينيزيس، وسط تصفيق حار من الحضور.
وفي 22 سبتمبر الماضي، كان نتنياهو رئيس الحكومة الوحيد الذي انتقده دا سيلفا بالاسم في خطابه أمام الأمم المتحدة.
• بولسونارو.. الصديق الذي خسرته إسرائيل
وفي المقابل، وقبل أسبوعين من جولة الإعادة الحاسمة، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرشح الرئاسي فلافيو بولسونارو إلى زيارة إسرائيل، في أحدث حلقات الدعم العلني الذي بدأ قبل أشهر.
وأعلن مكتب نتنياهو أن بولسونارو بادله الدعوة، وأن الطرفين يتطلعان إلى "تجديد الصداقة العميقة" بين بلديهما.
وفي آخر يناير الماضي زار فلافيو إسرائيل برفقة شقيقه إدواردو، والتقيا نتنياهو خلال مؤتمر لمكافحة الإرهاب. ونقلت شبكة "سي إن إن" البرازيلية عن مكتب المرشح تعهده باستئناف العلاقات التجارية مع إسرائيل بالكامل إذا فاز بالرئاسة.
وفي يوليو، عُرضت رسالة مصورة من نتنياهو خلال مؤتمر الحزب الليبرالي لإعلان ترشيح فلافيو، بحضور الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.
في يناير الماضي، سألت صحيفة "يسرائيل هيوم" فلافيو عما إذا كان سينفذ ما لم يفعله والده وينقل السفارة إلى القدس، فأجاب: "نعم، ستكون هذه إحدى أولى الخطوات التي أتخذها".
• بين اليسار واليمين.. القضية الفلسطينية في البرازيل
وفي سياق الحديث عن الانتخابات الحالية، نستعرض مواقف البرازيل من القضية الفلسطينية على مدار الـ25 عامًا الأخيرة، إذ تمثل القضية جزءًا مهمًا من المشهد السياسي البرازيلي، وتُعد من أبرز نقاط الخلاف بين معسكر اليسار الذي يتزعمه لولا دا سيلفا، ومعسكر اليمين الذي تزعمَه الرئيس الأسبق جايير بولسونارو، وورثه نجله فلافيو الذي حاول السير على نهج والده.
بحسب الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، اتخذت البرازيل، في ظل حكومات حزب العمال برئاسة لولا دا سيلفا (2003–2011) وديلما روسيف (2011–2016)، عدة إجراءات لدعم فلسطين، مثل تقديم المساعدات لغزة ورفض تعيين داني دايان، زعيم المستوطنين السابق، سفيرًا لإسرائيل لدى البرازيل. وكان من أبرز هذه الإجراءات اعتراف البرازيل عام 2010 بدولة فلسطين على حدود عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، في تحرك قادته برازيليا بمشاركة دول من أمريكا اللاتينية.
لكن أول تحول أيديولوجي عميق مؤيد للصهيونية في السياسة الخارجية البرازيلية جاء بعد سنوات، في عهد الرئيس جايير بولسونارو (2019–2022). وفشلت محاولته المبكرة لنقل السفارة البرازيلية إلى القدس، تحت ضغط من قطاع لحوم الدجاج الحلال الذي خشي أن تلحق الخطوة ضررًا بالغًا بالصادرات إلى فلسطين والمنطقة العربية والإسلامية. ومع ذلك، اتخذت حكومته إجراءات أخرى مؤيدة لإسرائيل، شملت التصويت لصالحها في المحافل متعددة الأطراف وتعزيز العلاقات العسكرية الثنائية معها.