الجزء الأول: مرثية عادل درويش للمدينة التي كانت عاصمة للعالم
يتناول الكتاب تحولات المجتمع السكندري عبر قرن من الزمن وحكايات الجاليات الأجنبية في المدينة الكوزموبوليتانية التي كانت يوماً ملتقى للحضارات.
يتحدث المؤلف عن العظماء الذين عاشوا في الإسكندرية، مثل الشاعر اليوناني الفذ كفافيس، والمؤرخ الإنجليزي فوستر، ولورنس داريل. من أمتع أجزاء الكتاب وصفه لترام الرمل وذكر أسماء المحطات جميعها وسبب تسميتها. كما يقدم شرحاً وافياً عن النظام الصحي في مصر، مؤكدًا أن أطباء الزمن القديم كانوا أكثر دقة وأمانة، وأن معظم الأدوية كانت تُحضّر في صيدلية ميدان سعد زغلول. كما يتناول الكتاب أحداث ثورة 1919 والديمقراطية المفقودة، الأزاريطة وكليوباترا، وحكايات الحجر الصحي وشواطئ الاستجمام.
ويتطرق الكتاب إلى اختفاء مظاهر الاحتفال بالكريسماس وانهيار القلاع التجارية. كما يجيب على سؤال لماذا يرى عادل درويش الإسكندرية مدينة هيلينية، وكيف تحولت تحفها المعمارية إلى مبانٍ قبيحة، ويستعرض قصة مطعم «بنيامين» الذي لخص تاريخ التسامح السكندري، بناه يهودي وباعه إلى طباخه المسلم.
لا يكتفي الكاتب عادل درويش، في كتابه الضخم «وداعًا يا إسكندرية»، بسرد ذكرياته الشخصية، بل يقدم مرثية شجية لمدينة لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل كانت فكرة تجسد التسامح الكوني. يصطحبنا درويش في رحلة بصرية وزمنية تبدأ من لحظة وصوله المتأخرة عام 2012، ليقارن بين إسكندرية «الكوزموبوليتانية» التي عرفها وبين واقعها الراهن الذي غابت عنه ملامح الجمال القديم.
ويستحضر المؤلف أرواح العظماء الذين اتخذوا من مقاهي محطة الرمل مثل «التريانون» و«الأتينيوس» صالونات فكرية، من «كفافيس» إلى «لورنس داريل»، كاشفاً عن هوية سكندرية فريدة لا تنتمي لشرق أو غرب، بل تنتمي لذاتها فقط.
الكتاب ليس مجرد مذكرات، بل هو «أرشيف حي» يوثق أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ من رحلة ترام الرمل، التي تعد قطعة من الأدب الراقي، إلى تاريخ الجاليات اليونانية والإيطالية واليهودية التي بنت معالم المدينة، وصولاً إلى قصص المستشفيات العريقة وعبق الشوارع في «محرم بك». إنه نص يمزج بين عبق التاريخ المصري الحديث وبين الحسرة على ضياع «الطبقة الهيلينية» التي جعلت من الإسكندرية يوماً ما، المدينة الأجمل على ضفاف المتوسط.

حول الكتاب والمؤلف
يعود الكاتب الصحفي عادل درويش، السكندري المولد والبريطاني-المصري منذ نحو خمسين عاماً، في كتابه إلى الإسكندرية وتاريخها الحديث، مع معلومات ضخمة عن تاريخ مصر الحديث بعيدًا عن الإسكندرية، بتفاصيل دقيقة. الكتاب ضخم، الناشر دار نوماد في لندن، وصدر عام 2022 في 458 صفحة.
في المقدمة يذكر المؤلف زيارته للإسكندرية عام 2012 ووصوله إلى مطار برج العرب وصعوبة الوصول مقارنة بمطار النزهة، ويتحدث عن الصعوبات الصحية التي واجهته، بما في ذلك أمراض القلب والعمليات الجراحية والأدوية التي أضعفت نظره، لكنه أكمل الكتاب بمساعدة أصدقائه.
الكتاب يتميز بلغة إنجليزية راقية وسلسة. ويتحدث عن مقهى التريانون الشهير في محطة الرمل، أسفل فندق متروبول، حيث كانت توجد مسلتان من مصر القديمة؛ إحداهما في لندن والأخرى في نيويورك، وبجواره مقهى وحلواني الأتينيوس، المطل على محطة الرمل وتمثال سعد زغلول.

العظماء في الإسكندرية
يشير الكتاب إلى العظماء الذين جلسوا في هذه المنطقة: الشاعر السكندري اليوناني الفذ كفافيس (1863–1933)، المؤرخ الإنجليزي فوستر (1879–1970) الذي نشر كتابه الشهير «تاريخ الإسكندرية ودليل إرشادي لمدينة الإسكندرية وتاريخها»، ولورنس داريل (1912–1990) الذي كتب الرباعية الشهيرة عن الإسكندرية.
ويتذكر درويش إسكندرية ما قبل 1970 من خلال الصور الرائعة للمصور هاج، التي تُظهر المدينة الكوزموبوليتانية الأولى في العالم، منذ أيام الإسكندر الأكبر وحتى العصر الحديث. الشخصيات في روايات داريل ليست أوروبية أو مصرية أو شرق أوسطية أو إفريقية، بل سكندرية، تتميز بغنى فاحش وفقر مدقع.
ويؤكد أن الإسكندرية الحديثة حتى عام 1954 أزاحت الطبقات الرومانية والمسيحية والعربية والمملوكية لتظهر الطبقة الهيلينية، أي أصبحت يونانية الصبغة.
ترام الرمل ومحطاته
وصف المؤلف لمحطات الترام قطعة من الأدب الراقي، موضحًا أسماء المحطات وأسباب التسمية، وذكر تاريخ المباني والمعماريين الإيطاليين، مثل أفريكو بونيو، أنتونيو لازاياك، وماريو روسي. كما يتناول وسط البلد وجاليات الإيطاليين، الفرنسيين، اليونانيين، الأرمن، الإنجليز، ولبنان ومالطا، والمطاعم والمقاهي الشهيرة.
ويستعرض الكتاب مطعم فول محمد أحمد (بنيامين) الذي أسسه يهودي يمني، ثم باعه لطباخه المسلم بعد مغادرته الإسكندرية عام 1957، وتاريخ ترام الرمل ووصوفه التفصيلية لكل محطة، مثل سوتر، الأزاريطة، كليوباترا، الشاطبي، كامب شيراز، مصطفى باشا، رشدي، لوران، سيدى بشر، زيزينيا، سان ستيفانو، مظلوم، وفيكتوريا.
ويغطي الكتاب كذلك محطات الإبراهيمية وسبورتينج وسيدى جابر وباكوس وفلمنج وبكلة وسابا باشا، كلها مرتبطة بأسماء شخصيات هامة.

المدينة وحياتها اليومية
يحكي المؤلف عن زياراته مع طفليه عام 1992، واختفاء مظاهر الاحتفال بالكريسماس، وتغير ملابس الناس في الشارع، كما يتحدث عن مكتبة المعارف ومقهى «البن البرازيلي»، وتدهور محلات عمر أفندي، وتاريخ البيرة في الإسكندرية، وصحف الإيجيبشيان جازيت والإيجيبشيان ميل، وزميله فيكتور نحمياس.
كما يروي قصص المهندس لوريا، والمعماريين الإيطاليين، واليونانيين والإيطاليين واليهود، وأثرهم في المدينة، ويصف بيته العائلي في محرم بك وفيلاته الصيفية في سيدى بشر، وما تعكسه هذه البيوت من تنوع سكان الإسكندرية من مختلف الجنسيات.

الجانب الصحي والمستشفيات
يتناول الكتاب تاريخ النظام الصحي في مصر، من صيدلية ميدان سعد زغلول إلى المستشفيات القبطية والإيطالية، ومساهمات أطباء مثل كلوت بك، وماكس سلامة، والممرضات مثل أم شلومو، ويصف جهودهم في تقديم الرعاية الطبية والمجانية للفقراء، مع تفاصيل عن المستشفيات والممارسات الطبية في المدينة.

الجانب الاجتماعي والثقافي
ويتحدث عن مهرجان الزهور، العربات المغطاة بالورد، المشاركة الجماهيرية، تأثير تأميم الشركات في 1961، ودور السينما، والترفيه، والنوادي الثقافية، مثل نوادي القراءة، ومكتبات الأطفال، وعادات الحياة اليومية في الإسكندرية القديمة، مع التركيز على التنوع الثقافي واللغوي بين العربية، الفرنسية، الإنجليزية، اليونانية، والإيطالية.

محرم بك والترام
يتناول الكتاب حي محرم بك، معمارية المباني الإيطالية، عربات المياه والكهرباء، انتقال السكان تدريجيًا إلى الرمل مع ظهور ترام الرمل (1860) والتحول إلى الكهرباء (1902)، ووصف الفيلات الفاخرة، وأسماء الشخصيات التي سكنت الحي، والعائلات المهاجرة، مع تاريخها الاجتماعي والثقافي.
