النمسا تعتزم حظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 14 سنة بداية من سبتمبر المقبل - بوابة الشروق
الأربعاء 28 يناير 2026 5:43 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

النمسا تعتزم حظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 14 سنة بداية من سبتمبر المقبل

المستشار النمساوي يتوسط نائبه ووزيرة الخارجية
المستشار النمساوي يتوسط نائبه ووزيرة الخارجية
فيينا- خالد أبو بكر
نشر في: الأربعاء 28 يناير 2026 - 11:50 ص | آخر تحديث: الأربعاء 28 يناير 2026 - 11:50 ص

- الحكومة النمساوية: أبنائنا يتعرضون لمحتوى يفوق قدرتهم النفسية والعقلية على الاستيعاب من عنف وتنمّر وتضليل وصولًا إلى التطرف

- القضية طرحت نقاشًا أعمق بشأن من يملك السيطرة على الفضاء الرقمي وتشكيل وعي الأطفال: الحكومات أم شركات التكنولوجيا العابرة للحدود

تتجه الحكومة النمساوية إلى واحدة من أكثر الخطوات تشددًا في أوروبا تجاه الفضاء الرقمي، بعدما أعلنت عزمها فرض حظر على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن الرابعة عشرة، بدءًا من العام الدراسي المقبل في خريف 2026. القرار، الذي لا يزال في طور الإعداد التشريعي، فتح نقاشًا واسعًا داخل النمسا، سياسيًا وإعلاميًا وقانونيًا، حول حدود دور الدولة في حماية القُصّر، وحول ما إذا كان هذا الحظر ضرورة اجتماعية أم اعترافًا متأخرًا بفشل ضبط منصات التكنولوجيا العملاقة.

الحكومة الائتلافية الثلاثية التي تضم حزب الشعب النمساوي المحافظ (ÖVP) بزعامة المستشار النمساوي كريستيان شتوكر، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPÖ) بزعامة نائب المستشار أندرياس بابلر، وحزب الليبراليين الجدد (NEOS) بزعامة وزيرة الخارجية بياته ماينل – رايسينغر ، وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الأيديولوجية مكوناتها، فإنها تلتقي عند تشخيص أساسي مفاده أن الأطفال باتوا يتعرضون عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمحتوى يفوق قدرتهم النفسية والعقلية على الاستيعاب، من عنف، وتنمّر، وتضليل، وصولًا إلى التطرف الرقمي.

• التطبيق في سبتمبر المقبل

كاتب الدولة (منصب أقل من وزير الدولة) لشؤون الرقمنة ألكسندر برول، المنتمي لحزب الشعب (ÖVP)، كان أول من كشف ملامح الخطة، في تصريحات لإذاعة "Ö1" الرسمية، مؤكدًا أن الحكومة تعمل بالفعل على تصور تشريعي يسمح بتطبيق الحظر مع بداية العام الدراسي المقبل. برول أشار إلى أن بلاده تدرس الاستفادة من التجربة الأسترالية، حيث تُحمَّل منصات التواصل نفسها مسؤولية التحقق من أعمار المستخدمين، معتبرًا أن حماية الأطفال "لم تعد شأنًا عائليًا فقط، بل قضية تتعلق بصحة الديمقراطية".

هذا الطرح لقي دعمًا قويًا من الحزب الاشتراكي (SPÖ)، حيث ذهب نائب المستشار ووزير الإعلام أندرياس بابِلر إلى اعتبار أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكل أحد أخطر مصادر التأثير السلبي على الأطفال، ليس فقط من زاوية الصحة النفسية، بل أيضًا من زاوية التطرف السياسي والكراهية والعنف. بابِلر شدد، في تصريحات إعلامية متكررة، على أن الهدف من الحظر ليس معاقبة الأطفال أو عزلهم، بل "حمايتهم في مرحلة عمرية حساسة لا يملكون فيها أدوات الدفاع الكافية".

لكن داخل الحكومة نفسها، لا يسير الإجماع بسلاسة. حزب الليبراليين الجدد (NEOS) عبّر عن تحفظات عميقة، ليس على مبدأ حماية الأطفال، بل على آلية التنفيذ. المتحدثة باسم الحزب، هينريكه براندشتوتر، حذرت في تصريحات لصحيفة "دير شتاندرد" من نقل مسؤولية التحقق من الأعمار إلى شركات التكنولوجيا، معتبرة أن ذلك قد يفتح الباب أمام جمع أوسع للبيانات الشخصية، وتحويل الحماية إلى شكل جديد من الرقابة الرقمية. وترى NEOS أن الحل الأمثل يكمن في إطار أوروبي موحد، يعتمد على هوية رقمية حكومية، مثل النسخة الأوروبية المطوّرة من "ID Austria"، حتى لا تتحول المنصات الخاصة إلى حارس أعمار المواطنين.

• قلق أوروبي و مصري

الجدل النمساوي لا ينفصل عن سياق أوروبي أوسع. ففي أكتوبر الماضي، دعا قادة الاتحاد الأوروبي إلى فرض حدود عمرية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بينما طالب البرلمان الأوروبي بتحديد الحد الأدنى عند 13 عامًا، مع تكليف المفوضية الأوروبية بإعداد تشريع شامل قبل نهاية 2026. وفي فرنسا، اجتاز مشروع قانون يحظر استخدام الشبكات الاجتماعية على من هم دون 15 عامًا القراءة الأولى في البرلمان، ما يمنح التحرك النمساوي غطاءً سياسيًا أوروبيًا، لكنه في الوقت نفسه يضعه تحت مجهر قانوني، نظرًا لاحتمال تعارض القوانين الوطنية مع تشريعات السوق الرقمية الأوروبية.

ولا يقتصر هذا القلق على أوروبا وحدها؛ ففي مصر، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 24 يناير 2026، إلى إصدار تشريعات تحد من استخدام الهواتف المحمولة للأطفال حتى سن معينة، مستشهدًا صراحة بالتجربتين الأسترالية والبريطانية. وفي كلمته خلال احتفالية عيد الشرطة، شدد الرئيس السيسي على أن الهدف من هذا التوجه لا يتعلق بحماية سلطة أو نظام، بل بحماية الأبناء من مخاطر تهدد وعيهم وتكوينهم النفسي والمعرفي. هذا التقاطع في الخطاب بين فيينا والقاهرة يعكس إدراكًا متناميًا لدى الدول بأن مسألة الأطفال والفضاء الرقمي لم تعد شأنًا تربويًا أو عائليًا فقط، بل قضية سياسات عامة وأمن اجتماعي طويل الأمد.

• مواجهة شركات التكنولوجيا

في قلب النقاش النمساوي، يبرز سؤال لا تغفله الصحافة المحلية: هل الحظر حل فعلي أم هروب من مواجهة شركات التكنولوجيا؟ افتتاحيات عدة، أبرزها في صحيفة “دي برس”، رأت أن الدولة تعترف ضمنيًا بعجزها عن فرض قوانينها داخل الفضاء الرقمي، فتختار الطريق الأسهل عبر منع الأطفال بدلًا من ضبط المحتوى ومعاقبة المنصات المخالفة.

إلى جانب ذلك، تبرز تساؤلات عملية صعبة: كيف يمكن التحقق من أعمار المستخدمين دون المساس بالخصوصية؟ وهل يؤدي الحظر إلى حماية حقيقية، أم يدفع الأطفال إلى التحايل والانتقال إلى منصات أقل أمانًا؟ أسئلة لا تزال بلا إجابات حاسمة، في ظل غياب حل تقني يجمع بين الفعالية وحماية البيانات.

في المحصلة، لا تبحث النمسا فقط عن طريقة لحظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال، بل تخوض نقاشًا أعمق حول من يملك السيطرة على الفضاء الرقمي: الحكومات أم شركات التكنولوجيا العابرة للحدود. وهو نقاش يتجاوز فيينا، ويمتد إلى عواصم عربية وأوروبية، في عالم باتت فيه شاشات الهواتف جزءًا من معركة تشكيل الوعي منذ الطفولة المبكرة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك