نظمت اللجنة الثقافية بنقابة الصحفيين، مساء أمس الثلاثاء، ندوة لمناقشة كتاب «هيكل وبهاء: ترويض السلطة» للكاتب الصحفي علي النويشي، والصادر عن دار بيت الحكمة للثقافة، وذلك بالقاعة المستديرة في قاعة محمد حسنين هيكل بالدور الثالث بمبنى النقابة.
شارك في المناقشة الكاتب الصحفي يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، والكاتب الصحفي عبدالله السناوي، فيما أدار اللقاء الكاتب الصحفي محمد الشافعي.
واستهل الكاتب الصحفي عبدالله السناوي حديثه بالدور الثقافي والسياسي والمهني الكبير للكاتبين الصحفيين محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين.
وأوضح أنه إذا بدأنا من تجربة جمال عبد الناصر والناصرية، فإن أحمد بهاء الدين في بداياته كان متأثرًا بالتيارات القومية في المشرق العربي، وكانت له صلة بمؤسس حزب البعث ميشيل عفلق، مضيفًا أنه مع طرح مشروع عبد الناصر والوحدة العربية وجد نفسه منخرطًا فيه، بينما اكتسب هيكل وعيه العروبي من خلال تجربة حرب 1948 واحتكاكه المباشر بالأحداث وهو لا يزال صحفيًا شابًا في السادسة والعشرين من عمره.
وأضاف السناوي أن أحمد بهاء الدين كان ناصريًا بالمعنى العميق للمشروع، من حيث الإيمان بالتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية، مشيرًا إلى أن مقاله الشهير «موتوا بغيظكم» جاء تعبيرًا عن هذا الانحياز في مواجهة الحملات التي استهدفت جمال عبد الناصر.
وتناول أن قرب محمد حسنين هيكل من الرئيس عبد الناصر لم يكن أمرًا سهلًا، موضحًا أن أي مدني يقترب من رأس الدولة يكون عرضة لمحاولات إبعاده من قِبل أجهزة تسعى للانفراد بالتأثير على الرئيس.
وتابع أن هيكل نجح في تجاوز هذه العقبة عبر طبيعة العلاقة الخاصة التي جمعته بالرئيس جمال عبد الناصر، والتي وصلت—بحسب وصفه—إلى حالة من «الاتصال الكامل» أو ما يشبه «البلاك أوت»، حيث لم يكن ينقل ما يدور داخل الغرفة إلى خارجها، كما لم يكن يدوّن أو ينشر ما يطرحه من أفكار إلا بما يترك للرئيس حرية استخدامه أو عدم استخدامه.
واستعاد السناوي في سياق حديثه واقعة طريفة تجمع بين هيكل والمفكر جمال حمدان، موضحًا أن هيكل أراد لقاءه لأول مرة، وكان الكاتب مصطفى نبيل هو الوحيد الذي يزوره في عزلته. وأضاف أنهما توجها معًا إلى منزله، وظل مصطفى يطرق الباب بالطريقة المتفق عليها دون استجابة، فما كان من هيكل إلا أن ألقى حجرًا على شرفة المنزل، ففتح حمدان الباب.
وأشار إلى أن اللقاء استُكمل لاحقًا في أحد فنادق القاهرة، حيث دار حديث لافت، إذ سأل حمدان هيكل بدهشة: «أنت صديق عبد الناصر وتدخن السيجار؟»، ليرد هيكل: «لا تنسَ أن هذا السيجار صناعة كوبية، وهي دولة اشتراكية»، مؤكدًا أن هيكل وبهاء اهتما بجمال حمدان كلٌّ بطريقته.
وتابع أن محمد حسنين هيكل وجمال حمدان أسهما في تأسيس ما يمكن اعتباره نظرية للأمن القومي المصري، موضحًا أن حمدان أصل لهذه الرؤية انطلاقًا من الجغرافيا والتاريخ، حيث إن مصر—بحسب طرحه—إما أن تنكفئ على نفسها فتضعف، أو تنفتح على محيطها العربي فتقوى وتنهض.
وأضاف أن هيكل لم يكن مجرد صحفي، بل كان مفكرًا استوعب هذه الحقائق وتعامل معها بوعي، ما انعكس على كتاباته ورؤيته لدور مصر الإقليمي.
وأضاف أن هناك عنصرًا مشتركًا خفيًا بين هيكل وبهاء يتمثل في الحس الفني والتذوق الثقافي، موضحًا أن أحمد بهاء الدين كان يتابع الفنون باهتمام، وكان من أوائل من التفتوا إلى موهبة فيروز وكتب عنها.
وأشار إلى أن محمد حسنين هيكل كان أيضًا صاحب ذائقة موسيقية رفيعة، حيث كان «سميعًا» للموسيقى الكلاسيكية، وكتب مقالات نادرة تناول فيها الفن التشكيلي، لافتًا إلى أن الصحفي الكبير لا يمكن أن ينفصل عن ثقافة حقيقية واسعة.
وأضاف أن تطور أسلوب هيكل عبر مراحل مختلفة من مسيرته يمثل نموذجًا لافتًا، ويمكن أن يكون درسًا مهمًا للصحفيين الشباب في فهم تطور الكتابة وتراكم الخبرة.
وتابع السناوي أن الحياة الثقافية المصرية عرفت ظاهرة «الثنائيات»، مستشهدًا بنماذج مثل شوقي وحافظ، ودرويش والقاسم، وطه حسين والعقاد، مشيرًا إلى أن الحديث اليوم عن هيكل وبهاء يأتي في هذا السياق، حيث لا تقتصر القمة على اسم واحد، بل تقوم على قدر من التجانس والتكامل.
وأشار إلى أن من بين الإشكاليات أن تلاميذ أحمد بهاء الدين المقربين لم يوثقوا تجربته بالقدر الكافي، على عكس محمد حسنين هيكل الذي كُتب عنه الكثير، وهو ما خلق فجوة في حضور كل منهما داخل الذاكرة المكتوبة.
شارك بالحضور السفيرة ليلى بهاء الدين، وهدايت على هيكل، أستاذ القانون في الجامعة الأمريكية، والكاتب والقاص سعد القرش، والروائي وحيد الطويلة، وهشام يونس أمين صندوق النقابة، والدكتور كريم حسين أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى مجموعة من الصحفيين والمثقفين ومحبي هيكل وبهاء.