ماذا تبقى للفلسطيني.. سردية أجيال تقاوم الاحتلال في «اللي باقي منك» - بوابة الشروق
الجمعة 6 مارس 2026 11:57 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

ماذا تبقى للفلسطيني.. سردية أجيال تقاوم الاحتلال في «اللي باقي منك»

الشيماء أحمد فاروق
نشر في: الثلاثاء 27 يناير 2026 - 11:44 ص | آخر تحديث: الثلاثاء 27 يناير 2026 - 11:45 ص

يُعرض حاليا فيلم "All That’s Left of You - اللي باقي منك" في مصر، وهو عمل درامي فلسطيني-عالمي صدر عام 2025، كتبته وأخرجته المخرجة الفلسطينية-الأمريكية شيرين دعبس، التي تشارك أيضا في البطولة إلى جانب صالح بكري، محمد بكري، وآدم بكري، وغيرهم من الممثلين.

يسرد الفيلم قصة عائلة فلسطينية تمتد عبر ثلاثة أجيال، من النكبة في عام 1948 عندما طُرد الجد من يافا، مرورا بتجارب الأب والابن في ظل الاحتلال، وصولا إلى اللحظة التي يتورط فيها حفيد العائلة في احتجاج بالضفة الغربية في ثمانينيات القرن الماضي، فتعيد والدته سرد تاريخ العائلة والأحداث التي أوصلتهم إلى تلك اللحظة.

عُرض الفيلم أول مرة في مهرجان "Sundance" السينمائي 2025، ولاحقا شارك في مهرجانات عالمية أخرى، كما رُشح ليكون الترشيح الرسمي للأردن في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار 2026، لكنه لم يصل إلى القائمة القصيرة، ووصل فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو أيضا فيلم تنتمي الدراما فيه إلى القضية الفلسطينية.

حصل الفيلم على تقييم نقدي جيد على أكثر من منصة متخصصة في تقييم الأعمال الفنية، من بينها "روتين توماتوز" التي حصل الفيلم فيها على 100% من التعليقات الإيجابية، ومنحته منصة الناقد العالمي روجر إيبرت 4 نجمات، ووصفته المنصة بأنه "ملحمة فلسطينية متعددة الأجيال، ويُعد من الأفلام المتقنة والمصورة ببراعة، ما يدل على مخرجة اكتسبت الكثير من الخبرة وتتوق إلى المزيد، وهو تحفة فنية درامية لا تنتمي إلى السرد الخطي التقليدي".

فيلم "اللي باقي منك - All That’s Left of You" هو الفيلم الروائي الثالث لمخرجته، وكان فيلمها الأول "أمريكا"، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان ساندانس عام 2009، تناول قصة عائلة فلسطينية من الضفة الغربية تواجه الإسلاموفوبيا في محيطها الجديد في شيكاجو، وبعد خمس سنوات، أخرجت فيلم "مايو في الصيف"، وهو فيلم درامي لا يخلو من لمحة ساخرة.

يُعرض فيلم "اللي باقي منك" ضمن مبادرة "سينماد"، وهي مبادرة تهدف إلى تعزيز الثقافة السينمائية وإتاحة الأفلام العالمية للجمهور، وتعرض الأفلام العربية التي أطلقتها شركة "MAD Solutions" بدءً من ديسمبر 2025 ولمدة ثلاثة أشهر في عدد من دور العرض بمختلف أنحاء الوطن العربي، ومن بينها مصر، وقد سبقه عرض فيلم "فلسطين 36".

ثلاثة عقود من الاحتلال.. ماذا بقى؟


يحمل عنوان الفيلم مفتاحا قويا لفهم جزء من مضمونه الدرامي، "اللي باقي منك"، ماذا تبقى من الفلسطيني بعد عقود من الاحتلال؟، هكذا يُلقي الفيلم بسؤال قوي في ذهن الجمهور، والإجابة تكمن في "قلب" و"منزل قديم" و"ذاكرة"؛ حيث تنقسم الإجابة إلى ثلاثة أجزاء في الفيلم: القلب الذي انتقل من الصبي إلى الشاب اليهودي ويعيش به، والمنزل القابع في يافا بجدرانه المتآكلة رغم السنين، وذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل لن تُمحى.

يعتمد الفيلم على السرد غير الخطي، حيث نبدأ من النهاية (الحاضر)، ثم نعود إلى منتصف الأحداث، ومنها إلى البداية، ثم نعود مرة أخرى للحاضر، حيث نتأرجح داخل الزمن بين ثلاثة أجيال فلسطينية، وينقسم الزمن إلى فترات: 1948، 1978، 1988، وفي النهاية 2022.

ومن خلال هذه البنية الزمنية المتكسرة، يطرح الفيلم سؤال الهوية بوصفه سؤالا مفتوحا لا يكتمل؛ فالقلب الذي ينتقل من جسد إلى آخر يتحول إلى استعارة مكثفة عن اقتلاع الجسد الفلسطيني من مكانه، وعن استمرار الحياة داخل جسد آخر لا ينتمي إليه.

كما يمثل البيت القديم في يافا رمزا للثبات في مواجهة المحو، جدران تتآكل لكن الذاكرة التي تسكنها تظل عصية على الزوال، فيما تصبح الذاكرة نفسها فعل مقاومة، لا مجرد استعادة للماضي، بل إعادة تعريف للوجود في الحاضر.

على مستوى الشخصيات، لا يقدم الفيلم أبطالا تقليديين بالمعنى الدرامي، بل أفرادا عاديين تُقاس بطولتهم بقدرتهم على البقاء؛ الجد، والأب، والابن، ليسوا رموزا خطابية، بل ذواتا متصدعة تحاول التكيف مع واقع قاسٍ، وتجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ خيارات قسرية بين البقاء والرحيل، الصمت والمواجهة، التكيف والمقاومة. هنا تتحول البطولة من فعل خارق إلى ممارسة يومية للهشاشة، حيث يصبح الاستمرار في الحياة فعلا سياسيا بحد ذاته.

كما يحرص الفيلم على التركيز على الشخصيات الفلسطينية العادية وتناقضاتها على مستوى التفكير والاختيارات فيما يتعلق بالتعامل مع الوضع بعد 1948، التهجير القسري، والمغادرة خارج حدود فلسطين أو البقاء والتأقلم، أو المقاومة من الداخل، مع كثير من التفاصيل الإنسانية التي تبتعد عن فعل المقاومة الملازم لحمل السلاح، بل يصبح التذكر سلاحا، وحفظ النشيد الوطني سلاحا، وحفظ قصائد عربية سلاحا، في وجه احتلال يحاول اقتلاع كل الجذور.

ويمكن قراءة الفيلم في سياق السينما الفلسطينية المعاصرة، حيث يُرى الفيلم بوصفه امتدادا لتقاليد سردية تسعى إلى تفكيك تمثيل الفلسطيني خارج الثنائية المعتادة بين الضحية والمقاتل، لصالح صورة أكثر تعقيدا وإنسانية، تركز على الحياة اليومية بوصفها ساحة صراع خفية، كما يتقاطع مع موجة سينمائية أوسع تحاول إعادة تعريف البطولة بعيدا عن العنف المباشر، لتصبح القدرة على التذكر، والحب، والحزن، والنجاة، أشكالا بديلة للمقاومة.

حتى لحظة الاحتجاج في الضفة الغربية لا تُقدم كبؤرة درامية تقليدية للذروة، بل كنقطة تقاطع بين الأزمنة، حيث يصبح الحفيد امتدادا جسديا لتاريخ لم يختره، لكنه وُلد داخله، والفعل السياسي هنا ليس لحظة بطولة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من القهر والتراكم النفسي والاجتماعي، بما يحول السياسة من حدث إلى بنية يومية.

وعلى الرغم من العناصر العديدة الجيدة في الفيلم، يمكن النظر إلى المدة الزمنية التي تقع فيها الأحداث - ساعتان ونصف - كاختيار سلبي بعض الشيء من المخرجة، حيث تستغرق وقتا طويلا في تفاصيل يمكن اختصارها، لأنها لم تقدم شيئا للدراما الخاصة بالفيلم، إذ تغوص المخرجة في اللحظة الإنسانية بعمق وبطء في آن واحد، فلم تستطع الحفاظ على التوازن بين عمق اللحظة الإنسانية دون الدخول في الشعور بالبطء والملل في بعض اللحظات.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك